الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (170) : تيسير النحو (1/9)

نافذة لغوية (170) : تيسير النحو (1/9)

لازمت الدعوة إلى تيسير النحو التحدّي المعادي النّابع من الادّعاء بصعوبة اللغة العربية نحواً وصرفاً وبياناً وكتابة، ابتداءً من أخريات القرن التاسع عشر. وكادت هذه الدعوة تقتصر على تعقُّد النحو وتشعُّبه وكثرة مصطلحاته وصعوبة التقيُّد بالإعراب الذي يفرضه على المتكلِّم. وقد نصَّ أتباع هذه الدعوة على أن العرب يحسنون صنعاً إذا تخلَّوا عن النحو وانصرفوا إلى تعليم الأجيال المتعاقبة اللغات الأجنبيّة، وخصوصاً الإنجليزية والفرنسية، وهما ـ من وجهة نظر أتباع هذه الدعوة ـ لغتان أثبتتا قدرتهما على الارتقاء بالأمم، ومرونتهما في التعليم والتعلُّم، شأنهما في ذلك شأن العامية التي تتصف بالمرونة والانتشار والقدرة على التعبير عن الحاجات المستجدّة في الحياة. وإنْ لم يكن هناك شيء من ذلك فتيسير النحو واجب، وخصوصاً حذف الحركات وإلغاء العامل وإهمال قدر من الأبواب والقوانين وآراء النحاة واختلافاتهم.
بيد أنني أعتقد أن الدعوة إلى تيسير النحو وُلدت غائمة وإنْ استندت إلى حجَّة واقعية هي الضعف المستشري وصعوبة تعليم النحو وتعلُّمه. ذلك أن القائلين بها ما كانوا راغبين في إعلاء شأن الفصيحة وتيسير تعلُّمها، بل كانوا يتخذونها ستاراً للفصل بين العرب وتراثهم ودينهم بغية قيادتهم إلى التبعية المطلقة للغرب. غير أنهم لم يدرسوا هذا التحدي جيداً، ولم يصطنعوا له من المسوغات ما يجعله قادراً على الحجاج في أيّ مواجهة علمية. وهناك مَنْ يعتقد بأن الأجانب نجحوا في دعوتهم إلى تيسير النحو، ويتخذ من المؤلّفات والدراسات التي عالجت هذا الموضوع دليلاً على ذلك. والحقُّ أن الدعوة إلى تيسير النحو شهدت طوال القرن العشرين تداخلاً عجيباً بين اتجاهين، يرمي الاتجاه الأول إلى تقويض النحو واللجوء إلى العامية واللغات الأجنبية، ويهدف الثاني إلى النهوض بالفصيحة في العصر الحديث باللجوء إلى وسائل عدّة منها تيسير تعليم النحو وتعلُّمه. ولا بدَّ من فحص الاتجاهين لتتضح أهدافهما ونيَّات أصحابهما.
أما الاتجاه المعادي القائل بصعوبة النحو وتعقُّده فقد جعل الإعراب غاية النحو، ودعا إلى التخلِّي عنه لعجز الإنسان العربي عن التقيُّد به في كلامه، وألحَّ على تسكين أواخر الكلم تشبُّهاً بالعامية ومجاراة لها، وحاول الإيحاء بأن الأصول الأولى للفصيحة لم تكن مُعْرَبة، وأن الإعراب طرأ عليها في عصور لاحقة. قال الجنيدي خليفة في كتابه (نحو عربية أفضل): ” الجواب الطبيعي هو بكل بساطة التزام السكون، أولاً لكونه الأصل، وثانياً لكونه الحالة الوحيدة التي يلتزمها سائر شعبنا الناطق بالدارجة، وثالثاً لإمكانية استغلال حركتي الجر والضم في بعض المعاني والاصطلاحات. وبعد سنوات طويلة ومجهودات مضنية يقضيها الطالب في تعلُّمه (يقصد: النحو) يتوصل – إن كان من الموفَّقين – إلى أن حكم المبتدأ الرفع! طيِّب… وإذا لم نرفع هذا المبتدأ بل سكَّنّاه مثلاً، هل فسد المعنى؟ هل خسفت بنا الأرض؟ وهل من خرق وحماقة، بل هل من جنون أفظع من قضاء زهرة العمر في سبيل تعلُّم لا شيء، في سبيل حذق حماقة؟… ويزيد الجنون فظاعة أن هذا الإعراب الأخرق، هذا الخراب الفكري والنفسي ليس إلا ظاهرة متأخرة عن العربية الأولى التي يحرصون على تقليدها والاقتداء بصفائها “. النحو، في مفهوم الاتجاه المعادي إذاً، هو الإعراب الذي يعني معرفة أحوال الكلم في الجملة من حركة وبناء. ولا يملك الإنسان العربي هذه المعرفة لاتساعها وتعقُّدها، وإنْ ملكها عجز عن استعمالها في حديثه. وما الحرص عليها إلا محاكاة السابقين وهدر الوقت والجهد ….. يتبع

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى