الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : في حب مصر

باختصار : في حب مصر

زهير ماجد

كان الجميع يستمع إليه، وكذلك يصغي الزمن .. لم يكن يعرف سوى بضعة رجال أنه سيقدم على أكبر ضربة للاستعمار .. قال لهم عندما تسمعون في خطابي كلمة دوليسيبس تضعون يدكم على الفور على قناة السويس .. ولحظة قالها بالفعل، كانت القناة في طريقها إلى صاحبها التاريخي، صارت مصرية بكل المعاني، وأسقط في يد إيدن البريطاني وجي موليه الفرنسي، فيما رأى بن جوريون أنها المناسبة لتحطيم هذا الرجل ذي الطموحات الوطنية الجديدة في تعريفها.
كان ذلك عام 1956 حين وقف الرئيس المصري جمال عبدالناصر ليعلن تأميم قناة السويس، ولعنا لا ندري إلى اليوم أن من أمسكوا بالقناة من مصريين لم يكونوا على علم بتفاصيلها ولا بكيفية تشغيلها، ولولا وجود بعض اليونانيين الذين يحملون الدم المصري من خلال حبهم لمصر لما تأمن تسيير ذلك الشريان وكأن لا فراغ قد حصل منذ رحيل الفرنسيين والبريطانيين، الذين لم يتقبلوا الصدمة من هذا الزعيم الذي أراد لمصر أن يكون خيرها لها، وخصوصا تلك القناة التي كانت السبب في وضع يد بريطانيا عليها عندما تحمل الخديوي إسماعيل الديون التي تراكمت من جراء حفرها وافتتاحها، فقرروا مع الإسرائيلي مهاجمة مصر ..
وقع العدوان الثلاثي عليها بالفعل، اهتزت المنطقة والعالم، لكن حلم عبدالناصر ظل متوهجا .. ويذكر التاريخ يومها أن رئيس سوريا شكري القوتلي أقنع السوفييت بالوقوف إلى جانب الرئيس المصري فأطلقوا إنذارهم الشهير بانسحاب القوات المعتدية، فيما عمدت الولايات المتحدة التي كانت تعرف أن فرنسا وبريطانيا لم تعودا قوة استراتيجية بعد الحرب العالمية الثانية وأنها البديل فتدخلت أيضا لصالح انسحاب القوات.
ربحت مصر قناتها، وربح عبدالناصر الزعامة بتفوق لا مثيل له ليس كمصري فقط بل كعربي وكإفريقي وكمسلم .. وعلى أثره بدأ عهده بالوضوح وصارت مصر محجة العالم ومركزه التحرري والتقدمي الأول.
هكذا لعبت القناة دورها، وهكذا فكر الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي لا بد أن يذكر تلك التفاصيل وأكثر وهو يتقدم ليس لتوسيع شريان مائي، بل لاستكمال ما فهمه جمال حمدان في وصف مصر بأنها عبقرية المكان، وبأن القناة التي حاول الإسرائيلي سرقتها ذات مرة عليه أن يفهم في كل مرة وفي كل مطلع شمس، إنه مثلما هي مصر هبة النيل كما يقول هيرودوت، فإن قناة السويس نيل آخر يطلع من عيون المصريين ويمر على جيوبهم وعقولهم.
في حب مصر كل شيء يهون بالنسبة للمصريين التواقين على اعتبار كل مشهد في بلادهم هو دين عليهم .. فمصر ليست بالمكان الهين في هذا العالم، وليس جيشها سوى الجيش الذي عندما يمسح كل مقاتل فيه جبينه يكون قد ابتسم للشمس التي من أجله تسطع.
كثير من الكلام في حب مصر، وخصوصا في لحظات عمرها وتحولاتها، فلا شك أن ما ننتظره كما قال السيسي كثير، وقيمة الصبر في كثير من الأحيان، أنه مادة للروح التي تتفاهم مع الزمن ليخلص لها.
كان مشهدا ولا أحلى، صورة من عبقرية مكان يعرب في كل مرة عن عبقريته الخاصة في اجتراح معجزاته طالما أن له تلك الجغرافية التي هي وهب من الله بتكريم مصر.

إلى الأعلى