الأحد 20 أغسطس 2017 م - ٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حشدٌ من شخصيات بإيقاع سردي بطيء

حشدٌ من شخصيات بإيقاع سردي بطيء

“أنا 197″ لمعتصم صبيح

يستثير عنوان هذه الرواية (أنا 197) الفضول، مثلما يطرح سؤالاً، وهو: ما علاقة هذا العنوان بالرواية وأحداثها المحكية؟ والجواب غير بعيد عن متناول القارئ، فهي 197 ورقة كتبت أولاها في 26 فبراير من عام 2012 والأخيرة في 12 يونيو من عام 2013 وقد كتبت لتروي حوادث تقع في زمن محدود، وإن كانت تتضمن ارتدادات زمنية للماضي البعيد، فبطلها (مليك حتات) لا يفتأ يتذكر طفولته، ويتذكر وقائع بعضها يتعلق بجده، وبعضها بأبيه الذي لم يعرفه، وبعضها بأمه التي لم يُخْف ما كانت تتصف به من سلوك شائن، ومن تقلب.
تقوم هذه الرواية على سرد لواقعة واحدة معينة، وهي مقتل المحامي إدوارد على يدي بطل الرواية في شقته، وكتابته رسالة وجهها عن طريق البريد الإلكتروني لإدوارد ولشريكه في التحقيق ل. جون، بهدف التمويه، ومغادرته لندن في رحلة إلى الصين مع صديقته المغربية ألماس. واستدعاء المحقق كارول هاينزه للتحقيق في الجريمة بعد أن تم العثور على الجثة.
وفي موازاة ذلك عُثر على أوراق متطايرة عددها 197 ورقة كان البطل نفسه قد كتبها قبل سفره، وحاول التخلص منها، وقد جمعت هذه الأوراق ليكون الاطلاع عليها تمثيلا للمتخيل السردي في الرواية. فالوقائع إذن تدور حول عقدة بوليسية، وهذا ما يُضفي عليها التشويق. فقد بدأت من حيث ينبغي لها أنْ تنتهي. وقراءة الأوراق استذكارٌ، وإعادة لما جرى من حوادث، ووقائع.
في الأثناء تبرُزُ حكايات جانبية أخرى لنقل إنها ليست مُبأرة. فعلاقة الحبّ التي نشأت بين داني (الأردني) وليلى حكاية فرعية تؤطرها العقدة البوليسية. وعلاقة الحب بين مليك وياسمين ثم علاقته بألماس أيضا حكايتان فرعيتان ترويان على هامش الحكاية الرئيسة. والعلاقة بين سيلينا وهارى، أو سلينا ورومان، هي الأخرى حكاية ثالثة. أما قصة إفساد الصفقة مع عبد الرحمن بو علامة المغربي، وتوريط ياسمين، وإقصائها من العمل في شركة Z.Y.Sky للمقاولات، والدسائس التي حيكت ببراعة، لتوريط المتورطين، حكاية أخرى. كذلك يمكن الإشارة لعلاقة البطل بأنطوانيت – وهي الفتاة القاصر، وشريط الفيديو – وتهديده بإفشاء العلاقة المزعومة إن لم يقم بما هو مطلوب منه بشأن الصفقة المذكورة، ومحاولاته الفاشلة لاختلاس الأدلة، وعلاقته المشوبة بالتوتر مع إدوارد، ول. جون، حكاية أخرى تندرج ضمن هاتيك المتوازيات المتكررة في الرواية.
بين هذا النسيج المتشابك من الحكايات ثمة حكايات أخرى تتكرر من حين لآخر قوامها حالة الانفصام، أو شلل النوم أو الجاثوم أو التقمص والهلوسة التي تداهم البطل في أوقات متباعدة ومتكررة. وهي حالات مضطربة يعاني منها بطل الرواية مليك وراوي الأحداث. ففي الرواية وعلى مدى 467 ص لا يمل التنبيه أو الإشارة لذلك الوضع النفسي غير السوي الذي يعانيه، فهو ما أن يخلو بنفسه، أو يخلد إلى الراحة، أو النوم، حتى يكتشف أنه أصبح شخصا آخر، وأن روحه تفارق جسده لتحل في جسم آخر فيما يشبه التناسخ، وهذا الجسم الآخر متغيرٌ، غير ثابت، فهو رجل تارة، وامرأة تارة، وضفدع تارة أخرى. وهذه الأزمة النفسية التي يعانيها تضطره اضطرارا لمراجعة طبيب (جان فالجان) الذي يخضعه مرارا للتشخيص، ويطرح عليه الكثير من الأسئلة بغية الكشف عن حقيقة ما يعانيه، ونوع المرض الذي يظل غامضًا غير معروف، مما يضفي على الحكاية في هذا الموقع بالذات طابع التحليل السيكولوجي.

