الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : السمسرة الأميركية بين الاتفاق النووي وداعش

شراع : السمسرة الأميركية بين الاتفاق النووي وداعش

خميس التوبي

يبدو أن العرج الذي أصاب جون كيري وزير الخارجية الأميركي انتقل أو أراد الوزير ذاته نقله إلى الاجتماع الخليجي ـ الأميركي ـ الروسي في العاصمة القطرية الدوحة أمس الأول، فالعرج أقل ما يمكن وصف الاجتماع به بناء على التصريحات العرجاء التي أطلقها الوزير الأميركي في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع.
وكما هو معلوم لدى العامة والخاصة أن الاجتماع انعقد على قاعدة القلق الخليجي من الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية والإيرانية والدول الكبرى المعروفة بـ”5+1″، إلا أن الاجتماع بدا كجبل تمخض فولد فأرًا، من خلال جملة التناقضات الصارخة التي كمَّمت فوهات القلق والزعل والحرد الخليجي، وبان عرجها في المقاربات التي أطلقت في المؤتمر الصحفي والتي أشبه بمطارحات على أرائك السياسة الأميركية المصنوعة في البيت الأبيض والبنتاجون لِقَوام الأصدقاء الذين يُرقَّوْنَ ابتزازًا في فترات إلى رتبة حلفاء، بينما هم في الحقيقة في العرف الأميركي مجرد سخرة ومؤدي أدوار وظيفية بعيدًا عن القرار السيادي والاستقلالية. ويمكن ملاحظة العرج من خلال:
أولًا: التأكيد على “أهمية التعاون مع إيران على أسس مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفض المنازعات بالطرق السلمية”، وأن “واشنطن ودول الخليج ملتزمة معًا بأمن واستقرار المنطقة، وأنها تدرك أن تنفيذ الاتفاق مع إيران سيؤدي لأمن المنطقة، وأن “واشنطن تنوي تطوير شراكة استراتيجية أقوى مع دول الخليج”. فهذا القول يتناقض جملةً وتفصيلًا مع التصريح بالقول “توافقنا على تسريع بيع بعض الأسلحة الضرورية والتي استغرقت وقتًا طويلًا في الماضي، وعلى البدء بعمليات تدريب محددة جدًّا بهدف تبادل وتقاسم المعلومات الاستخباراتية”، واستمرار المشاورات بين واشنطن وحلفائها الخليجيين حول “كيفية دمج أنظمة الصواريخ البالستية لدول المنطقة”.
والسؤال المنطقي إزاء ذينكم التصريحين هو: إذا كان الاتفاق النووي أمْلَتْهُ الضرورة والقناعة بأن استخدام القوة العسكرية وتجييش الجيوش وحشد البوارج الحربية وحاملات الطائرات في المنطقة ومياهها الإقليمية، وسياسة العقوبات الاقتصادية الصارمة على إيران لم ولن يحققا الأهداف الصهيو ـ غربية، وأن الاتفاق النووي نزع فتيل المواجهات والتدخلات، وجنَّب المنطقة والعالم المزيد من ويلات الحروب والدمار والخراب، فلماذا بيع وتسريع تسليم الأسلحة لدول الخليج؟ وما الجدوى منها وقد انتفى الخطر الإيراني بعد توقيع الاتفاق؟ وإذا كان التحجج بحماية العروش من تنظيم “داعش” الإرهابي وخطره، أليس “داعش” وسائر التنظيمات الإرهابية هي صناعة صهيو ـ غربية وتتربى وتُدعم على يد دول إقليمية وعربية معروفة، ومن أجلها يُعطَّل قرارا مجلس الأمن الدولي 2170 و2178؟
