الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الحاقة “3″

سورة الحاقة “3″

اعداد ـ أم يوسف
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لتضمن ‏السورة ‏أحوال ‏يوم ‏القيامة ‏من ‏سعادة ‏وشقاء ‏لبني ‏الإنسان. ‏اسم ‏الحاقة ‏في ‏كل ‏المصاحف ‏قيل ‏في ‏كتاب ‏بصائر ‏التيسير ‏أنها ‏تسمى ‏السلسلة ‏وسماها ‏الجعبري ‏في ‏منظومته ‏‏”الواعية‎” وهي مكية، من المفصل، آياتها 52 وترتيبها التاسعة والستون، نزلت بعد الملك، بدأت السورة باسم من أسماء يوم القيامة وهو الحاقة.
ومحور مواضيع السورة يتناول أمورا عديدة: كالحديث عن القيامة وأهوالها، والساعة وشدائدها، والحديث عن المكذبين وما جرى لهم، مثل عاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقوم نوح، وغيرهم من الطغاة المفسدين في الأرض، كما تناولت ذكر السعداء والأشقياء، ولكن المحور الذي تدور عليه السورة هو إثبات صدق القرآن، وأنه كلام الحكيم العليم، وبراءة الرسول مما اتهمه به أهل الضلال. وسبب نزول السورة: قال تعالى: (وتعيها أذن واعية) قال رسول الله: لعلي أن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وتعي وحق على الله أن تعي فنزلت (وتعيها أذن واعية) فالى التفسير مع الامام القرطبي.
قال تعالى:(فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ* لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ).
قوله تعالى: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) أي من فرقة باقية أو نفس باقية. وقيل: من بقية. وقيل: من بقاء. فاعلة بمعنى المصدر؛ نحو العاقبة والعافية. ويجوز أن يكون أسما ؛ أي هل تجد لهم أحدا باقيا. وقال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر ذلك قوله عز وجل : {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}،وقوله عز وجل:{فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}.
قوله تعالى:{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ} قرأ أبو عمرو والكسائي “ومن قبله” بكسر القاف وفتح الباء ؛ أي ومن معه وتبعه من جنوده. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبدالله وأبي “ومن معه”. وقرأ أبو موسى الأشعري “ومن تلقاءه”. الباقون ” قَبْلَهُ ” بفتح القاف وسكون الباء ؛ أي ومن تقدمه من القرون الخالية والأمم الماضية. {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجحدري “وَالْمُؤْتَفِكَة” على التوحيد. قال قتادة: إنما سميت قرى قوم لوط {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: خمس قريات: صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم ؛ وهي القرية العظمى. {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا يفعلونها. وقال الجرجاني: أي بالخطأ العظيم ؛ فالخاطئة مصدر.
قوله تعالى : {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} قال الكلبي : هو موسى. وقيل: هو لوط لأنه أقرب. وقيل: موسى ولوطا عليهما السلام؛ كما قال تعالى: {فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقيل : “رسول” بمعنى رسالة. وقد يعبر عن الرسالة بالرسول ؛ قال الشاعر:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم
بسر ولا أرسلتهم برسول
{فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدة.
قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ} أي ارتفع وعلا. وقال علي ـ رضي الله عنه: طغى على خزانه من الملائكة غضبا لربه فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعا. وقال ابن عباس : طغى الماء زمن نوح على خزانه فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج. وليس من الماء قطرة تنزل قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم. وقد مضى هذا مرفوعا أول السورة. والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم من العذاب: زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم من عليهم بأن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: {حَمَلْنَاكُمْ} أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. {فِي الْجَارِيَةِ} أي في السفن الجارية. والمحمول في الجارية نوح وأولاده ، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك.
قوله تعالى:{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} يعني سفينة نوح عليه الصلاة والسلام. جعلها الله تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم؛ في قول قتادة. قال ابن جريج : كانت ألواحها على الجودي. والمعنى: أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وإنجاء الله آباءكم؛ وكم من سفينة هلكت وصارت ترابا ولم يبق منها شيء. وقيل: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح وإنجاء من آمن معه موعظة لكم؛ ولهذا قال الله تعالى:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي تحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله. والسفينة لا توصف بهذا. قال الزجاج: ويقال وعيت كذا أي حفظته في نفسي، أعيه وعيا. ووعيت العلم ، ووعيت ما قلت ؛ كله بمعنى. وأوعيت المتاع في الوعاء. قال الزجاج: يقال لكل ما حفظته في غير نفسك: “وَاعِيَةٌ ” بالألف ، ولما حفظته في نفسك “وَعِيَتةٌ ” بغير ألف. وقرأ طلحة وحميد والأعرج “وَتَعِيَهَا “بإسكان العين ؛ تشبيها بقول:{أَرِنَا} واختلف فيها عن عاصم وابن كثير. الباقون بكسر العين ؛ ونظير قوله تعالى:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} وقال قتادة: الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل. وروى مكحول أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال عند نزول هذه الآية:”سألت ربي أن يجعلها أذن علي”. قال مكحول : فكان علي رضي الله عنه يقول ما سمعت من رسول (صلى الله عليه وسلم) شيئا قط فنسيته إلا وحفظته. ذكره الماوردي. وعن الحسن نحوه ذكره الثعلبي قال : لما نزلت {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال النبي (صلى الله عليه وسلم):”سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي” قال علي : فوالله ما نسيت شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى. وقال أبو برزة الأسلمي قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعلي : “يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحقٌّ على الله أن تَعِيَ” .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.
* (المصدر: تفسير القرطبي)

إلى الأعلى