المكان
ومما يلاحظ اتساع الفضاء الروائي الذي تقع فيه الحوادث، وتطرد المجريات. فالبؤرة الأساسية لها هي مدينة لندن، وبالتحديد قليل من شوارعها التي تتكرر مثل شارع (مارليبون) وهي شوارع مزدهرة تتكدس في بعضها الأبراج، وفي بعضها العمائر السكنية، أو محلات الملابس، والبوتيك. بيد أن الرواية تتمدد لتشمل أيرلندا، وباريس، والهند، والصين، وتشمل روسيا لأن بعض الشخصيات من أصول روسية (رومان) مثلا، وتشمل أوروبا الشرقية، والمغرب، والأردن، فأحد الشخصيات (آدم) يتواصل مع مليك من مستشفى الخالدي في عمَّان، إما عن طريق البريد الإلكتروني، أو السكايب. وهذه الشبكة من العلاقات المكانية تضفي بلا ريب على الرواية طابع التنوع، والاختلاف، فإذا نظرنا إليها من زاوية النقد الثقافي لوحظ أنها تعبّر عن ثقافات عدة، وتقاليد، وعادات، فيها من الاختلاف، والتباين، أكثر مما فيها من التماثل والتجانس، مما يرتقي بمحتوى الرواية المعرفي، وإن كان هذا لا يعد ضرورةً في مثل هذا الفن الأدبي.

الشخوص
ومن المرتكزات التي تقاس بها جودة الرواية أن يتقن الكاتب تقديم شخصياتٍ تؤدي الأدوار، وتقوم بما يقوم به الممثلون عادة في العمل المسرحي. وكلما وفق الكاتب في تصويره للشخوص ازداد حظ روايته من الجودة، والإتقان الفني، الذي يتحراه النقاد، والمتخصصون بدراسة هذا النوع من الأدب. فكم من كاتب اشتهر بعبقريته الروائية بسبب براعته في اختراع الشخصيات اختراعا تبدو فيه كما لو أنها شخصياتٌ حقيقية نلتقيها في حياتنا اليومية. وقد حشد الكاتب – ها هنا – عددا غير قليل من الشخصيات. ففضلاً عن الشخصية الرئيسة، مليك حتات، الذي يؤدي دورين هما: دور الكاتب الضمني، ودور البطل الذي يجتذبنا بما يقوم به من أفعال، وبما يتعرض له من تقلباتٍ وأحوال، وما يعانيه من اضطرابات نفسية وأهوال، ففضلا عنه يقف بنا المؤلف إزاء شخصيات منها سيلينا التي تنتمي إلى أحد الأحياء الإنجليزية الغنية. وهي الشخصية ذات النفوذ في الشركة المذكورة التي يتناوب على إدارتها أشخاص منهم فرانك ورومان. ومن هذه الشخصيات داني الذي يتميز بالرجل العابث في علاقاته العاطفية على الرغم من ميل ليلى نحوه. وهاري مدير القسم الذي يعمل فيه مليك، ويشكو الجميع من غروره. وماريا جارة الراوي. وكمال أحد العاملين في الشركة، وسارة العجوز البخيلة التي ورثت شققا في عمارة متعددة الطوابق، ومزرعة، ولديها العامل (صموئيل) وتقيم علاقة مع ابنه جوزيف الذي يحاول ابتزازها، والحصول منها على رأس مال لينشئ به محلا لبيع الملابس. وهاجر التي تنحدر من أصول كردية، ومن الشخصيات التي تقوم بدور الشرير إذا ساغ التعبير المحامي إدوارد، والمحقق ل. جون، والطبيب جان فالجان. إلى جانب هؤلاء ثمة أشخاص آخرون كجبرائيل روميرو الأرجنتيني، وألكسندرا التي تعمل مع رومان، وتسهم مع مليك، وياسمين، في الصفقة المشبوهة. والمختلس الكبير لويس. دي. دي. المدير المالي السابق لشركة الغاز الروسية الكبيرة.
وقد يطول بنا الأمر، ويصعب علينا إذا حاولنا استقصاء الشخصيات في الرواية، فهي من الكثرة بحيث يشق على القارئ العادي أن يتذكرها جميعًا، وأن يتذكر ما نيط بها، وأسند إليها من أدوار، وما وضعَها فيه الكاتب من مواقف. وهذا يسوقنا للتذكير بالمبدأ الذي تقوم عليه الرواية، وهو ضرورة أنْ يكون عدد الشخصيات مما يمكن تذكره عبر تسلسل الحوادث، وتعاقب المجريات. فالإكثار من الشخوص يوقع القارئ العادي الذي يبحث عن التشويق، والمتعة، في ارتباك، ويحول بين الكاتب المبدع والتأني في رسم الملامح باتباع الطريقة الدرامية، وهي الطريقة التي ترسّخ حضورها، وترسخ عُلوقها في الذاكرة.
واللافتُ للنظر أنَّ شخصية (مليك) هي الأوفرُ حظا من عناية المؤلف، واهتمامه، فعلاوة على أنه يحتل موقعًا بارزا في المنظور السردي، وهو موقع الراوي المشارك، الذي يروي الحدَث عن كثب، وفي اللحظة التي تكتبُ فيها الأوراق، يؤدي دورا يهيمنُ، ويطغى على على بقية الشخصيات. فحيثما ذكرت سيلينا، أو رومان، أو داني، أو آدم، أو ياسمين، أو ليلى، أو حتى صموئيل، أو جوزيف، أو سارة، أو هيفا، أو ماريا، أو ألماس، فإن لمليك علاقة بالمذكور، أو بما يقوم به من أفعال، وبما يصدر عنه من أقوال. زيادة على ذلك تسهم المشاهد التي تتقمّص فيها روحه شخصياتٍ أخرى، مع ما يتصل بذلك من محكي غرائبي، أو عجائبي، بوضع هذه الشخصية في بؤرة اهتمام القارئ، وقد جاءت نهاية الرواية لتؤكد هذا التبئير.

إيقاع الرواية
قد يعاني القارئ العادي من شُعور بالتراخي، والإبطاء، في إيقاع المتواليات المحكيّة، بسبب كثرة الحوادث المطردة، والتذكير ببعضها من وقت لآخر، ومتابعة التفاصيل التي تتعلق بالصفقة المشبوهة الفاشلة، أو سرقة الأدلة التي لم تنجح، أو الدسائس التي تحاك في الشركة، وهذا الشعور ببطء تدفق الحوادث لا يتناسب مع الرواية اليوم، وإن كان كبار الروائيين في الماضي كانوا يؤثرون هذا على الإيقاع السريع، لما في السرد البطيء من دواع تلبي رغبة القارئ في تمضية الوقت، وتزجية الفراغ بالقراءة الممتعة، تأثرا بما في الرواية من تشويق. غير أن القراء في عصرنا هذا يميلون للإيقاع السريع، والسرد المكثف. وهو إيقاع يتطلبُ حذف الكثير من التفاصيل، واختصار بعضها، والانتقال من موقفٍ لآخر انتقالا سريعًا من غير إسْهاب، بيد أن الكاتب معتصم صبيح على الرغم من اعتماده تقنياتٍ حديثةً في سرده، ومنها الاسترجاع، والتذكر، إلا أنه في غير عجلة من أمره، وتوافر المجريات يؤدي مع التراخي لخلق مثل هذا الانطباع عن الإيقاع البطيء في روايته، ولا ننكر في الوقت نفسه أنَّ من القراء من يجدون متعة في قراءة الروايات ذات الإيقاع البطيء.

الحوار
وقد سعي المؤلفُ لتبديد هذا الشعور بغزارة الحوار، وتوافره، فهو – أيْ الحوار – يمثل انزياحًا عن السرد النمطي التقليدي. وفي رواية صبيح يتضمن الحوار مستويات متعددة من التفكير، والتصرف. فشخصياته في حواراتها غير متجانسة مثلما هي في الواقع، ووفقا لما تنهض به من أدوار تمثيلية على مسرح الحكاية إذا صحَّ التعبير. فنحن نجد الفرق كبيرًا بين الحوار الذي أجراه المؤلف على لسان جوزيف مثلا ، والحوار الذي أجراه بلسان سارة، والحوار الذي أجراه على لسان داني، أو آدم، مختلف عن ذلك الذي أجراه على لسان ياسمين، أو سيلينا. والحوار الذي نقرؤه بين مليك من جهة، وإدوارد أو ل. جون من جهة أخرى، مختلف جدًا عن الحوار بينه وبين الطبيب جان فالجان. وهذا الاختلافُ، والتباين، يؤكدان أنَّ الكاتب لا يغيب عنه مبدأ تعدد الأصوات، وتنوع اللهجات، واختلاف الألسن، وتشهد على ذلك تلك العبارات التي أجراها على ألسنة الشخوص بلغاتٍ أخرى كالإنجليزية مثلا، فموضوع اللياقة في لغة الرواية شيءٌ لا يغرب عن بال المؤلف، بل نجده ـ على العكس من ذلك – يؤكد أنَّ اختلاف الشخوص يؤدي حتمًا لاختلاف الألسن.
وقد يتوقف القارئ إزاء ما يرويه الكاتبُ بلسان مليك في لحظات الهلوسة والتقمص. أو في إجاباته المتواترة عن أسئلة الطبيب فالجان. أو في حواره المتقطع المتوتر غالبا مع آدم حول حقيقة ما يعانيه من انفصام، وتشتت ذهني، وانشطار روحي. ففي هذه الحوارات تتباينُ لغة الكتابة عن لغة التلفظ، وذلك شيء طبيعي، لأن الكاتب مضطرٌ ـ في مثل هذه المشاهد ـ لتقمص شخصيات عدة، ووصف أحوال غير طبيعية من الصعب التعبير عنها بالكلمات المعتادة.
ومع هذا كله، لا تخلو الرواية من مشاهد وصفية، وأخرى تحليلية، لا سيما عند ظهور الشخصية للمرة الأولى. فهو يقدم لنا هاري ص 146 تقديما تقريريًا بلغة يسودها المنطق. وذلك ينسحب على وصفه لشخصيات أخرى، مثل شخصية كمال فهو مثالي يعاني الوحدة (143) أو شخصية رومان فهو يوشك أن يكون أسطورة يهابه الجميع (141) أو شخصية جوزيف ذي الجسم البرونزي المغري الذي تهيمُ به العجوز سارة (125) ومن بين الملاحظات التي لا يفوتنا ذكرُها ما يظهر على نشر هذه الرواية من إهمال، ومن أمارت هذا الإهمال أنَّ الناشر ـ للأسف – لم يعهد لمن يقوم عادة بتدقيق التجارب المطبعية الأولى للنص، وأغلب الظن أن الرواية نُشرتْ مباشرة من غير تدقيق طباعي، وتنقيح لغوي، ومن هنا ظهرتْ فيها أخطاء كثيرة يقع فيها اللوم على الطابع فيما نظن. وهي أخطاء تتكررُ في الكثير من الروايات المنشورة، مما يبعث على الاعتقاد بأن بعض الناشرين يحسبون الرواية أدبًا شعبيًا يقرؤه عامة الناس، ولا ضرورة فيه للسلامة، والتصحيح اللغوي، وهذا، في رأينا ضربٌ باطلٌ من الظن، ويسيء إلى الرواية من حيث يريد الإحسان.

د. إبراهيم خليل
ناقد وأكاديمي من الأردن

إلى الأعلى