في الحقيقة لا يمكن فهم الموقف الأميركي الأعرج والمثير بتناقضاته إلا أنه سمسرة وابتزاز في وضح النهار يمارسان على دول الخليج باستغلال القلق الخليجي غير المبرر والذي زرعه الصهيو ـ أميركي بداية بتضخيم الخطر الإيراني غير الموجود أساسًا للاستمرار في استنزاف خزائن البترودولار الخليجية بكذبة شراكة استراتيجية ومظلة صاروخية، والهدف في الأساس من إقامتها لحماية كيان الاحتلال الصهيوني الذي أكد ما تمخض عنه اجتماع الدوحة أمس الأول أن هذا الكيان الصهيوني الغاصب قد خرج فعلًا من معادلة أنه العدو الأول والخطر الأوحد على المنطقة والأمتين العربية والإسلامية بعد معاهدة كامب ديفيد، بدليل التظهير المتتابع للعلاقات القائمة مع كيان الاحتلال الصهيوني السرية والعلنية، والتظهير اللافت لحالة الترابط في المواقف بين أنظمة عربية والاحتلال الصهيوني، سواء تجاه إيران أو تجاه حركات المقاومة أو الدول العربية التي تناصب كيان الاحتلال الصهيوني العداء، كما هو حال سوريا.
والمفارقة الصارخة أن هذه السمسرة الأميركية التي تعقب السمسرة الفرنسية وبتمرير أميركي واضح، تأتي في ظل تطورين مهمين: الأول انخفاض أسعار النفط والتراجع اللافت في العائدات، وارتفاع العجوزات المالية لخزائن دول الخليج، وبدء هذه الدول سياسة شد الأحزمة بترشيد الإنفاق ورفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والماء لتعويض نقص الموارد وسد العجز المالي في الخزائن المالية. ما يطرح تساؤلًا مهمًّا: أليس الأولى بالأموال الباهظة للشعوب الخليجية والتي ستصرف على مصانع السلاح الأميركية وينتفع بها الاقتصاد الأميركي والعاطلون والمسرحون من أعمالهم في الولايات المتحدة، أليس الأولى بها التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول الخليجية التي ستعود حتمًا بالنفع على مواطنيها؟ أما التطور الثاني فهو تحذير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أمس الأول من أنها قد لا تكون قادرة على ضمان عودة نصف مليون طالب فلسطيني إلى المدارس لنقص الأموال. والسؤال الذي يطرح ذاته هنا: أليس الشعب الفلسطيني المحتل والمحاصر والذي يتعرض كل يوم للانتهاكات والممارسات القمعية، والتضييق عليه في لقمة عيشه، الأولى بالأموال الخليجية التي ستنفق على صفقات تسلح لا تخدم الأمن القومي الخليجي مع العلم أن العجز ـ حسب الأونروا ـ يبلغ 101 ملين دولار؟
ثانيًا: التناقض بين التطلع إلى حفظ أمن المنطقة واستقرارها، وضرورة إيجاد حل سياسي في سوريا وبين القول بمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي والإصرار على الإرهاب المعتدل المسمى “المعارضة المعتدلة”. فكيف تتأتى الرغبة في محاربة إرهاب “داعش” وحفظ أمن المنطقة واستقرارها ودعم إرهاب آخر مقابل له ولا يقل ضراوة وخطورة عنه؟ ألا يعني ذلك مواصلة مخطط تمزيق الدول العربية وتفتيتها ونشر الإرهاب وتضخيم الأخطار والتحريض وإشاعة الفتن الطائفية والمذهبية وممارسة الابتزاز والسمسرة؟ ومن المستفيد من كل ذلك، أليس الصهيو ـ غربي، فيما لا تزال ألسنة نيران الإرهاب والشرور تلسع التبَّع وأصحاب الأدوار الوظيفية، ويشربون كؤوس الخيبات والحسرات ثمنًا لعمالتهم وخيانتهم لأوطانهم وعروبتهم وجيرتهم؟ كما لا ندري ما إذا كان الانتهاك الأميركي السافر للسيادة السورية لدعم الإرهاب المعتدل الذي دربته واشنطن على إبادة الشعب السوري هو ضمن الاستراتيجية الجديدة التي تحدث عن بنائها الوزير الأميركي الأعرج جون كيري؟

إلى الأعلى