الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اسرائيل..وميليشيات المستوطنات

اسرائيل..وميليشيات المستوطنات

” تأبى النفوس السوية المنضبطة أن تتماهى مع تلك البشاعة, وهذا الامر يدفعنا الى التساؤل عن المسببات والبحث في الخلفيات التي خرج من تحت عباءتها مثل هؤلاء المسوخ, يُحلنا الامر الى ظروف تأسيس ذلك الكيان الذي حوى كل هذه الكراهية والعنف, إسرائيل التي تم تكوينها بتجميع ميليشيات “الصهيونية” الدولية ونقلها الى فلسطين.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أتت الجريمة الشنعاء والتي اقترفتها عصابة من المستوطنين اليهود بحرق الطفل الفلسطيني علي الدوابشة كحلقة جديدة في مسلسل طويل من الاجرام واللاإنسانية الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين, فالطفل الرضيع الذي بالكاد يتجاوز العام والنصف تم إحراقه بقساوة وبرود أعصاب لم تكن جديدة على مثل تلك العصابات التي انعكست سلوكيات حكوماتها وحكامها الاجرامية على سلوكياتهم وتصوراتهم تجاه الفلسطينيين.
لم يكن حرق الدوابشة وأسرته هي المرة الاولى التي يقدم فيها ارهابيون إسرائيليون على استخدام “الحرق” كوسيلة للقتل والتنكيل, قبلها بأسابيع أقدمت عصابة إجرامية أخرى من المستوطنين على خطف محمد الخضير وهو طفل فلسطيني من القدس المحتلة, احرق حيا وهو مكبل اليدين , بعد أن تعرض لعملية تعذيب سادي على يد خاطفيه, وهو الحادث الذي تقاطع مع حادث حرق الدوابشة في استخدام نفس الوسيلة في القتل..الحرق.
بشاعة تلك الجريمة تدفعنا للبحث في عدد من الملفات المتعلقة بها, كيف اخترقت هذه الضواري منطقتنا وما هذه الحالة من اللامبالاة الإقليمية والدولية تجاه جريمة تنتفض الامم لما هو ادنى منها.
تأبى النفوس السوية المنضبطة أن تتماهى مع تلك البشاعة, وهذا الامر يدفعنا الى التساؤل عن المسببات والبحث في الخلفيات التي خرج من تحت عباءتها مثل هؤلاء المسوخ, يُحلنا الامر الى ظروف تأسيس ذلك الكيان الذي حوى كل هذه الكراهية والعنف, إسرائيل التي تم تكوينها بتجميع ميليشيات “الصهيونية” الدولية ونقلها الى فلسطين.
ببساطة, انتزع الفلسطينيون من ارضهم وبيوتهم على يد عصابات قتل محترفة, أتت من جميع أسقاع الأرض, أعملت القتل والتنكيل في الفلسطينيين, ومازالت, فإسرائيل “الدولة” هي كيان “ميلشياوي” عسكري, بالتالي من الطبيعي ان تنعكس تلك البدايات والتي استمرت حتى وقتنا الحالي على سلوكيات مواطنيها المستوطنين.
تحاصر بؤر المستوطنات مدن وقرى الفلسطينيين, وهي أقرب للثكنات العسكرية, يسكنها أناس تدعي اسرائيل انهم مدنيون, رغم أنهم مدجنون بأحدث وأرقى الأسلحة, مهمتهم الاولى هي الانقضاض على الفلسطينيين, والتضييق على معاشهم اليومي وخلق حالة من الارهاب والترويع, تحاصر الفلسطيني في جميع شؤونه, وتكدر عليه حياته, وهذا أمر تتعمده حكومة الاحتلال وتستخدم في ذلك مستوطنوها كأدوات من خلف ستار.
لا يغرنكم بيانات الادانة الصادرة من مكاتب قادة “الكيان”, والذي يدعي فيها عدم رضاه عن مثل تلك الافعال, وكأن هؤلاء المستوطنون لم يُصنعوا على أعين دولة الكيان وحكومته. ومن وراءهما, نعلم جيدا أن “الناس على دين ملوكهم”, فإجرام اسرائيل أمر صاعد وهابط, من القمة الى القاعدة, من القيادة حتى العموم, مثلهم مثل غيرهم, يطبع الحكام أخلاقهم على محكوميهم, المستوطنون هم “مواطنو الشرفاء” لدولتهم, ينفذون ما يؤمرون به من حكوماتهم وقادتهم, وهذه قواعد عامة, فسلوكيات مثل النظام والنظافة وتقدير العمل, تنتقل من الحكومة الى الافراد, وكذلك التضليل والعوالة والعشوائية والفهلوة, تكتسبها الشعوب, التي بطبيعة الحال تقتدي بحكوماتها.
