السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / القاصة كاملة بدارنة لـ”أشرعة”: الموضوع الفلسطيني بوّابة إبداع أدبيّ حقيقي

القاصة كاملة بدارنة لـ”أشرعة”: الموضوع الفلسطيني بوّابة إبداع أدبيّ حقيقي

الثقافة حالة تفاعليّة لا تتأثر بالمكانيّة ولا الزّمانيّة بقدر تأثرها بالمنهجيّة والرؤى الذّاتيّة

دمشق ـ وحيد تاجا:
استغربت الاديبة والقاصة الفلسطينية كاملة بدرانة الحديث عن إمكانية التغاضي بشكل ما عن جمالية النص الأدبي عند تناول الموضوع الفلسطيني، وتساءلت في لقاء مع “أشرعة” من أين تأتي فرضيّة أن يؤدّي بروز الموضوع الفلسطيني بتعقيداته في القصّة إلى تغيير جماليّاته؟! مؤكدة ان الموضوع الفلسطيني بوّابة إبداع أدبيّ حقيقي لما فيه من عمق حسيّ وانفعالي واحتوائه لجميع المتناقضات: صمود ويأس، هجرة ولجوء ومرابطة، خيانة وولاء، نضال وتقاعس. وحول الاختلاف بين ادباء الداخل الفلسطيني وبين ادباء الشتات، اعتبرت ان المثقف لم يعد معزولا في مهجره بل معايشا لكلّ الأحداث في الوطن وفي مختلف البلدان في ظل إعلام قوي ومتعدد كقنوات فضائية وشبكات إلكترونية، وبهذا كلّه تصبح الثّقافة عموما، والأدب خصوصا كواجهة لها امتداد أو حالة تفاعليّة لا تتأثر بشكل ملموس بالمكانيّة ولا بالزّمانيّة بقدر تأثرها بالمنهجيّة والرؤى الذّاتيّة.”
والأديبة كاملة بدرانة من مواليد قرية عرّابة البطّوف في الجليل. تعمل مدرّسة لغة عربيّة ومعالجة بالطّاقة الحيويّة. إصداراتها: “طار الطّير .. دراستان في الحكايات الشّعبيّة الفلسطينيّة”، “زخّات المطر .. مجموعة قصص قصيرة، وقصص قصيرة جدّا”، “ذات خريف .. قصص قصيرة، وقصص قصيرة جدّا”، “سباحة بين الحروف .. خواطر وجذوات”، “قراءات نقديّة أدبيّة منشورة في مواقع إلكترونيّة .. (قراءة وتحليل لرواية (عدّاء الطّائرة الورقيّة) لخالد الحسيني، مسرحيّة (الملك هو الملك) لسعد الله ونّوس، قصيدة (لو تموت الذّكريات)، وقصيدة (قال لي حلم المساء) لرفعت زيتون، قصّة (بمعروف) وقصّة (قرش بقرش) لسمير العمري، القصّة الشّاعرة (على ثراها) وخاطرة (أضمر لدمي قبرا) لربيحة الرّفاعي، قصيدة فتنة الماء لتوليب محمّد).
ولها تحت الطّبع: “المرأة الفلسطينيّة والتّراث الغنائي الشّعبي .. دراسة في الأغنيّة الشّعبيّة، وتوثيق لأغاني العرس الشّعبي الفلسطيني”، “دراسة في الأزياء الشّعبية في منطقة الجليل”.
فإلى تفاصيل لقائها ..
* هل يمكن الإطلالة على البدايات، وبمن تأثرت من الأدباء، ومن هم مصدر الإلهام حالياً ؟
