الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. أماكن لها قيمة

باختصار .. أماكن لها قيمة

زهير ماجد

ماتعرضه احدى المحطات الفضائية الاخبارية المهمة حول اماكن لها قيمة تاريخية وانسانية ونضالية بالدرجة الاولى، نتمنى لو تتحول الى مزار لأنها تقدم المكان الذي يعني الرمز، وهو الاسم الذي مازال تداوله يثير الظمأ اليه .. فمنزل الثائر تشي جيفارا في الارجنتين مثلا وهو المقصود في كلامنا، يعيدنا الى ذاكرة لم تكن عادية في التاريخ القريب، بقدر ماهي جزء من مروحة اسماء كان لها وهج وحضور ومفهوم.
لم يكن تشي حدثا عاديا في القرن الماضي، ويبدو ان وجود مايشبهه فيها كان له اثر في اعطائه قيمة الحضور المدوي الذي صار ليه. سيكون من الصعب دائما وجود رمز لوحده ان يلعب دورا طليعيا اذا لم يكن محاصرا بما يشبهه .. ففي اميركا اللاتينية اليوم نهوض دول وليس دولة واحدة كما كان حال كوبا يوم تسلمها فيدل كاسترو وجيفارا وكل رفاقهم الآخرين .. كان صمودهم اشبه باسطورة، اما اليوم فالكل مرتاح الى السيطرة الوطنية لدول اميركا الجنوبية التي تبحث عن وحدتها باعتبار مصائر اقطارها مصير واحد تقريبا، وهو ضد الهيمنة الاميركية التي كانت دائما القادر الوحيد على اختراق تلك الدول وتنظيم واقعها السياسي وكل مشتقاته الأخرى.
في زمن جيفارا عمالقة اذن، كان هنالك عبد الناصر، وكان تيتو، وكان الاتحاد السوفيتي بقامته وحضوره، وكان احمد بن بله ولومومبا، ثم ماوتسي تونغ واحمد سيكوتوري وكوامي نكروما وجومو كينياتا وغيرهم. عالم من الكبار الذين ملأوا الارض تعبيرا عن معنى الانسان في كفاحه من اجل استقلاله ولقمة عيشه.
لاحقت المخابرات الاميركية وكل مخابرات العالم جيفارا الى ان اوقعته في فخها ثم قتلته، فكان الخوف من موته معنى لحياته التي عاش فيها المه الشخصي من حياة البؤس الانسانية. اذ لم يكن هذا الثائر النموذجي قد اغرته المناصب التي تركها وراءه في كوبا عبر رسالة من هذا القبيل لكاسترو، ثم رحل بحثا عن ثورة دائمة يصنعها ويشعلها ضد الاستعمار ونهب الشعوب التي من المؤسف انها لم تفهم حتى نضاله من اجلها فظلت كأنها غريبة عنه.
كان القرن الماضي قفزة كبرى في تاريخ مامر على البشرية من قيادات شكلت تحديا وطموحا. لكن الزمن سيد الاعمار، والاعمار بيد الله، وكلما كان يتساقط اسم، كانت اللوحة تهتز بعنف، الى ان خلا العالم منها. واليوم لم يبق الا التندر على مافات، والحنين اليه كمرحلة عبرت فعبّرت عن أمل ان يتمكن المرء من تغيير صورة السياسة في العالم.
اماكن لها قيمتها، كلنا مدعوون الى ان نجعل من اماكن لها تاريخ وقيمة مزارا يحتذى .. سيظل الكبار رسما في تاريخ الانسانية ولدى شعوبهم على وجه التحديد .. اما جيفارا الذي حمل الخلاص لشعوب معذبة، ومات من اجل افكاره، فلهذا السبب مازالت اجيال لم تعش مرحلته تتعايش مع طروحاته وتحمل صوره وتؤسس اسمه عالمها.
كل صاحب صحوة انسانية سيظل مقيما في الارض مهما تعددت الازمان وتبدلت.

إلى الأعلى