الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غندور بغداد: حسون الأميركي

غندور بغداد: حسون الأميركي

أ.د. محمد الدعمي

”حسون مغرم باسلوب الحياة الغربية، درجة ان انغماسه في محاكاة حياتهم وطرائق تصرفهم جعلته “حديث الناس”، بل والأكثر من هذا، جعلته فرداً منفصلاً عن الآخرين، خاصة بعد أن اعتاد صعود حافلات النقل العام مع كلبه المدلل، قاطعاً لكلبه تذكرة جلوس خاصة، تجنباً لإزعاج أو توتر بقية الركاب.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
الغندورية أو الغندرة Dandyism البغدادية تستحق الملاحظة والرصد بحق، ذلك أنها ظاهرة اجتماعية تتواشج بقوة مع تفاعل وتأثر الأفراد بالثقافة الغربية، لذا شكل الغندور dandy حالة اجتماعية جميلة، نرتجع اليها في هذه السنوات العجاف حيث ينتشر العنف وسفك الدماء، على سبيل الحنين لماض أفضل.
والحق، فقد اكتشفت شخصية “حسون الأميركي” (1929-1985) في سياق تحضير بحثي المعنون “فكرة جامعة عراقية أميركية” The Idea of an Iraqi-American University (2004) بحثاً عن اصول احتضان الشبيبة وتأثرهم باسلوب الحياة الأميركية، كما عكسته افلام هوليوود على عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. لقد أفرزت هذه العقود شخصيات تستحق الملاحظة من المتغندرين، الذين يشبّهون بطائر الغندور الملون الجميل المشابه لطيور الحب. وهي شخصيات شديدة التأنق درجة تأثير هذا التأنق المفرط على سلوكياتها الغريبة على المجتمع المحافظ حقبة ذاك. وقد بزّ “حسون كاظم عيسى” جميع “غنادر” بغداد، بلباسه المتحرر وسلوكه غير النمطي: فكان إذا شاهد عرضاً سينمائياً أميركياً في إحدى دور السينما بشارع الرشيد في بغداد (مثل سينما روكسي أو ريكس أو الخيام، من بين سواها، فانه ما يلبث وان يتقمص شخصية البطل الأميركي في الفيلم، محاولاً بكل مثابرة أن يبدو أو أن يتكلم بنفس الطريقة، درجة انك ان قلت له “مساء الخير”، يجيبك بـ”Good Evening” بالإنجليزية.
برزت شخصية “حسون الأميركي” وصارت مدار حديث المجتمع نظراً لما سبق ذكره من تأنق وانتقاء للملابس غير التقليدية، كالقمصان المزركشة والسراويل الزهرية الملونة والقصيرة والحذاء المعقوف المقدمة المشابه للأحذية التي نراها في الأفلام الهندية، زيادة على تأكده من اصطحاب كلبه معه عبر جميع مشاويره مشياً على الأقدام، أو على ظهر دراجته (نوع دراجة سباق هوائية) الملونة الجميلة، كصاحبها.
وقد استقطب “حسون الأميركي” عناية واهتمام زملائه في العمل، إذ انه كان يعمل ممرضاً في “مصرف الدم” بمدينة الطب المطلة على نهر دجلة بجانب الرصافة. وكان يعمد على التصرف بتأنق فائق مع الجميع، لأنه كان يقرأ كل ما يرد العراق من مطبوعات حول “الإتكيت” في التعامل الدبلوماسي الراقي المترفع عن دونيات السلوكيات الشارعية. لذا فقد استقطب حسون الأميركي اهتمام وعناية معيتة من الأطباء، درجة أنهم لا يسافرون الى خارج العراق، دون أن يقصدوا حسون للاستفسار عما إذا كان بحاجة الى اية قطعة ملابس جديدة، آخر طراز، خاصة وأنه كان يواظب على متابعة آخر تقليعات “المودة”، من ملابس ودور أزياء باريسية أو لندنية أو إيطالية.
حسون مغرم باسلوب الحياة الغربية، درجة ان انغماسه في محاكاة حياتهم وطرائق تصرفهم جعلته “حديث الناس”، بل والأكثر من هذا، جعلته فرداً منفصلاً عن الآخرين، خاصة بعد أن اعتاد صعود حافلات النقل العام مع كلبه المدلل، قاطعاً لكلبه تذكرة جلوس خاصة، تجنباً لإزعاج أو توتر بقية الركاب. لقد كان حسون الأميركي غندوراً جميلاً بمعنى الكلمة، فلم تعرف عنه العدائية والكلمات الخشنة، برغم حقيقة أنه كان موضع نقد وتندر مشاهديه في الشارع أو في الأماكن العامة التي كان يتعمد دخولها مع كلبه لإثارة دهشة الآخرين لما ينطوي عليه سلوكه من غرابة وتمرد على الأنماط السلوكية الاجتماعية التي كانت سائدة ببغداد حقبة ذاك. كان شكل حسون الأميركي يمثل ثورة بصرية على المشهد البغدادي الرتيب آنذاك، كما انه شكل بتأنقه السلوكي ومسالمته وبشاشة تعامله ثورة ضد الخشونة والعنف آنذاك كذلك.

إلى الأعلى