الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلهم باروخ جولدشتاين

كلهم باروخ جولدشتاين

محرقة قرية دوما ضرب من سياسة واستراتيجيا متبعة منذ أن كان المشروع الصهيوني، نفَّذتها “الهاجاناه” قبل النكبة، والتي أصبحت بعدها “الجيش الإسرائيلي”، ومستعمرو اليوم هم على خطى مستعمري الأمس، وجرائم ما بعد النكبة سليلة ما قبلها، و”شباب التلال”، و”تدفيع الثمن” من نسل “شتيرن” وأخواتها، وأذرع لأحزابهم الحاكمة والمعارضة، وكلهم يا فصائلنا باروخ جولدشتاين.

لم تعدم الأيام التي تلت محرقة قرية دوما الفلسطينية ردود أفعال آنية، محلية وإقليمية ودولية، اختلفت مواقعها ودوافعها ومنطلقاتها ونبراتها، لكنما، ولفظاعتها، لم يك لردود الأفعال المختلفة هذه إلا أن تلتقي على أمرين: استفظعت الجريمة بدايةً فارتفعت، إما لأنها أغضبتها، أو أخجلتها، أو أحرجتها، فاتفقت بالتالي شجبًا وإدانةً، ومن ثم مآلًا، أي خفوتًا وتلاشيًا مع مرور أيام على قلتها. هكذا حال لم يك بغير المتوقع، لأنه ينسجم مع واقع فلسطيني رسمي وفصائلي بائس، وعربي منحدر حد الإشاحة ويتجاوزها إلى التواطؤ، ودولي إذ لم يك منافقًا، فمشاركًا تاريخيًّا في المحرقة الكبرى التي تعرَّض لها الفلسطينيون مديدًا، وينذر الآن العرب بفتن قد لا تقل عنها هولًا.
…ويعني، أن جريمة حرق عائلة الدوابشة نيامًا في بيتهم سوف تمر وتمضي على طريق مثيلاتها من جرائم، أي كتفصيل صغير من تفاصيل هذه المحرقة المتواصلة في فلسطين، ولبنة من لبنات قيام الكيان الصهيوني الغاصب واستمراره فيها… قتل الرضيع علي الدوابشة حرقًا سبقه حرق الفتى محمد أبو خضير حيًّا، والطفل محمد الدرة وهو في حضن والده قنصًا، وقد نعدد ولا ننتهي، إيمان حجو، وإيناس شوكت، و… و… و… إلى أن نتوقف مجملين أمام 500 طفل قتلوهم فقط في حربهم الأخيرة على غزة، ناهيك عن الأطفال الأسرى والجرحى ومن كُسِّرت عظامهم ومن ولدتهم أمهاتهم في المعتقلات…
لذا، لم يستوقفني من ردوود الأفعال هذه سوى شق من واحد منها وليس كله، وهو الفلسطيني، حيث لا أعني هنا لا الأوسلوي ولا الشعبي، وإنما تحديدًا بعض فصائل المقاومة، والمعارضة، ومن هي على هوامش السلطة، أو ما عكسته أغلب بيانات أغلبها، والذي، ومن أسف، يكشف لنا عن خلل مريع في الرؤيا وليس مجرّد معهود قلة حيلة فحسب. تجلى هذا الخلل بيِّنًا فيما يلي:
أولًا: كيل الشجب والإدانة واستفظاع الجريمة والوعيد بالعقاب، وهذا على أحقيته، إذ لا يخفي عجزًا مزمنًا لدى غالبيتها، يشي وكأنما هي لا تدرك طبيعة عدوها الاستعمارية الإحلالية، أو مشروعه القائم أصلًا على نفي الآخر والحلول محله، أي إبادته ماديًّا ومعنويًّا كشرط لاستمرار كيانه الغازي الغاصب، بمعنى أن وجوده أصلًا نقيض وإلغاء لوجود شعبها ووطنها وهويتهما، أي أن الفاشية في أفظع تجليات انحطاطها الأخلاقي ولا إنسانيتها سمة مرافقة لهكذا عدو. وعليه، هل من محل للإعراب لكل ما دبجته بياناتهم الاستنكارية، أو ما جدواها إن هي لم تترجم مقاوماتيًّا؟! وهنا لا نعمم… ومن المفيد أن نذكِّر بأنه حتى صحيفة “هآرتس” تقول بأن “مشتل حارقي عائلة الدوابشة هو الجيش الإسرائيلي”، ونلفت إلى أنه في ظل كل ردود الأفعال الشاجبة والمُدينة على اختلافها، حتى من قبل نتنياهو، احتل المستعمرون في الضفة جزءًا من قاعدة عسكرية فزوَّدهم عسكرها بالمياه والكهرباء ليقيموا فيها مستعمرةً جديدةً!
وثانيًا: إن مطالبتها سلطة “أوسلوستان” بوقف التنسيق الأمني مع العدو تعادل عمليًّا مطالبتها لهذه السلطة بحل نفسها، الأمر الذي تعلم أنها لن تقدم عليه، لأنها، وباعتراف تكرر من رموزها، قد جرها نهجها وسياساتها إلى موقع وواقع لم تعد فيه تقوى على أن تكون أكثر من أداة أمنية تقايض الاحتلال تنسيقًا مقابل سماحه بوصول رواتب موظفيها، وقبله، استمرار المناحين في دفع هذه الرواتب… أو كأنها لم تسمع الجنرال يعلون بعد الجريمة يطمئن صهاينته بالقول “إننا نعمل مع أجهزة السلطة لمنع التصعيد”، بمعنى التصدي لاحتمالات أن يتطور الغضب الشعبي إلى تسريع اندلاع الانتفاضة المنتظرة، ولا تأكيدات الرجوب: “سنواصل مكافحة كل من يحاول إفشال مشروعنا السياسي”! وقبل هذا وذاك، لم تسأل نفسها أين أجهزة هذه السلطة ومواطنيها يحرقون نيامًا في بيوتهم؟! وكم تكرر إحراق هذه البيوت، في قرية سنجل 2013، وبورين وحدها ثلاثة بيوت في العام الماضي، وواحدًا في الخليل، وإجمالًا، خمسة عشر منزلًا وخمسة وعشرين مسجدًا في العقد الأخير فقط، وكلها في سياق اعتداءات للمستعمرين بلغت فيه وحده 11 ألف اعتداء… بالمناسبة، هناك تصريح طريف للواء الضميري، الناطق باسم هذه الأجهزة، يقول فيه بأن محرقي عائلة الدوابشة قد “أصبحوا الآن مطلوبين وملاحقين للأمن الفلسطيني”!!!
وثالثًا: حضها على التوجه لسماحة “العدالة الدولية”، التي هي موضوعيًّا لصاحبتها الولايات المتحدة، فيه إغفال لتاريخ طويل من تواطؤ هذه العدالة في اختلاق واستدامة الوجود العدواني متجسدا في الكيان الصهيوني في فلسطين، ناهيك عن كونه مطلبًا في أعلى الاستجابات له لن يتعدى مقابر لجان التحقيق ودفن جرائم المحتلين، ويشي وكأنما أصحابه يصدِّقون فعلًا شجب وإدانة الغرب للجريمة، نفاقًا لا إنصافًا، ونأخذ الاتحاد الأوروبي مثالا، الذي يشيد بنتنياهو ويدعوه إلى “عدم التهاون مع المستوطنين” وهو يعلم أن حكومته هي حكومة هؤلاء، ويعلن رفضه رسميًّا لـ”الاستيطان” ويفتح أسواقه لمنتجات المستعمرات وتستثمر شركاته فيها!
ورابعًا: وأخيرًا، دعوتها العجيبة لهذه السلطة المسارعة في إتمام المصالحة وإنجاز الوحدة الوطنية، متجاهلةً نهجها التصفوي الأوحد والذي لا تحيد عنه ويكافح الرجوب لاستمراره، وغياب أي توافق على برنامج إجماع وطني مقاوم لا مساوم!
…محرقة قرية دوما ضرب من سياسة واستراتيجيا متبعة منذ أن كان المشروع الصهيوني، نفَّذتها “الهاجاناه” قبل النكبة، والتي أصبحت بعدها “الجيش الإسرائيلي”، ومستعمرو اليوم هم على خطى مستعمري الأمس، وجرائم ما بعد النكبة سليلة ما قبلها، و”شباب التلال”، و”تدفيع الثمن” من نسل “شتيرن” وأخواتها، وأذرع لأحزابهم الحاكمة والمعارضة، وكلهم يا فصائلنا باروخ جولدشتاين…

عبداللطيف مهنا
كاتب فلسطيني

إلى الأعلى