الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من مذكرات عربي مهاجر .. منتدى الكوفة ومذكرات الدكتور مكية ( 2 )

من مذكرات عربي مهاجر .. منتدى الكوفة ومذكرات الدكتور مكية ( 2 )

كان الدكتور مكية يحضر للمنتدى يومين فقط، هما الأربعاء والسبت. وكانت عطلة المنتدى هي الإثنين على خلاف العادة المتبعة في بريطانيا حيث العطلة الأسبوعية هي السبت والأحد، ولكن كان هناك مغزى من دوام يوم السبت وذلك كي يكون المنتدى فاتحا أبوابه للجمهور وبخاصة أيام المعارض. ولتعويض يوم السبت كان المنتدى يقفل أبوابه يوم الإثنين. ولذلك فقد اعتاد الدكتور مكية على الحضور يوم الأربعاء في الصباح حوالي الساعة العاشرة، إذ كان يركب الحافلة رقم 7 من أمام بيته بجانب المتحف البريطاني مرورا بشارع أكسفورد بوسط لندن ثم (Edgware Road) أو شارع العرب قبل أن ينعطف يسارا باتجاه منطقة (Paddington) وصولا إلى منطقة (Bayswater) وشارع (Westbourne Grove) حيث دار الساقي بلندن وبجانبها منتدى الكوفة. أما يوم الثلاثاء فكان فرصة لتجميع العمل وترتيبه قبل يوم من حضور الدكتور للمنتدى. ونظرا لأن اللقاء الثقافي الأسبوعي كان يتم أيام الأربعاء بعد الساعة السادسة مساء حيث يكون الوقت ملائما للجمهور والعموم للقدوم والاستمتاع بأمسية ثقافية، إلا أن يوم الأربعاء، ومن وجهة نظر مجتمع الكوفة سيكون طويلا، وبخاصة أن الأمسية الثقافية كانت تمتد أحيانا لما بعد الساعة التاسعة ليلا. ومن هنا يبدو أن فكرة ترتيب الغداء أيام الأربعاء لمجتمع الكوفة كانت ملائمة تماما. فبدلا من أن ينسحب كل فرد في هذا المجتمع العراقي المصغر للغداء، كانت فكرة المشاركة الاجتماعية والتجمع على مائدة من الطعام البيتي العراقي أكثر من مقبولة. وبخاصة مع وجود خبير الطبخ العراقي بالمنتدى “أبو صالح”، عدا عن توفر بدائل لأطباق عراقية من مطابخ الأخوة العراقيين العاملين في المنتدى. وهكذا في حوالي الساعة الثانية من كل أربعاء، كنا نترك شاشات الكمبيوتر وعدسات الكاميرا بعد أن تتصاعد رائحة الطعام العراقي الشهي، ونلتف بجانب الدكتور مكية حول مائدة عامرة بأصناف الطعام الساخن الشهي القادم من مطابخ الفضلاء، وطعام الكريم دواء. وحول تلك المائدة التي كانت تتصاعد رائحتها عبر الممر الصغير للكوفة، كانت الدعوات الكريمة توجه للأخوة بدار الساقي بلندن للمشاركة، وكان الفضلاء عثمان وأحيانا صفاء يلبون دعوة الدكتور مكية ووليد بامتنان وعلى استحياء.

تجربتي في الكوفة كانت متميزة وخاصة بكافة المقاييس. ومجتمع الكوفة، على بعض تباين خلفياته الفكرية والعقدية أحيانا، كان يعكس أبهى حالات التكافل والود والوئام، لدرجة يتمنى معها المرء لو كان هذا حال مجتمعات التعددية الثقافية. فلم أر في حياتي قط في أي مجتمع صادفته، كبيرا كان أم صغيرا في مجال العمل، مجتمعا شفافا ورقيقا ومتواضعا كمجتمع الكوفة. فتكاد ترى مجتمعا يحنو أفراده على بعضهم بعضا. وفضلا عن ذلك فلم أر شفافية عالية أكثر مما لمسته من الأخوة بالمنتدى، فأبو زيد كان رجلا مرحا مبتسما على الدوام ذا شخصية ضاحكة تبعث جوا من المرح. وقبل وصوله للمنتدى يكون الجميع مترقبا أن يتحرك الجو في اللحظة التي يضع فيها قدمه داخل المنتدى. وكان يحظى بحب وتقدير الدكتور مكية. تعلمت من هذا الرجل الفاضل كلمات حفظتها عنه، فشخصيته تبعث على الثقة لدرجة أنك تظن أنك قريب منه جدا وتعرفه لعشرات السنين. كنت أحيانا وفي لحظات أبث ما بنفسي لهذا الرجل الفاضل، فلا تفارق البسمة وجهه السموح، ويسدي النصح كأخ كبير، وكان كثيرا ما يقول:” العقل المأزوم لا يأتي إلا بحلّ مأزوم!”، إشارة إلى ضرورة التروي والتفكير بهدوء لمعالجة أي مشكلة. وكان يعقد مقارنات حصيفة بين مجتمعات الشرق والغرب، منها ما أحفظه منه، أنه كان يقول:” الفرق بيننا وبين المجتمع الغربي هو أنهم يتعاملون مع مشكلاتهم بواقعية أكثر منا. فالمشكلة عندهم يتم تجاوزها في وقت قياسي وتندثر وتندمل وتصبح نسيا منسيا. أما في عقليتنا العربية فالمشكلة الصغيرة يتم تضخيمها أولا، ثم تتفاعل وتتشابك مع غيرها لتصبح مجموعات من المشكلات الضخمة المتشابكة التي يصعب التعامل معها.

أبو زيد كان صديق الجميع وبخاصة أبو سارة. ومذهلة كانت الصداقة الرائعة بين الرجلين التي تتخطى حواجز المعتقد الفكري التصوفي الروحاني والفكر الليبرالي ربما. وكان أبو زيد بعفويته الساحرة يثير فضول أبو سارة لمحاولة تدبير “طرائف” بطلها أبو زيد، وما ذلك إلا تحببا بشخصية أبي زيد الرائعة الآسرة. وكان يحضر أبو زيد في بعض الأيام للمنتدى ومعه بعض الخس أو الفلفل الحلو ويعرض على الجميع قضمات، مفسرا أنه “منجما” يعج بالبروتينات المفيدة للجسم. وكان يراعي أمور الأكل الصحي لدرجة تعكس روحانياته المتوازنة، فكان رجلا قليل اللحم خاليا من الشحم يتمتع بصحة جيدة، ويمشي ما طاب له ذلك ولاحت له فرصة. وفي بعض الأيام كان يريح معدته إذ يعلن أن ذلك اليوم هو “يوم مخصص لاستهلاك السوائل” من العصير والماء والشاي وغيره. تعلمت الكثير من هذا الرجل الرائع، وحرصت على زيارته في بيته الكريم أيام الأعياد، ولا أنسى صحبته ورفقة الكوفة لسنوات عديدة كنت محظوظا بالتعرف على ذلك المجتمع العراقي الصديق في بداية قدومي للندن. وليد وحزمه مع وده وعطفه على أصدقائه كان حالة متميزة أيضا، وكان دائم التعلم لكل ما هو جديد. وطور خبراته الخاصة بتواضعه وحبه للتعلم من أي كان. فتعرفك على الناس من شتى الألوان والأطياف يكسبك الجديد الذي تتعلمه من كل واحد، فكل واحد من الناس مهما كان مستواه الثقافي أو الفكري أو العلمي أو أصله ومنبته به سر مودع يكسبك الجديد ويضفي خبرة مكتسبة لك إن فتحت عقلك وقلبك للتعلم.

العمل على مذكرات الدكتور مكية، ولاحقا على مسابقة لسفارة المملكة العربية السعودية بالقاهرة بالتعاون مع مكتب سعود كونسلت بالرياض، في مكاتب الدكتور التي تقع في الطابق الأول فوق مكتبة الساقي بلندن، كانت متميزة. وبداية كان من المثير المرور على خواطر ووثائق جمعها الدكتور مكية على مدى خمسين عاما ـ هي فترة حياته العملية – والتي كانت وثائق تاريخية خاصة. لكنني لم أكن الأول في محاولة إخراجها ككتاب، وهو ما صدر لاحقا في كتابه (خواطر السنين). فمجتمع الكوفة أخبرني بذلك فالدكتور كان يسعى للكمال، وكنت أشكل فرصة، برأيه، لكوني معماريا وأدرس الدكتوراه بجامعة لندن، مما يؤهلني لإكمال ما عجز غيري عن إكماله. تنقل العمل من مشروع لآخر حال دون اكتمال العمل وبخاصة مع اشتداد الدراسة في مراحلها الأخيرة. لكنني كنت أجلس مع الدكتور وأسجل حوارات معه حول خواطره كمعماري عربي مرموق، ليقص قصصا مما عاصره في حياته العملية والأكاديمية. وكان رائدا في نظرته الموضوعية للتعليم والنقد المعماري. وكان يعيد على مسامعي أنه كان يطلب من طلابه في جامعة بغداد أن ينقدوا تصاميمهم بأنفسهم، وبقدر ما ينقد واحدهم عمله بقدر ما ترتفع علامته. ويقول لي الدكتور مكية:” لم يكن مهما بنظري العمل المقدم آنذاك، فقد يكون الطالب مرض قبل يوم التسليم، لكن المهم بنظري كان أن يتطور الطالب وأن يعي أخطاءه للمستقبل”.

مكتبي في الطابق العلوي كان ملاصقا لدار الساقي، وكان يفصلني عن المكتبة واجهة زجاجية أدير لها ظهري باتجاه شاشة الكمبيوتر. ولذلك كان مألوفا حين أود النزول للأسفل لعمل كوب شاي أن ألقي التحية على العاملين هناك بإيماءة بالرأس. وذات يوم من عام 1998 وبينما كنت غارقا في العمل، قمت لأتمطى وأحرك قدميّ. فالقاعدة الذهبية لمن يعمل خلف المكتب أنه ينبغي تحريك الأطراف كل نصف ساعة. ولاحت مني التفاتة للخلف عبر الواجهة الزجاجية التي تفصلني عن مكتبة الساقي لأطالع ولدهشتي “راسم بدران”! ذهلت لرؤيته بعد أكثر من سنتين من مغادرتي مدينة عمّان وقدومي للندن. فلوّحت بيدي بفرح ونظر عبر الزجاج مستغربا ثم علت وجهه ابتسامة. فنزلت مسرعا ودرت عبر باب الكوفة لمكتبة الساقي لمصافحته بحرارة وكان معه معماري عرفته لماما قبل سفري للندن من مكتب أرابتك جردانه كان قد انتقل يومها للعمل بمكتب راسم. وسألني راسم عن أحوالي وكان نعم المعلم والأخ الكبير والصديق.

وهكذا كانت إحدى مكافآت العمل مع الدكتور مكية بلندن والقرب من دار الساقي هي إعادة علاقة العمل السابقة مع راسم بدران لصداقة، حيث تكرر مروره على لندن خلال السنتين اللاحقتين، وحظيت بحسنيين اثنتين، العمل مع الدكتور مكية بلندن، وملازمة أحد رواد العمارة العربية بعد تركي لمدينة عمَّان. وفي عام 2000 قدم راسم بدران مجددا للندن للسفر مع الدكتور مكية لتونس لتحكيم بعض الأعمال المعمارية معا، وتوجت هذه الزيارات بجلسات مسائية والعشاء معا في مطعم تركي مجاور بعد محاضرة ألقاها راسم بدران بتقديم من مضيفه وصاحب الكوفة الدكتور محمد صالح مكية. ولا أنسى تلك الأيام في أحضان الكوفة ومع رفقة دافئة للأشقاء العراقيين الذين تعلمت منهم الكثير كما غمروني بدفء صداقة جميلة لن أنساها لهم ما حييت، أسطرها في هذه الخواطر عرفانا وشكرا ووفاء لهم. ولكن ما هي قصة تعرفي على منتدى الكوفة وأول مقابلة لي مع البروفسور محمد صالح مكية؟
الأجوبة في الحلقة القادمة ..

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى