الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / كيف تموت الأمم.. العرب مثالًا!

كيف تموت الأمم.. العرب مثالًا!

جواد البشيتي

العالَم، بمركزه ومحيطه، يحكمه الآن، ويتحكَّم فيه، مَيْلان متضادان متَّحِدان اتِّحادًا لا انفصام فيه: مَيْل إلى التقارب والتكتُّل والاندماج والاتِّحاد، ومَيْل إلى التنافر والانقسام والتشظِّي والتفتُّت والتمزُّق. إنَّ دول المركز في الغرب يشتد لديها المَيْل إلى مزيدٍ من التكتُّل والاتِّحاد؛ لكنَّ هذا المركز يسعى إلى تغذية المَيْل إلى الانقسام والتفتُّت في المحيط والأطراف؛ وهذا ما نراه الآن واضحًا جليًّا في العالَم العربي.
وكان زبجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، قد أسَّس نظريًّا لسياسة “التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي” للدول العربية، داعيًا الرئيس كارتر إلى العمل بما يُسهِّل اتِّخاذ الطائفة والمذهب هويةً للناس في البلاد العربية. كيسنجر وزير الخاجية الأميركي الأسبق تحدَّث عن أهمية وضرورة جَعْل العالم العربي “أقليات” من طريق تمزيق دوله دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا،..”.
حرب الأيَّام السِّتَّة أنْتَجَت “إسرائيل الكبرى (جغرافيًّا)”؛ أمَّا الحرب، التي من نارها ودمارها ودمائها وكوارثها، ستُبْنى، وسيكتمل بناء، “إسرائيل العظمى” فلن تكون حربًا يخوضها “جيش الدفاع الإسرائيلي”، وإنَّما حرب تقتتل فيها قبائل العرب (طائفيًّا ومذهبيًّا). إنَّني أفْتَرِض أنَّهم يقتتلون الآن من أجل الكلأ والماء لأغنامهم ومواشيهم؛ لكنني متأكِّد أنَّ مضيَّهم قُدُما في هذه الحرب سيجعلهم يقتتلون من أجل كلأ وماء لهم، لا لأغنامهم ومواشيهم؛ فلن يبقى لديهم شيء من الأغنام والمواشي.
ولقد سُمِّي هذا المسار، الذي فيه يُهْدَم الانتماء القومي العربي، ليُبْنى من حجارته كل انتماء دون قومي، كالانتماء الطائفي والمذهبي، “الفوضى الخلاَّقة”. وفي العراق، وبه، بدأ السير في هذا المسار.
أوَّلًا، شرعوا ينتزعون من الوطن العربي الكبير أراضي لِتَنْفَصِل فيها أعراق وقوميات غير عربية؛ فتضاءل “الوطن الكبير” مساحةً؛ ثمَّ شرعوا يمزِّقون الوجود القومي العربي نفسه إربًا إربًا على أسس دينية وطائفية. وعلى هؤلاء المتنازعين جميعًا أنْ يُكفِّر بعضهم بعضًا، وأنْ يكره بعضهم بعضًا، وأنْ يُقتِّل بعضهم بعضًا، وأنْ يعتادوا العيش في الحرب (الطائفية والمذهبية) وبها زمنًا طويلًا؛ لأنَّ مدار صراعهم هو تقسيم المقسَّم، وتفتيت المفتَّت، إلى أنْ يتواضعوا على حدود إماراتهم.
من قَبْل، كان العربي مسلمًا، أو مسيحيًّا؛ سنيًّا، أو شيعيًّا، أو علويًّا، أو درزيًّا؛ أمَّا الآن فأصبح مسلمًا عربيًّا، أو مسيحيًّا عربيًّا، أو سنيًّا عربيًّا، أو شيعيًّا عربيًّا، أو علويًّا عربيًّا، أو درزيًّا عربيًّا!
“العربي”، أيْ “الوجود القومي العربي”، أصبح أثرًا بعد عين؛ والآن نرى “العراقي” و”السوداني” و”السوري” و”اللبناني” و”الليبي”.. يوشك أنْ يتلاشى!
كُنَّا أُمَّة واحدة في نحو عشرين دولة؛ أمَّا الآن فتوشِك كل دولة أنْ تتعدَّد، أيْ أنْ تغدو دُوَلًا؛ و”الأُمَّة الواحدة” تتشظَّى دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا، فتغدو أُمَمًا وقوميات عدةً؛ فَقَوْميتنا “تهوَّدت” إذ أصبحت كل طائفة دينية قومية قائمة بذاتها، تقاتِل، فتَقْتُل وتُقَتِّل وتُقْتَل، في سبيل “وطن قومي لها”، يُسْبِغ عليه نعمته بلفور غربي جديد.
إنَّ الأمم الميتة، المنقرضة، هي في زماننا وعصرنا، الأمم التي كلَّما نمت ديمغرافيًّا اضمحلت في المعنى السياسي ـ الاستراتيجي لوجودها، وكأنَّها أكثرية عددية ـ أقلية سياسية.
ولقد حان للعرب أن يفهموا وجودهم القومي على أنَّه مكمن مصالحهم الكبرى والحقيقية، وأن يتِّخذوا منه، ومنه فحسب، “زورق نجاة”، و”آلة للسفر عبر الزمن”، ينتقلون فيها من الماضي، الذي هو كل حاضرهم، إلى المستقبل؛ فالقومية العربية، المفعمة بروح العداء لإسرائيل، والمتصالحة المتآخية مع الجماعات القومية التي نتقاسم معها مكان العيش، والتي تَنْبُذ ضيق الأفق القومي، وتتسلَّح بسعة الأفق الحضاري والإنساني، هي وحدها ما نحتاج إليه كاحتياجنا إلى الهواء والماء!
لقد هُزِمَت “القومية العربية”، فكرًا واتِّجاهًا وهدفًا وشعارًا، شرَّ هزيمة، إذ هُزِم بطلها وزعيمها جمال عبدالناصر في الخامس من يونيو/حزيران 1967؛ وسرعان ما خرجت من رحم هذه الهزيمة قوى سياسية عربية جديدة، تُغَلِّب، في فكرها وبرنامجها وشعارها، “الوطن الصغير” على “الوطن الكبير”، و”الانتماء دون القومي” على “الانتماء القومي”؛ ثمَّ مني اليسار العربي، مع خياره الاشتراكي، بهزيمته التاريخية إذ انهار وتفكَّك على حين غرة الاتحاد السوفياتي؛ ثمَّ غزت الولايات المتحدة واحتلت العراق، فدشَّن سقوط بغداد عصر تجزئة المجزَّأ، فبعد تجزئة “الوطن الكبير” بدأت تجزئة “الأوطان الصغيرة”.

إلى الأعلى