الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل نستحق الحرق!

هل نستحق الحرق!

” ما أثار الاشمئزاز والقرف هو ما بدا من صدمة مفتعلة من حرق إرهابيين من المستوطنين لرضيع فلسطيني، وضاعف من الغصة أن إعلام العالم واصل الاهتمام بمقتل الأسد سيسيل في غابات افريقيا أكثر من اهتمامه بحرق رضيع (فالأسد اتهم فيه أميركي ودافع عنه غربيون، أما الرضيع فعربي لا يستحق وحرقه حثالة غربية فلا داعي لتضخيم الأمر).”
ـــــــــــــــــــ
في الذكرى السنوية الأولى لحرق قطعان المستوطنين الصهاينة في فلسطين للفتى المقدسي محمد أبو خضير بعد خطفه، أقدم إرهابيون صهاينة على حرق الرضيع محمد الدوابشة في قرية دوما جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة. ويبدو أن قتل الفلسطينيين بالرصاص على الحواجز وفي المخيمات وغارات الطيران على أحيائهم في غزة بعد هدم بيوتهم بالجرافات وحرق أراضيهم ومصادرتها واقتلاع أشجار الزيتون لم يعد كافيا. ليس حرق الأحياء بغريب على الإرهابيين الصهاينة، وقد سبق اعتماد الارهابيين من داعش وغيرها للحرق كما شاهدنا في فيديوهات حظيت باهتمام عالمي غير مسبوق. ولمن لديه ذاكرة وبعض انصاف، فإن كافة أشكال الإرهاب البشعة بدأت من الصهاينة ـ ولعلنا هنا نكرر مقولة ممجوجة عن أن “اليهود يسبقون وبقية العالم يتعلمون منهم”، في الشر طبعا كما تجري أفكار المؤامرة العنصرية ضد دين بعينه. المصيبة أن العالم لم يعتمد ما نردده بالعربية وانما أصبح حكمه أن “المسلمين إرهابيون” وألصقت بنا كل موبقات الصهاينة ومن سبقوهم من الاستعماريين.
ما أثار الاشمئزاز والقرف هو ما بدا من صدمة مفتعلة من حرق إرهابيين من المستوطنين لرضيع فلسطيني، وضاعف من الغصة أن إعلام العالم واصل الاهتمام بمقتل الأسد سيسيل في غابات افريقيا أكثر من اهتمامه بحرق رضيع (فالأسد اتهم فيه أميركي ودافع عنه غربيون، أما الرضيع فعربي لا يستحق وحرقه حثالة غربية فلا داعي لتضخيم الأمر). المصيبة الأكبر أن أحدا لم يستفز في شوارع العواصم العربية ولا الدول الإسلامية، وكأننا فعلا “نستحق الحرق” سواء على يد داعش أو الصهاينة. بل إن البعض هلل لإنجاز أن حكومة الاحتلال الاسرائيلي تعهدت “تقديم المسؤولين عن حرق الرضيع للعدالة”! وكأن في كيان الاحتلال الصهيوني عدالة حين يتعلق الأمر بالعرب، فهل يذكر أحد محاسبة أي ارهابي صهيوني قتل فلسطينيين أو حرق ممتلكاتهم أو مقدساتهم؟ أقصى ما حدث أن اتهم من احرق المسجد الأقصى أو الحرم الابراهيمي في الخليل بأنه “يعاني اضطرابات نفسية”. كل من يحرقون الفلسطينيين أو يحرقون بيوتهم واشجارهم من قطعان المستوطنين يخرجون من الحاكم بعد الجلسة الأولى وهم يبتسمون وكأنهم يتعهدون بالقيام بالمزيد. ولما لا، وهم يمارسون اجرامهم وارهابهم في حماية قوات الاحتلال ويسمح لهم بالتسلح ـ بالأساس لغرض قتل الفلسطينيين.
ربما تفاءل البعض بأن الارهابيين الصهاينة انما يحرضون على تذكير العرب بأن هناك بلطجيا مجرما اغتصب أرضهم ويحرق ابناءهم، لكن للأسف الشديد يبدو أن امعاننا في “الاعتدال” حال بيننا وبين التذكر فبدا وكأن جهد قطعان الارهابيين الصهاينة ذهب سدى. انما الارهابي الصهيوني لا يهمه العرب ولا الفلسطينيين إلا بقدر ما يريد اشباع رغباته المشوهة وغير الانسانية: فالمتوحش لا يرضيه إلا أن يجد ضحيته تصرخ ألما ورعبا، ويزيد من احباطه ألا يرى أثر اجرامه على ضحيته. وكأنما نحن العرب (ولنستثني الفلسطينيين تحت الاحتلال، وليس سياسييهم وقادتهم) ندرك هذه الحقيقة النفسية فنأبى حتى أن نغضب حتى لو أحرق الإرهابيون الصهاينة الأجنة في بطون أمهاتهم. لقد تعلمنا الدرس، إذ سبق وفعلها الصهاينة في مجزرة صبرا وشاتيلا بلبنان عام 1982 وان استخدموا معهم ايادي ميليشيات الكتائب.
ليس أمام الفلسطينيين، المحصورين بين مطرقة إرهاب الاحتلال وانتهازية سياسييهم في الضفة وغزة (حتى المتأسلمين منهم) سوى أن يقاوموا بأنفسهم ـ سواء انتفاضة ثالثة أو أي شكل من أشكال النضال التي عودنا الفلسطينيون على ابتكارها ليتعلم منهم كل طالبي التحرر في العالم. ودعكم منا نحن العرب والمسلمون، فنحن مشغولون بقتل (وحرق) بعضنا البعض وتدمير مقدراتنا وتشريد أهلنا. نحن غارقون في حرب سوريا وليبيا واليمن والعراق، وتكفينا مآسينا التي نصنعها بأنفسنا. وكفاكم الله شر مؤازرتنا لكم بما يقيكم شرور أفعالنا في صراعاتنا. فقط نتمنى ألا تراهنوا على “مجاهدين” ليحرقوا المستوطنين (مع أنهم يستحقون بحكم كافة الشرائع والقوانين، من رد الفعل بالمثل إلى حق صاحب الأرض في الدفاع عن أرضه وعرضه)، فهؤلاء ينتهون قاعدة وداعش تحرقكم ولا تمس الصهاينة.
وإذا كنتم غير مراهنين على مؤازرة العرب والمسلمين لكم، فحري بكم ألا تراهنوا على العالم (إلا قليلا من أحراره)، فالعالم مشغول عنكم باغتيال الأسد سيسل وبمظاهرات العراة في هونج كونج وكندا. ولعلكم أدرى من غيركم بأن قواعد اللعبة القديمة انتهت تماما، ولم يعد صحيحا أن نلعب على أرضية لم تعد موجودة أصلا. فلا رهان على حرب باردة بين معسكرين، ولا يخدعنكم بلاغة العداء الناري بين الاحتلال وإيران فتتصوروا أن طهران ستؤازركم نكاية في اسرائيل. ليس لكم إلا سواعدكم، وما بقي فيكم من جذوة كرامة ومقاومة ـ أصبح الجميع في محيطكم تقريبا يفتقدها ـ فراهنوا عليها فحسب. وأقصى ما يمكنكم توقعه منا أن ندعوكم “صبرا يا فلسطينيين فإن موعدكم الحرق”. فليحرق المرء كريما مقاوما بدلا من أن يحرق ذليلا خاضعا (أو بمصطلحاتنا المعاصرة: معتدلا، مهادنا).

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى