الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ماذا بعد: تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (1-3)

ماذا بعد: تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (1-3)

“كلما زادت المعرفة زاد العجب” الأديب البريطاني الراحل تشارلز مورجن (1894-1958) (1)

— 1 —
أدت وفاة والد الأخ الكريم سلطان المقبالي إلى كتابة مقاله الذي نحن بصدده في مجلة الفلق الالكترونية. أنا أيضا قد توفى والدي. ومما اذكره أنه في الساعة الثامنة من صبيحة يوم الجمعة 16/10/1996 بدأ ينازع الموت. كنا إلى جواره، في البيت وليس في المستشفى، أنا وأخي أحمد. وعندما ينازع المحتضر فإنك تدرك أنه بدأ يموت. وكعادة الشافعية في جنوب الجزيرة العربية بدأت بصوت خافت قراءة سورة يس. ختمتها وشرعت في قراءتها كرة أخرى وعندما وصلت إلى هذه الآية فاضت روحه: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: 12). ليست هذه هي المناسبة للحديث عن والدي، موته وحياته، وإن كانت بعض أحداثها ستدهش كل شخص غير مادي أي لا يعتقد بمذهب الطبيعية. يقول علماء النفس والأعصاب ان الموت مؤخر في وعي الإنسان أي أن حتمية الموت في أي وقت ليست في المقدمة شعوريا الأمر الذي يتيح للإنسان المضي في الحياة إذا جاز التعبير (يا ترى هل لهذا أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة المقابر لأنها تذكرنا بحتمية موتنا، أي تستحضر من الوعي الخلفي إلى الوعي الأمامي الموت وبالتالي تجلوا ران قلوبنا)؟ فالإنسان هو المخلوق البيولوجي الوحيد على هذه الأرض الذي يعي موته أي يعلم أنه سيموت يوما ما. الحيوانات ليس لها وعي مسبق بحتمية موتها. وأريد ان أعقب هنا تعقبات هادئة على بعض ما طرحه الأخ الفاضل سلطان المقبالي في مقاله في مجلة الفلق الإلكترونية تحت عنوان (ماذا بعد) بعد وفاة والده ـ رحمه الله ـ ، مع التأكيد أن بعض مما جاء في التعقبات ليس موجها له هو شخصيا، فأنا لا أحكم عليه هو نفسه بشيء، فهذا مرده إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. أنا لست من القضاة أنا من جملة الخطاة.
1. قوله (… صعوبة تقبل الإنسان لفكرة النهاية المطلقة له وجودياً، وحاجته إلى قوة فوقية وخارقة توفر له الحماية والعناية الكونية وتولد في داخله الشعور بالطمأنينة والراحة “الروحية” أو النفسية – ولو كمسكن مؤقت – هي ما جعله عبر مر الأزمان والعصور يبحث عن الحقيقة الغائبة من خلال العقائد الدينية المتلاحقة).
التعقيب: هذا هو حاليا التفسير الدارويني للإيمان بالغيب، أو بالتحديد تفسير ما يسمى بعلم النفس الارتقائي evolutionary psychology الذي يعده بعض الداروينيين أنفسهم إحراجا لهم و للنظرية، لأنه مجرد حكايات من قبيل (كما قلت). لماذا لا ندير السؤال أي نسأل لماذا لدى الإنسان هذه الحاجة إلى الإيمان بالغيب أصلا؟ يبدو حسب آخر الدراسات أن الإنسان مفطور على هذا أي البحث عن الخالق ومقصد الخلق. فدراسة نشرتها مجلة Nature، نيتشر، العلمية مؤخرا لعالم الأعصاب باسكا بوير تشير إلى أن عددا وافرا من السمات الإدراكية تعد الإنسان قبليا (أي تجعله ميالا إلى الإيمان بالغيب منذ الصغر). وهناك أدلة من مجالات علمية عدة تشير إلى أن البشر يولدون بنظرة ميتافيزيقية عميقة غائرة في الوعي لا يمكن التخلص منها (ميتافيزيقية أي فوق فيزيائية أي غير مادية). حتى ان العالم جراهام لوتن البريطاني (هو نفسه ملحد) قال ان هذه الدراسات أشارت إلى ان بعض الأشخاص الذين يقولون أنهم ملحدون لديهم معتقدات دينية غيبية كالاعتقاد بروح لا تموت (انظر آخر المقال ملحق سرد بعض هذه الدراسات للمستزيد).
إن هذا التفسير الذي قدمه الأخ المقبالي أي التفسير المادي أو الارتقائي للتدين تشوبه نواقص خطيرة أهمها:
1. انه تفسير متلبس بمغالطة التوليد: فإذا كان للدين أو التدين وظيفة أو وظائف نفسيه (هذا لا ينكره احد) لا يلزم من هذا الاستنتاج ان حاجة الإنسان النفسية للإيمان بالله سببها الطبيعة الأم وليس الله نفسه. إذ يمكن ان يكون هو من أنشأها كذلك. في هذا الصدد يقول الفيلسوف الأميركي بولس كوبان في كتابه Is God A moral Monster (هل الله وحش لا أخلاق له؟) ص 29: (حتى لو لم يكن هناك جينا لله – أي مورثة تسبب الإيمان بالله – فللبشر نزعة دينية لا تمارى. شيء كالتشبيك في الدماغ يجذبنا إلى التصورات فوق الطبيعية. البعض يستنتج من هذا عدم وجود الله وان الإيمان به مجرد نتيجة لسيرورات بيولوجية متوقعة. إحدى المعضلات الكبرى مع هذا الاستنتاج هي مغالطة منطقية جسيمة: إذا كان البشر مفطورين على التدين لا يعني هذا منطقيا ان الله لا وجود له. في قضيتنا هذه فإن وجود الله سؤال منفصل عن مصدر الاعتقادات الدينية. يجب التفريق الدقيق بين بيولوجية الاعتقاد (إذا جاز التعبير) وبين عقلانية الاعتقاد. فوق هذا وذاك يبقى السؤال لماذا الناس مدفوعون لاختلاق آلهة وأرواحا أصلا؟ لماذا البشر مستعدون للتضحية تطوعا بحياتهم من اجل عالم غير ملموس؟ محاولات الملاحدة الجدد تفسير الاعتقاد كقصة خيالية نافعة أو، أسوأ من ذلك، ضلالة ضارة تفسير يقصر عن إخبارنا لماذا الدافع الديني مطمور عميقا جدا. أما إذا كان ثمة الله فان هذا تفسير ممتاز لماذا التوقد الديني موجود أصلا) (2).
2. لا يعني وجود وظائف نفسية للتدين ان الأديان كلها على باطل.
3. لا يفسر التفسير الطبيعي أو الارتقائي للتدين التفاصيل الكثيرة في الديانة الواحدة مثل التفاصيل الدقيقة والكثيرة في الديانات السماوية الثلاث.
4. لا يفسر هذا التفسير الاختلاف الهائل بين الأديان المعروفة اليوم.
5. وأخيرا هذا التفسير يقول ان الإيمان بالله ناتج عن حاجة نفسية لكنه غير كاف لتفسير من أين جاءت هذه الحاجة النفسية أولا. في هذا الصدد يقول الكاتب وعالم الرياضيات الفرنسي باسكال إذا اكتشفت فراغا في قلبك فاعلم ان الله هو من وضع هذا الفراغ في قلبك لتطلبه فتسد به هذا الفراغ. الإنسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلوق أجوف أي يشتمل على فراغ ولا بد له من ملء هذا الفراغ. ولا يمكن سد هذا الفراغ بجعل المتع مقصدا للحياة كما يفعل الآن كل من أقصى المقصد والمعنى من حياته. لا يمكن سده إلا بإدخال الله إلى قلوبنا وحياتنا. بغير التسامي تتحول حياة الإنسان إلى مثل الظمآن يطارد السراب في الصحاري. لا عطشه يروى ولا بحثه يتوقف.انظر تفصيل ذلك في كتاب عالم النفس النمساوي الراحل الدكتور فكتور فرانكل The Unheard Cry for Meaning (صرخة للمعنى غير مسموعة). يوضح فرانكل فكرة الكتاب بقوله (ترجمة هذا الكاتب) (انظروا إلى معدل الانتحار المفزع بين طلاب الجامعات الأميركيين حيث يعد السبب الثاني للوفاة بين هذه الفئة بعد حوادث المرور. هذا يحدث في مجتمعات الرخاء و دول الرعاية الاجتماعية! منذ أمد حلمنا بحلم ندفع ثمنه الآن: حلم انه بتحسين ظروف الإنسان والمجتمع اقتصاديا، سيصبح كل شيء على ما يرام وسيصير الناس سعداء. المعضلة انه عندما انحسرت المجاهدة من اجل البقاء برز السؤال التالي: البقاء من اجل ماذا؟ فمعظم الناس اليوم يمتلكون وسائل العيش لكن بدون معنى ولا مقصد يعيشون من اجله. في المقابل نرى أناسي سعداء تحت ظروف مناوئة) (ص 23 ). وفي كتابه يبين فرانكل أزمة الحياة الجنسية وأزمة القيم الأخلاقية وأزمة الأدب والفلسفة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية جراء خروج المعنى من الحياة منددا بما اسماه الأنسوية الزائفة pseudo-humanism التي تنكرت لفطرة الإنسان على طلب معنى الحياة، وداعيا على وجه الخصوص الشعراء والأدباء والكتاب والسينمائيين والمسرحيين الذين يسوقون للجمهور الغربي العبثية واليأس بالتوقف (تحليا بالمسؤولية) لأنها تزيد الفراغ الروحي أو الكرب الوجودي. هذا يذكرني بالشاعرة العمانية التي لما سألها المذيع لماذا الموت والحزن موضوعان رئيسيان يتكرران في أشعارها قالت بكل بساطه انه عندها المزيد من الموت والحزن في دواوين قادمة! أو بقول الشاعرة فاطمة ناعوت التي قالت عن ديوان شاعر عماني معاصر مشهور بأنه لا بشر فيه ولا حياة! هؤلاء يسوقون الشك طريقة وحيدة للتفكير ومعه يسوقون لنا وذرارينا، بناتنا وأبنائنا، حيرتهم وطريقتهم في معالجة الكرب الوجودي: احتساء الكحول وطلب المتع.
(أو كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (سورة النور:40)
ثم من قال إننا نحن البشر كلنا أو كل المسلمين يجدون صعوبة في تقبل الموت؟ وذلك ان المسلمين وجل البشر لا يرون الموت نهاية وجودية مطلقة كما يراه المقبالي أو يظن ان الجميع يرونه كذلك. لا يراه نهاية وجودية مطلقة إلا الماديون. أنا شخصيا قد استعددت له منذ 1990 وأراني الله في رؤيا حق أين أموت وكيف سأموت ولكن ليس متى. والدي قبل موته بشهر رفض أن يرقد في المستشفى وأملاني وصيته وأعد مالا كافيا لتجهيز الجنازة ولنفقات العزاء!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أهدي هذا المقال إلى أستاذي (تشارلز رسل) الذي درسني مساقين في اخطاء التفكير والمغالطات المنطقية (أبان دراستي الإعلام في جامعة توليدو الأميركية فترة 1982-1987) وما زلنا نتراسل هو وأنا عن هذا العالم وأشياء أخرى، رجلان من دينين مختلفين وثقافتين مختلفتين ولغتين مختلفتين وتاريخين مختلفين، لأن “الحِكمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ حيثُما وجدَ المؤمنُ ضالَّتَه فليجمَعها إليهِ”.

** إعلامي عماني في إذاعة وتلفزيون سلطنة عمان منذ عام 1977، عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA ،عضو الرابطة البريطانية للكتاب العلميين BSWA

(1) روائي وكاتب مسرحي بريطاني. موضوعات أعماله حسب قوله هي (الفن والحب والموت والعلاقة بينهم). موضوعات الروايات تشمل على سبيل المثال: مفارقات الحرية (رواية الرحلة، رواية خط النهر)، الحب كما تراه النفس (رواية صورة في المرآة) أو كما يرى من الخارج (رواية نسيم الصباح) ، صراع الخير والشر (رواية قصة القاضي) وتخوم الموت الفاتنة (رواية سباركنبروك).

محمد عبدالله العليان

إلى الأعلى