الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)
قراءة في (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

قراءة في (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

حقوق الإنسان في القرآن الكريم (2 ـ 5 )

الإسلام يبارك الاجتماع العالمي لحقوق الإنسان ويحث الدول كلها على التوقيع والالتزام

ثمة فارق بين تمتع الإنسان بحقوقه كاملة وبين مواقفه الإيمانية أو السياسية أو الثقافية

الحديث عن هذه الحقوق يجب أن يكون مؤطراً بإطار الشريعة

تنويه:
نستكمل معك عزيزي القارئ ما تبقى من حلقات حول موضوع(حقوق الإنسان في القرآن الكريم) في بحث للدكتور سيف الهادي من خلال ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح) .. وقد نشرت الحلقة الأولى منه بتاريخ 6 سبتمبر 2014م.

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها (الفقه الاسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)والتي عقدت خلال الفترة من 6 إلى 9 جمادى الثانية 1435 هـ، الموافق 6 إلى 9 ابريل 2014م في نسختها الثالثة عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(حقوق الإنسان في القرآن الكريم) للدكتور سيف بن سالم الهادي ..

حقوق الإنسان: الأهمية والمرجعية
يستكمل الدكتور سيف الهادي في بحثه حول نقطة هامة وهي حقوق الانسان من حيث الاهمية والمرجعية قائلا: يجب أن نقرر بداية أن الإسلام – كما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة – يبارك هذا الاجتماع العالمي لحقوق الإنسان ويحث الدول كلها على التوقيع والالتزام، وبغض النظر عن ازدواجية معايير التطبيق عند الدول الكبرى فإن هذا الميثاق العالمي يظل حاجة إنسانية فعلية، ففي القرآن الكريم بيان فصيح لهذه المعاني، وتوجيه كثيف بضرورة أن تتكاتف البشرية بمختلف دياناتها في تحقيق الأمن الاجتماعي والغذائي والاقتصادي والعيش الكريم لكل إنسان، بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الطائفي أو اللون والجنس، ففي سورة يوسف ستواجه مصر ـ غير المسلمة ـ محنة غذائية شديدة يمكن أن تعصف بحياة ملايين البشر، لكن الله تعالى سيرسل نبيا كريما يدير دفة الأزمة، ويخرج بمصر سالمة من هذا المستقبل الكئيب (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ)، وها هو يوسف عليه السلام يتقدم للحصول على منصب وزير المالية والاقتصاد في دولة رئيسها كافر لا يؤمن بالله : (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، والأرض التي يتمتع بخيراتها لا يمثل فيها سوى وزير للمالية، أما ملكيتها وحكامها فليسوا بمؤمنين، لكن القرآن الكريم يعتبر يوسف عليه السلام مواطنا يخدم أخاه الإنسان ويرعى حقوقه، بعيدا عن هذه الانتماءات (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وقال: ويتكرر المشهد في القرآن الكريم عندما يقترب ذو القرنين عليه السلام من مجموعات بشرية تعاني الظلم والقهر، وتتعرض لحرب إبادة من يأجوج ومأجوج، لم تكن تلك المجموعات مؤمنة ولم تكن مهينة أيضا، فطلب الحماية من ذي القرنين كان مشفوعا بتقديم الخراج (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)، وسوف يتجلى هنا موقف إنساني نبيل، وموقف سياسي إيماني كريم، فلم يشترط عليهم الإسلام أولا، كما تتوهم بعض الجماعات الإسلامية اليوم، ولم يشترط الولاء السياسي أو العوائد المالية كما تفعل الدول الاستعمارية الراعية لحقوق الإنسان أيضا، بل قال:(مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)، وانتهى المشهد الإنساني النبيل بعريضة الاعتراف لله والخضوع بين يديه (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).
مشيرا الى أن الذي تربى على المعاني الايمانية سيجعل للإنسان اعتبارا كبيرا، ويرفض أن يكون الانتماء الديني فرصة لإهانة كرامة الإنسان أو سلما للوصول إلى امتلاك النواصي والسيطرة على مقدرات الشعوب.
واوضح هنا بأن ثمة فارق بين تمتع الإنسان بحقوقه كاملة وبين مواقفه الإيمانية أو السياسية أو الثقافية، فلا يجوز أن يحرم من أي حق بهذه المواقف ما لم يأت بجرم تنص الشريعة على عقابه به ، ففي المدينة يكشف القرآن الكريم صور المنافقين وأفعالهم ويحذر المسلمين من تصرفاتهم، لكنه لم يؤصل لقطيعة أو حرمان حقوق، وظل المنافقون يعيشون حياة كريمة في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه من بعده، حتى في عهد عمر – رضي الله عنه – الذي كان يعرف أسماءهم عن طريق حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – لم يتخذ أي إجراء يهدف إلى تعذيبهم أو حرمانهم من الحقوق، وقد كانت الآيات تتنزل بفضائح أعمالهم دون أن تسميهم، أو تدعو إلى تصفيتهم بأيدي المؤمنين، وكثيرا ما تصور الآيات مشاهد تحركم في المجتمع دون أي عائق أو مانع سوى الحذر من أفعالهم (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
مبيناً بأن كل هذه المعالم القرآنية لتأصيل حقوق الإنسان وضرورة تكاتف البشرية على التوقيع عليه والالتزام به يتجلى واضحا في قول النبي (صلى الله عليه وسلم):(لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفًا، لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألا يعد ظالم مظلوما)، وفي موضع آخر قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) :(شَهِدْتُ حِلْفَ بَنِي هَاشِمٍ ، وَزَهْرَةَ ، وَتَيْمٍ ، فَمَا يَسُرُّنِي أَنِّي نَقَضْتُهُ وَلِيَ حُمْرُ النَّعَمِ ، وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ الْيَوْمَ لأَجَبْتُ عَلَى أَنْ نَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَأْخُذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ”، كما بيّن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن تحالف الأمم على الخير سوف يجد من الاسلام مسارعا إلى اعتباره وتأييده ورفده بالقوانين التي تساعد في إنجازه، ( وأَيُّمَا حِلْفٍ كان فى الجاهلية لم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً) ولأجل هذه المعاني وتأكيدا لهذه الاتفاقيات تصدر في المدينة أول وثيقة تعايش بين البشر بمختلف انتماءاتهم الدينية وأعراقهم، وتتجاوز الآيات بعد تلك الوثيقة كل الآلام التي يسببها اليهود للمسلمين؛ لتقرر وجوب حصول الجميع على الحق رغم المكائد، وترسم صور العدالة بين المسلمين واليهود بعيدا عن نوازع الانتقام أو الرغبة في التشفي.
وقال: إن حقوق الإنسان يجب أن تتجاوز كل الاعتبارات الجنسية أو العرقية أو الدينية لتأخذ العدالة مجراها، فلن يكون زيد بن السمين ضحية تآمر بعض المسلمين بسبب انتمائه الديني، بل قال القرآن الكريم:(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
موضحا بأنه وتتوالى المشاهد من هذا النوع ليكون مسك الختام تلك الخطبة الوداعية في يوم عرفة حيث يتجمهر المسلمون المطالبون بتبليغ هذه الحقوق (إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ، مِنْ دِمَائِنَا؛ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ..) (لقد كان محفلاً هائلاً، وتجمعاً غير مسبوق، تجلت فيه عزة الإسلام، وكمال الشريعة، وتمام النعمة، فلا غرو أن يتم الإعلان فيه عن مقاصد الإسلام، وبيان حقوق الإنسان الحقيقية، كما أعلنها نبي البشرية، في عرفة، قبل أنيسطرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعد هذه الإعلان الإيماني، بنحو أربعة عشر قرناً، عام 1948م، في جنيف)، عندها يكون الدين قد اكتمل وآن للبشرية أن تستعد (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ).
* المرجعية:
وقال الدكتور الهادي: ان كثيرا من الذين كتبوا في حقوق الإنسان بصوره تجريديه يعودون بالحقوق إلى عالم المتغيرات السياسية والاجتماعية في المجتمع الأوروبي، ابتداء من الإعلان الإنجليزي الذي صدر عن البرلمان عام 1689م على إثر الثورة البرجوازية ضد الارستقراطية، مرورا بإعلان استقلال أمسركا 2 أغسطس 1776م وانتهاءاً بالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في 26 أغسطس 1789م، قبل أن تعلن الجمعية العمومية في الأمم المتحدة وثيقة حقوق الإنسان عام 1948م، أما من الناحية الفكرية فإن فلاسفة الغرب الذين رسموا صورة التغيير التدريجي في العالم الغربي سيحضون بالنصيب الأكبر من التنظير لحقوق الإنسان من أمثال: جون لوك 1704م، والفرنسي مونتسكيو 1755م في كتابه (روح القوانين)، ونظيره جان جاك روسو في (العقد الإجتماعي)، ثم الألماني عمونتييل كانت 1804م.
مبيناً هنا بأننا نرى أنه من الطبيعي أن يقوم هؤلاء الفلاسفة بمثل هذه الحملة التنويرية فيما يتعلق بحقوق الإنسان لأن العالم الذي عاشوه كما يقول الشيخ محمد الغزالي استحكمت حلقاته،فـ (كانت الكنيسة قد حكمت على العقل بالسجن المؤبد ونفذت حكمها، وكانت قد حكمت أيضا على التسامح بالعقوبة نفسها ونفذت حكمها، وخمدت جذوة التسامي في النفس الإنسانية تحت وطئة هذه الظروف الخانقة ..)، لكن من الصعوبة أيضا أن نقرر بأن أصل وضع هذه الحقوق دسيسة يراد بها الإجهاز على ما تبقى من العالم الإسلامي بعد استعماره، واستبداله بوثيقة الحقوق هذه، كما يذهب إلى ذلك محمد مهدي شمس الدين. ولربما الذي دفع بعض المفكرين إلى هذا الإعتقاد أمران: الأول هو جعل ضمير الجماعة مصدرا لهذه الحقوق، والضمير المعاصر الذي يتحدث في قضايا الحقوق هو الضمير الغربي، ولديه معايير معينة في التعامل بها سياسيا. والثاني: هو نسبية هذه الحقوق الزمانية والمكانية، مما يجعل مسألة الإختلاف فيها طبيعة إنسانية لأن المصدر إنساني بحت، ومن طبيعة الإنسان الاختلاف؛ فالحرية مثلا قد تكون سياسية وقد تكون اجتماعية وقد تكون جنسية، وبحسب المفهوم الغربي تكون الحرية جنسية أيضا، وهو ما لا تتفق معه الديانات السماوية، وعليه فإن الدول المسلمة لن تكون بعيدة عن الملاحقة القانونية إذا ما تدخلت في الحريات الجنسية، وهو ما جعل مؤشرها في سلم الحقوق يتأرجح بناء على هذا.
والمقلق حقا في موضوع الحقوق العالمية الدولية، هو صياغتها مجردة من أي مرجعية دينية سوى تلك التي يرون أنها حق مطلق للإنسان، رغم أن المواثيق الشرقية والغربية السابقة عليها تنص في الكثير من عباراتها على المرجعية الدينية وتعطى الحق المطلق لله وحده، لكن موجة الإلحاد تغلّبت في نهاية النصف الأول من القرن العشرين عندما وضعت عريضة الحقوق .
وقد كان من الطبيعي أن يسمح هذا الحق المطلق للإنسان في امتلاك كل ما تهواه نفسه وإزالة كل العوائق التي تفرضها الأديان والأخلاق كالزواج المثلي أو بدون أي اعتبار للدين ويأتي ذلك تأكيدا لما تفرضه الطبيعة نفسها من استخدام مبدأ القوة في استيفاء القوى، وهي نظرية غربية يتراوح تطبيقها بين سياسة الغرب بقوة الحديد كما يقول هتلر: “لم تقم دولة قط على الاقتصاد السلمي، بل كانت الدول ولا تزال وليدة غريزة حب البقاء، بقاء العرق، سواء تجلت هذه الغريزة في الحقل البطولي، أو في مضمار الحيلة والدسيسة” أو سياسة الامبريالية السلمية كما ينظر لها برنارد لويس، وهو الأمر الذي أكده الرئيس الإميركي السابق جورج بوش حينما قال بأن النظام العالمي الجديد هو الوجه الجديد للاستعمار وعبارته بالتحديد: إن استخدام القوة بحكمة يمكن أن يعود بالخير العميم، ورغم محاولة عدد من المنظرين التفريق بين الحق الطبيعي والحق المدني كنوع من الضبط للفردانية المطلقة ، كما يوضح ذلك محمد مشكور، وكما يؤكد عليه عز الدين الخطابي في تحليله للمقارنة التي قدمها سيينوزا إلا أن الممارسات الغربية لا تزال تستخدم الحق الطبيعي بصور مختلفة.