اكتسب مستوطنو الاحتلال اجرامهم من حكوماتهم, لم تفرق حكومة الاحتلال شيئا عن مستوطنيها, فمآسينا الممتدة من بدايات القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر نفذتها حكومات اسرائيل المتعاقبة من “دير ياسين” حتى “دوما” حيث حرق الدوابشة وأهله, مرورا بكل مآتمنا التي نجد صعوبة في إحصائها, لم يمتلك المستوطنون “أباتشي” يُغيرون بها على “الشجاعية” و”خانيونس”, أو “اف 16″ يستهدفون بها “قانا”, أوحتى “ميركافا” يمزقون بها اجسادنا في سيناء والجولان, فلا فرق بين القتل بقنابل ملوتوف المستوطنين وقنابل الفسفور الابيض التي تطلقها طائرات الاحتلال قاسية القلب.
سعى المحتلون الى تجميل مشهدهم القبيح, بإدعاءات كاذبة من الإدانة والشجب, ونحن نعلم انهم مسؤولون, فِعل الاحتلال في حد ذاته هو قمة الهمجية, سلب الحقوق والتهجير أمور لن ينفع معها تمثيل الرفض الكاذبة الصادرة من معسكرات الكيان, بجميع اجنحته حتى الرافض منها لممارسات المستوطنين, وهذا امر تأسيسي, حتى لا ينخدع بعضنا, او يستغلها آخرون لمد جسور التقارب مع أجنحة اسرائيل الناعمة.
إجرام اسرائيل ليس أمرا مفاجئا, ولكن المقلق والجديد, هي الإشارات الصادرة من أركان الاحتلال ورموزه, حتى من عواصمنا, حول تقارب هو الأكثر منذ نشأة إسرائيل, بين حكومة نتنياهو من جهة, وبعض دول المنطقة من جهة أخرى, حول قاعدة مشتركة, وهي محاربة ما يسمى “الإرهاب”.
هذه الاحاديث علا صوتها وبرزت آثارها على المنطقة منذ أشهر, وهي من كانت في الخفاء “همسا”, او في غرف مظلمة في سراديب الخزي والعار, أو في اضعف الايمان, يبررها أصحابها بالاضطرار, كأكل الميتة والموقوذة.
أعلنها قاتل أطفالنا بالاباتشي والمولوتوف, في اخطر حدث خلال الحرب الاخيرة على غزة, تجاوز تداعياتها انهار الدماء التي سالت فيها، ظهر نتنياهو في وسط المعركة, لم يستعرض مسارات الحرب واحداثها, وهو قائد الكيان العسكري, بقدر ما كان اعلان عن خريطة جديدة رسمية وموثقة للعلاقات في المنطقة، القاتل يعلن بكل تبجح وبلا مواربة تحالف إقليمي جديد، على دوافع واهداف مشتركة، سبق الكلام تمهيد عبر وسائل اعلام الغرب وتهيئة الرأي العام في الشرق الأوسط لتقبله، فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا, هكذا يدعون, الكلام لم يعد ارهاصات او تكهنات صحفية او اتهامات وفقط، الامر أصبح حقيقة واقعة، حاز على موافقة اقليمية ودولية ضمنية، لم يأت الخطاب بأي جديد، فقط اعلان رسمي للتحالف القديم الجديد.
من هنا خفف نتنياهو من هجمات جيشه على مدننا وقرانا في فلسطين, واستعاض عنها بأذرعه الاستيطانية من القتلة المحترفين, تعيث في أراضينا فسادنا, قتلا وتخريبا وحرقا, للحرث والنسل, ومن هنا كان رد الفعل العربي شبه الصامت على تلك الجرائم, فالسكوت علامة الرضا, حتى البعض لم يكتف بالصمت, وأطلق ابواقه الوقحة لبث دعاوى مسمومة وتحريضية تجاه أهلنا في فلسطين, يستدعي “مارينز” فضائياتنا الموجهة مواقف الالتباس لتشويه أصحاب أعدل قضايا العرب وأوضحها, وكأنهم يمنحون للمجرمين صك لإراحة الضمير على ما اقترفوا من آثام, بسلوك يثير الريبة ولا ينبغي أن يمر ببساطة, فإسرائيل ببساطة..هي العدو !

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى