الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : تناقض الصورة

باختصار : تناقض الصورة

زهير ماجد

لا أحد يتأمل حياة البشر وصعوبة عيشهم التي تبلغ احيانا حد المستحيل .. فالكبار الذين يجتمعون من اجل هدف، كما هو حال اجتماعات الدوحة الاخيرة بين لافروف وكيري والجبير وعطية، تجري وسط اعصاب باردة ومكان مبرد وفراش وثير … اما على المقلب الآخر، فثمة حياة عدمية لنازحين سوريين وسط رمال الزعتري عند الحدود الأردنية وفي مساكن النزوح في لبنان وغيره من الاماكن .. حياة تشبه القصص الخيالية في بعض الاحيان حيث تخلو من الآدمية في معظمها، فاذا اضفنا عليها سكان مناطق القتال بخوفها وقلقها واضطرابها، نكون امام مشهد رهيب في تناقضاته مع الصورة الاولى.
لا شك ان صورة عالمنا العربي بكل خرابه وتداعياته، تحفز فينا ذلك الاحساس بان العالم فقد احساسه بعدما فقد عقله كما يقول عبد الله القصيمي. فليس هنالك عبر التاريخ سوى عقل بارد يتأنى في معطياته مقابل اناس يتعذبون، يعيشون حر الصحراء مثلا مقابل اناس يتأوهون من صفيع الشتاء .. لاشك انها حالة الدنيا بكل تناقضاتها، القوي لايشعر بجحيم الضعيف ولا بنوع حياته.
بالامس هبت عاصفة رملية في الاردن اطاحت بمخيم الزعتري، فيما كان النازحون السوريون في لبنان يعانون الحر الشديد ولا من منتبه او معين. فهذه الدنيا اذن تتسع لهذا النوع من التناقض، لكن اين يصرف في السياسة وفي الاتفاقات .. ان كل شأن لحل ما يحتاج توقيته الى زمن كان يكون قاضيا على حياة بشر بكاملها. أليست سياسة الخطوة خطوة الكيسنجرية معنى للطريق التي يرسمها الكبار في معالجاتهم للازمات، في الوقت الذي يشوى الصغار على مقاعد الانتظار وهم يتأملون كل حركة تصدر من هنا او هناك.
ان اكثر من اربعة ملايين نازح سوري في الخارج ينطبق عليهم هذا المثل وتلك الصورة، ومثلهم عراقيون، وهنالك ايضا ملايين النازحين في الداخل السوري يرتبون حياتهم بناء على معطيات تقول بان الحل اليوم او غدا، لكنهم استنتجوا في النهاية ان الواقع عكس ذلك، ومع ذلك تبدو حياة معظمهم اشبه بذاك الذي يتجهز دائما للرحيل فيضع كل ثيابه في المحفظة الكبيرة لكنها تظل طويلا على حالها وحيث هي.
نعيش اذن عالما عبثيا سرياليا بمفاهيمه المختلفة دون ان ينتبه الكبار الى حياة الصغار وهم بالملايين والى عذاباتهم. فاذا كان هنالك حل فيجب ان يؤخذ على نار باردة وهذه تحتاج لوقت وزمن، واذا لم يكن الحل متوفرا فان البحث سيظل ايضا لكنه دائم المجهول والضابية ومن خلاله يعيش المتأملون صعوبة الاستمرار لكنهم مجبرون عليه.
هي دائما مقاييس متناقضة نأخذها نحن بمفهومها الانساني فيما تراها الدول الكبرى حالة عادية لاوقت لها ولا زمن ويجب ان تستنزف كل مابها. ومن المؤسف ان الحل ان جاء فلن يذكر صمود الناس وعذابهم، بل سيكون للحكومات السبب في انجاز ماتم انجازه .. مات آلاف من الفراعنة الذين بنوا الاهرامات دون ان يشعر الفرعون بما جرى لشعبه لأن المهم هو والانجاز له .، وكذلك هي الحياة التي يدفع فيها الصغار اثمانا باهظة مقابل ان يحيا الكبار ويستمرون.

إلى الأعلى