الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الرد على جريمة إحراق الرضيع

الرد على جريمة إحراق الرضيع

علي بدوان

إن الرد الحقيقي على جرائم الاحتلال وممارساته، وآخرها جريمة إحراق الرضيع علي دوابشة تتمثل بالعودة لتوحيد البيت الفلسطيني، وإطلاق يد الشعب الفلسطيني لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة المُمكنة وعلى رأسها العمل الانتفاضي الجماهيري الشعبي، كما حدث في الانتفاضة الكبرى الأولى نهاية العام 1987، وفي الانتفاضة الكبرى الثانية صيف العام 2000.
الساحة السياسية الفلسطينية تَمُر بظروفٍ جديدة، في غاية الدقة والتعقيد بعد وصول عملية التسوية على المسار الفلسطيني “الإسرائيلي” لطريق مسدود، وبعد أن بات أنصار عملية التسوية السياسية في حرج كبير نتيجة التعنت “الإسرائيلي” وممارسات الاحتلال والمستوطنين وآخرها حرق الرضيع الفلسطيني علي دوابشة حيًّا في قرية دوما جنوب مدينة نابلس قبل أيامٍ خلت، فضلًا عن غض النظر الأميركي عن الممارسات “الإسرائيلية”، خصوصًا منها العمليات الاستيطانية التهويدية الجائرة الجارية فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 خصوصًا في منطقة القدس وداخل أحياء المدينة، حيث صادقت حكومة بنيامين نتنياهو مؤخرًا على عدد من المشاريع الجديدة لتوسيع عدد من المستعمرات المقامة حول القدس على أسوارها وفي داخل أحيائها العربية الإسلامية والمسيحية.
لقد جاءت جريمة إحراق الرضيع علي دوابشة وممارسات الاحتلال والمستوطنين اليومية، وبروز العديد من المعطيات التي تشي بأن دولة الاحتلال ماضية في تنفيذ رؤيتها السياسية والعملية بالنسبة لمستقبل الحل مع الفلسطينيين، فإن مهام استثنائية فلسطينية عاجلة يفترض بها أن تتصدر الآن جدول أعمال الحالة السياسية الفلسطينية، وكأولوية على جدول أعمال منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي حماس وفتح وعموم قوى العمل السياسي الفلسطيني، لإجراء مراجعة وتقييم دقيق لمسيرة العمل السياسي الفلسطيني في العقدين الأخيرين، ولعموم الوضع الفلسطيني الداخلي، ومغادرة أسباب الانقسام بالسير نحو إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا نرى أن تشخيص الواقع الفلسطيني الراهن بات أمرًا ضروريًّا وحاسمًا لجهة صياغة التكتيكات المناسبة لإدارة الصراع في المرحلة القادمة، بما في ذلك تهيئة الجبهة الفلسطينية الداخلية وإعادة بنائها من جديد على أسس تستجيب لحقائق الواقع.
وانطلاقًا من الواقع إياه، فإن ثمة مهام كبيرة يقف على رأسها مهمة استعادة وحدة الشعب الفلسطيني، واستعادة وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني، تُشكّل في المرحلة الراهنة مهمة عاجلة وغير قابلة للتأجيل، ولكن السير على طريق تحقيق وإنجاز هذه المهمة أمرًا ليس سهل المنال بسبب من حجم الضغط الخارجي الذي مورس وما زال يمارس على مختلف الإطارات الفلسطينية خصوصًا الرسمية منها.
إن عبور الفلسطينيين وتجاوزهم أزماتهم الداخلية بات أمرًا مُلحًّا بعد أن تجاوزت ممارسات الاحتلال كل المحظورات. وبالطبع إن للنجاح أسبابًا وعوامل لا بد من توفرها، ويقف على رأسها ضرورة تذليل العقبات بين قطبي المعادلة الفلسطينية ونقصد حركتي حماس وفتح، فهناك استحالة التئام أي لقاء موسع دون عقد لقاءات ثنائية بين حماس وفتح لتفكيك نقاط الاستعصاء الكبرى، فضلًا عن إسهام باقي القوى الرئيسية في الخريطة السياسية الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من القوى الفاعلة في الخريطة السياسية الفلسطينية.
إن الحرص على أهمية الحوار الوطني الفلسطيني الشامل، ينطلق من أن الحوار طريق لا بد من أجل إعادة بناء الوحدة الوطنية وإرساء وحدة القوى الفلسطينية على أسس برنامج وطني ائتلافي يشكل القاسم المشترك بين جمع القوى الفلسطينية المتعاضدة في خندق الكفاح الوطني في الداخل والشتات.
وفي هذا السياق فإن نجاح الفلسطينيين بالعبور من خندق الأزمة الداخلية، وحل الاستعصاءات التي تعترض طريق المصالحة الفلسطينية المنشودة، يتطلب بالضرورة خطوات فلسطينية لا بد منها على المستوى الرسمي، وأول هذه الخطوات يتمثل في:
ـ الوقف الكامل لعملية المفاوضات مع الطرف “الإسرائيلي” ما دام الاستيطان ونهب الأرض متواصلًا. وما دامت عصابات المستوطنين تسرح وتمرح في اعتداءاتها اليومية دون حسيب أو رقيب، بل وبتغطية من سلطات وجيش الاحتلال.
ـ الوقف الكامل لعمليات التنسيق الأمني عبر لجان الارتباط الأمني مع الاحتلال.
ـ تحريم الاعتقال السياسي وإطلاق سراح جميع المعتقلين في سجون السلطة.
ـ كف يد القوى الإقليمية التي تريد قولبة الأوضاع الفلسطينية على مقاسات معينة معروفة تمامًا، وكبح العامل الخارجي الذي يدفع باتجاه توتير الأجواء الداخلية الفلسطينية.
ـ إعادة الاعتبار لكل أشكال العمل المقاوم في مواجهة نهب الأرض وتهويدها.
ـ التوجه للعالم والمجتمع الدولي بخطاب سياسي آخر بعيد عن خطاب الارتهان والتعويل، والمبادرة لبناء خطاب سياسي فلسطيني يجمع بين الدبلوماسية والمقاومة، ويستند لوحدة الشعب ومكوناته السياسية وإلى البعد القومي والإسلامي لقضيتنا العادلة.
وبالنتيجة، إن تحديات المرحلة القادمة غاية في الصعوبة، وهي تحديات تفرض على عموم القوى الفلسطينية المزيد من نكران “الذات التنظيمية والفصائلية” لصالح الهمم الوطني العام، ولصالح التركيز على الأساسيات لإنجاح الجهود الرامية لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وقطع الطريق على المتضررين من الوحدة الوطنية.
فالمهمات القادمة، مهمات جسيمة وليست بالسهلة، وتفترض جهدًا استثنائيًّا من قبل فصائل العمل الوطني الملتزمة بنهج المقاومة في الداخل الفلسطيني، وتفترض أيضًا من القوى المذكورة المبادرة لاشتقاق البرامج التي توحد الشعب وفصائله في مواجهة عمليات إفشال الوصول للوحدة الوطنية.
إن أجواء التفاؤل تبقى مُحفّزة ومحرضة للجميع، بالرغم من المناخات السلبية المخيمة على الوضع الفلسطيني، ومصدر التفاؤل يعود بشكل رئيسي إلى الشعب الفلسطيني الذي (لا كلّ ولا ملّ) في مشواره الكفاحي على طريق العودة إلى فلسطين بالرغم من جسامة التحديات، والظروف الصعبة التي يمر فيها شعبنا في الداخل خصوصًا في قطاع غزة مع حصار الاحتلال.
وبكل الحالات، إن نداء الوحدة الوطنية يمثل الآن في هذه المرحلة استجابة كبرى في مواجهة جرائم الاحتلال، وسيبقى سيد الموقف في الساحة الشعبية الفلسطينية، وهو النداء الذي سيفرض نفسه في النهاية على منطق الانقسام وتفعيل أدوات وعناصر وأوراق القوة باليد الفلسطينية للرد على الاحتلال ومجموعات المستوطنين. فضلًا عما يُشكّله بحد ذاته من طريقٍ ناجع لإرساء صياغات وتفاهمات تمثل قاسمًا مشتركًا لدى الجميع من عموم القوى والفصائل والشخصيات المستقلة والتكنوقراط تجسيدًا للوحدة الفلسطينية، وفق برنامج محدد، دون التلويح بضغوط المجموعات الدولية التي تطالب جميع الفلسطينيين وقواهم السياسية الاعتراف بشروط الرباعية الدولية، وهي شروط مجحفة وغير منطقية وغير مقبولة بالعرف الدبلوماسي وفي العلاقات بين المنظومات السياسية، فالمجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة يتشكل من قوى سياسية منتخبة من الناس وفق برامج معلنة لذلك لا يستطيع أحد في العالم إلزامها بتبني مواقف محددة، وقد رفضتها غالبية القوى الفلسطينية بما في ذلك قوى من داخل منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

إلى الأعلى