والخلاصة فإن حقوق الإنسان يصفتها التجريدية مكرمة إلهية عظيمة توج بها الإنسان وهو لا يزال خلق طري عندما زوده الله تعالى بالمادة العلمية التي تمكنه من تسيير الحياة وتجعل له الأفضلية على الملائكة الكرام – عليهم السلام – (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
وقال: إن أصل خلق الإنسان كما يصوره القرآن الكريم أن يكون كريما سعيدا يتمتع بكل الهبات الإلهية في السماوات والأرض على قدم سواء، ولذلك فإن مسكنه الأول كان الجنة وفيها تلقى هذا الخطاب (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)، وعندما تقرر هبوطه إلى الأرض زوّده الله تعالى بما يستبقي له هذه الكرامة والسعادة “قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى” وهو منهج إلهي رافق الإنسان عبر الشرائع الإلهية منذ خلقه، أما من يتنكب الطريق ويتبع الهوى ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى” على أن هذا الضنك يشتغل على الجانب النفسي من حيث خواء الروح، عندما تتسلط الأهواء وينتشر الاستبداد، وما عدا ذلك فإن الإنسان يمكن أن يعيش كريما يتمتع بحقوقه كلها حتى ولو كان كافرا وأفصح دليل على منح هذا الحق تنص عليه هذه الآيات (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا).
* نماذج من الحقوق في القرآن الكريم:
وأوضح بأنه يحسن بنا بداية ـ كما تقدم ـ أن نقرر بأن الحديث عن الحقوق لا يأتي كردة فعل تبحث للإسلام عن أماكن بين سطور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان إنما هي حقوق تقررت في دين الله يوم خلق السموات والأرض حيث كان الحق أساس هذا الخلق، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر)، وفور هبوط هذا الإنسان إلى الأرض كانت المناهج الإلهية التي تدعم عيشه في الأرض وتوفر له كل متطلبات الحياة الكريمة تتنزل بالحق أيضا ابتداء من آدم عليه السلام وانتهاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء ـ 170).
وقال: إذا كان المسلمون أخفقوا سياسياً في استيفاء هذه الحقوق الإنسانية فإن العلماء الأجلاء كانوا يطوروها منهجياً ويضعون لها مسميات تحقق لها روح الشريعة فسمّيت بالضرورات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، العرض، والمال)، وتحت ظلها تم مناقشة الحقوق المقررة للإنسان الضروري منها والحاجي والتحسيني؛ انطلاقا من أن الشريعة جاءت بحفظ مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، وبمثل هذه الرؤية الشمولية لحقوق الإنسان كان يحكم المسلمون (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، ولذلك فإن الحديث عن هذه الحقوق يجب أن يكون مؤطراً بإطار الشريعة مستمداً منها كل ما يتعلق بهذه الحقوق، وهذا يعني أننا لسنا مضطرين إلى محاولة إضفاء الشريعة على بعض المواد الصادرة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان؛ لأنها تخالف الشريعة أصلاً، كما أننا لسنا مضطرين إلى نقد ثوابت الشريعة أيضاً والتماس الأعذار لوجودها بادعاء نسخها تارة أو تأويلها تارة أخرى.
.. للحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى