الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : إعادة ترتيب المخاوف العمانية (2)

العين .. الثالثة : إعادة ترتيب المخاوف العمانية (2)

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل ينبغي تقييم الاصلاحات التي ادخلت في البلاد منذ عام 2011؟ ولماذا ؟ لأنها تمثل الإرادة السياسية العليا لمواجهة مختلف الاكراهات المستقبلية لبلادنا سواء في إطارها الداخلي أو الخارجي ، والاكراهات لاتزال قائمة.. وبالتالي من الأهمية السياسية التقييم المرحلي، ومرور خمس سنوات على الاصلاحات مدة زمنية كافية للتقييم، بل وتستوجب التقييم فعلا، لخطورة كل مرحلة تدخلها بلادنا، وما انكشاف المخاوف الخارجية خاصة تلك التي على بوابة بلادنا الجنوبية الا مؤشر يستدعي التقييم ( فعلا) فماذا عن المخاوف الداخلية؟ التساؤل الأخير يؤكد على التقييم الموضوعي والشفاف والمحايد حتى نكون في مستوى الغايات السياسية للاصلاحات من جهة والتأكد أن نتائجها تسير وفق غاياتها من جهة أخرى.
وضرورات التقييم تميلها نوعية المخاوف نفسها، فهناك مخاوف منظورة مثل ما تناولناها في الجزء الاول من هذا المقال، ويمكن مواجهتها والقضاء عليها بسهولة، لأنها تعد قضايا مادية ملموسة مثل وجود جماعة ارهابية خارج الحدود أو داخلها تهدد أمننا واستقرارنا .. حيث يمكن ارسال لها قوة عسكرية للقضاء عليها، ومخاوف غير منظورة كتداعيات تعطيل أو تأخير أو عرقلة تطبيق الاصلاحات والاوامر السامية .. التي تمس منطقتنا الاجتماعية أو بروز ظواهر غرور المال وغرور النفوذ أو غرور المنصب، ومحاولتها الالتفاف على الاصلاحات ونتائجها بحجج غير صحيحة أو غير دقيقة أو مصطنعة .. وهذا ما يشكل قلقنا الاكبر لأن تداعياتها داخلية وتمس بنية الدولة الانساني والديموغرافي، أي أنها تمس إحدى مكونات الدولة الأساسية، وربما في مقال قادم نحدد قائمة بالمخاوف غير المنظورة، أما في الجزء الثاني من هذا المقال، فالمسيطر علينا حرب افراغ الهيئة العامة لحماية المستهلك من فاعليتها المبهرة واقصاء أطرها الوطنية الفاعلة بعد أن كسبت الهيئة بقيادتها وأطرها المختلفة صدقيتها ومصداقيتها في الشأن العام، وعانق أداؤها مقامات التشريف العالي بعيد تعيينها بمرسوم سامي، فبرز الدكتور سعيد الكعبي كشخصية قيادية بامتياز استوعبت غايات انشاء الهيئة ضمن تلك الاصلاحات الشاملة في إطارها الزمني أنذاك، واختارت وهيأت معها من أبناء الوطن جنود لا يعرفون مدى زمني لجهودهم، ولا حدود مكانية يقفون عندها، ليلهم قد تحول الى نهار، ونهارهم الى ليل، وفي فترة زمنية قصيرة لا تتعدى خمس سنوات، أبهرت هذه المؤسسة الخارج بمحيطه الإقليمي وفضائه العالمي بإنجازاتها الداخلية، فحصدت الجوائز والكؤوس والشهادات رغم ما كان يحاك ضدها من مؤامرات للقضاء عليها أو على الاقل تفريغها من محتواها، ولم ينجحوا، والآن يعلنون نجاحهم مسبقا في مجاهرة تثير اليأس والاحباط والقلق، فهل نجحوا أخيرا ؟ فاجأتنا إحدى شخصيات هذا التيار بتحديد بضعة أشهر لإقالة رئيس هذه المؤسسة، وكل من يعرف تلك الشخصية، يقر بموقعها وتموقعاتها العليا، ونفوذها ونفاذها العلني والسري، وكشفوا لنا كذلك بتقرب اصحاب المناصب العليا لها للزوم التقرب، ولدواعي كسب رضاها وودها، وهذه الحيثيات تعكس نفوذ تلك الشخصية وتعمقاتها في دهاليز السلطة، والا، فكيف تحدد الإقالة وفق إطارها الزمني سالف الذكر ؟ والمثير في هذه القضية، مكان الكشف عن الاقالة وطريقتها، فقد كانت في حضرة جمع من رجال الاقتصاد العمانيين في احدى الفعاليات في أوروبا، فهل للمكان تجليات خاصة ..؟؟؟ كشفت بصوت مرتفع كالمنتصر في حرب ضروس، قائلة: ابشروا سيرحل (…) بعد بضعة اشهر، فهل هى صاحبة صنع القرار أم مؤتمنة عليه؟ إذا سلمنا جدلا بصحة بشارتها، فهى قد خانت الامانة؟ وتأملوا معنا مفردة ،، ابشروا ،، والبشارة في النص القرآني – كما نعلم – تأتي إيجابا وسلبا، فهى هنا ايجابية لفئة المنتفعين الذين كانوا يتاجرون بقوت ومآكل ومشرب وهواء وخدمات المواطن، وسلبية للمواطن الذي أصبحت هناك مؤسسة وطنية تدافع عن حقوقه الاساسية لتحقيق العدالة دون ضرر ولا ضرار، والحفاظ على صحته وأمواله من جشع بعض التجار، قلنا في مقالات سابقة أنهم حاولوا، لكنهم فشلوا، فهل الآن نجحوا ؟ ننظر لتسريب بشارته، بأنها قدرية، لكي نبدي تضامنا مع الهيئة ومع رئيسها وكل أطرها ، ولكي نوجه رسالة عاجلة لصناع القرار، مفادها أن اقالة الكعبي أو تفريغ محتوى الهيئة سيعتبر اجتماعيا التفافا على جوهر الاصلاحات، ومؤشرا خطيرا على معاقبة المخلصين والاوفياء من ابناء الوطن، وللزوم أقامه الحجة الوطنية لصالح الهيئة وقيادتها سنستدعي من مقالين سابقين نماذج من انجازاتها تتحدث عن نفسها ، وليكن في عام 2014 فقط، ففيه ضبطت الهيئة أكثر من مليون ونصف المليون سعلة مخالفة للسلامة الغذائية، فلو لا هذا الجهد، لتعرض الالاف من المستهلكين لأمراض مختلفة على أقل تقدير ، كما قامت باستدعاء ( 224) الف سيارة بها عيوب تصنيع، واصدرت قرار بمنع الاطارات المستعملة، وكذلك تمكنت خلال العام نفسه من ضبط قطاع غيار مقلدة من قبل كبرى احدى الشركات في قضية شهيرة جدا، وهذا يعني كذلك أن الهيئة تساهم مساهمة فعالة في الحد والتقليل من حوادث الطرق، وهذا ما أنعكس فعلا على انخفاض الحوادث في بلادنا بصورة ملموسة، إذن، الهيئة تعنى بسلامة حقنا في الحياة – والاعمار بيد الله – وما اكتشاف الغش والتدليس الكبيرة في ولاية السيب في شهر رمضان المبارك عنا ببعيد، ولو مررت تلك الآلاف من المواد الغذائية على المستهلكين لضرت بحقهم في الصحة، وربما الحياة، وما قضية ضبط عمالة وافدة تقوم ببيع لحوم فاسدة وغير صالحة للاستخدام الآدمي، ويتم اعدادها في أماكن قذرة في محافظة طفار الا نموذج يدلل على الوقوف معها ودعمها لا اقالة قائدها أو حتى التلويح بها، لكم فقط نماذج مختارة في عام واحد، فكيف بانتصاراتها خلال الأربع سنوات الاخرى؟ فكيف لو استعرضنا مجددا الجوائز والشهادات التي حصلت عليها من مؤسسات محلية واقليمية وعالمية معتبرة ، كما أننا ندعوكم للتأمل والبحث في مرحلة ما قبل إقامة الهيئة ومرحلة ما بعد إقامتها عام 2011؟ وكما تلاحظون حجم الخسائر المالية الكبيرة التي تضررت بسبب الكشف عن البضائع الفاسدة مثلا ، فهل نتوقع من بعض التجار يرضون عن الهيئة والكعبي أم يسعون بكل ما أتوا من مال ومن نفوذ ومنصب ومن علاقات محلية وعالمية لعودة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل الهيئة أو على الاقل جعلها صورية ؟ إذن ، مع من يجب أن نقف ؟ مع استمرار الهيئة بفاعليها أم تفريغها وإقالة رئيسها ؟
أننا اليوم في يوم الوفاء لرجال العطاء – قيادة واطرا – ولا أحسبني هنا مبالغا – والله خير الشاهدين – إذ ما قلت أن العطاء اسما مرادفا لكل العاملين في الهيئة، إنجازاتهم هنا الحاكمة فيما بيننا، فهل نكافاهم على هذا العطاء ياوطن أم نعاقبهم بإقالة قائدهم ؟ وبسبب ماذا ؟ بسبب انتصاراتهم على الفساد والمفسدين ، وبسبب وضعهم حدا لثرائهم بقوت المواطنين ، وبسبب حرصهم على حقنا في الصحة ، وحقنا في الحياة ، فكيف لا نكون معهم أوفياء ياوطن ، ولو بحثنا في كل حروف لغة الضاد – على كثرتها – فلا نحسبها قادرة على إفراز عبارات تحقق لرجال العطاء ما يستحقونه من التقدير والوفاء في مقابل إخلاصهم وعطائهم المنقطع النظير، وهذه رسالة موجهة إلى أصحاب القرار في البلاد ، ونذكر هنا بقول الله عز وجل في سورة الرحمن{ هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، وإننا بهذا المعيار الإلهي نقول لرجالات الهيئة، كل مواطن معكم فما جزاء عطاكم إلا الوفاء لكم والتضامن معكم، وهذا لا يعني أن تكون تجربة الهيئة العامة لحماية المستهلك ضمن عملية تقييم الاصلاحات الشاملة التي نطالب بها في مقدمة المقال ، فهى جزءا اصلا منها، بل هى تعطي للاصلاحات بريقها السياسي المتوهج دائما ، فكيف يراد لها التغيير دون التقييم الموضوعي والمحايد وغيرها يراد له البقاء رغم اخفاقاته وعدم الرضا الاجتماعي عليه ، فهل تريدون تحويل مؤشرات الرضا الاجتماعي الى ما قبل أقامه الهيئة العامة لحماية المستهلك ؟ إذا كان من حقهم أن يقول للكعبي وبصوت مرتفع أرحل ، فمن حقنا القول بنفس الصوت أبقى ؟ والقرار سيكون لصالح من يا وطن، للقلة أم للمجتمع ؟

إلى الأعلى