** البدايات كانت هواية لكتابة مواضيع الإنشاء في مرحلتي الدّراسة الإعداديّة والثّانويّة. ولكن لم أفكّر حينها في النّشر أو ما شابَه، حتّى إنّني كنت أكتب وأمزّق. وهناك الكثير من النّصوص التي كتبتها أتمنّى اليوم أن أقرأها لتذكيري بتفكير الصّبا المبكّر.
على صعيد النّشر، كانت البداية في عام ألفين، حيث نشرت الكتاب الأوّل الذي تضمّن دراستين عن الحكايات الشّعبيّة، وبعدها انصبّت اهتماماتي في الأدب الشّعبيّ، وقراءة العديد من الكتب التّوثيقيّة لهذا الأدب، والدّراسات النّقديّة والتّحليليّة.
وفيما يخصّ الكتابة الأدبيّة ونشر القصص، فقد كان ذلك صدفة. إذ درست موضوع العلاج بالطّاقة أو ما يسمّى علاج EMF المكوّن من أربع مراحل، وعلاج المرحلة الثّانية – حسب نظريّة هذا العلم ـ يكشف القدرات الإبداعيّة الكامنة في الفرد. وهذا ما حصل لي، حيث وجدتُني أكتب وأنشر في منتدى رابطة الواحة الثّقافي الذي يضمّ نخبة مميّزة من الأدباء والشّعراء الذين أثنوا على حرفي ومنهم رئيس الرّابطة الدّكتور سمير العمري، وكذلك المديرة التّنفيذيّة الشّاعرة ربيحة الرّفاعي، وكانت المراهنة على حرفي ما شجّعني على النّشر مستقبلا على الورق.
لا أستطيع تحديد أسماء الأدباء الذين تأثّرت بهم؛ لأنّي أملك مخزونا قرائيّا في ذاكرتي لا بأس به لعدّة كتّاب، وربّما كان لهم حضور في الكتابة ولا أدركه.
ومصدر الإلهام الحالي هو الواقع الذي يفرض وجوده على الصّفحات، والفكر الذي يجهّز ويطبخ الفكرة قبل وضعها على مائدة النّشر.
* إصدارك الأول كان (طار الطّير .. دراستان في الحكايات الشّعبيّة) وفي جعبتك، كما علمت، دراسة عن الأغاني الشعبية وأخرى عن الأزياء الشعبية. والسؤال ما الجديد الذي يمكن إضافته في هذا المضمار، خاصّة وان هناك دراسات عديدة تناولت هذه المواضيع بإسهاب؟
** رغم إغراق رفوف المكتبات بالكتب والدّراسات التّراثيّة، لا بدّ وأن يكون في الإصدارات الجديدة إضافة ما. فكتاب طار الطّير الدّراسة الأولى بيّنت صور المرأة التي كانت الرّاوي الأكثر حضورا في اللّيالي عارضة لنا عالمها الدّاخلي والخارجي معرّجة على الواقع الاجتماعي سواء أكان ذلك باستخدام الرّمز والعناصر الخرافيّة، أو بالسّرد والحكي المباشر. لذلك جسّدت الحكايات الشّعبيّة نماذج مختلفة للمرأة الفلسطينيّة عارضة من خلالها كلّ شرائح المجتمع.
وفي القسم الثّاني دراسة عن التّناص في الأدب الشّعبي وهو المصطلح الحديث الذي أوجدته الباحثة والنّاقدة (كريستيفا)، وظهرت من بعدها تعريفات كثيرة لناقدين عرب من بينهم (محمّد مفتاح) الذي عرّفه بـ”استراتيجيّات قرائيّة وتأويليّة، ومهما اختلفت آليّاتها الاستدلاليّة، الاستقرائيّة والاستنباطيّة فإنّها تشترك جميعها في اتّخاذ المعلوم لمعرفة المجهول، وكلّ نصّ إبداعي مزيج من تراكمات سابقة خضعت للانتقاء ثمّ التّأليف”. وهذا يعني أنّ النّصوص تتمازج متولّدة في نصّ جديد ذي ميزات خاصّة به. ولهذه الظّاهرة حضور كبير في الأدب الشّعبي، ولم تقتصر على الإبداع الفردي. فجاءت الدّراسة مضيفة ما هو جديد.
الأغاني الشّعبيّة مجموعة وموثّقة بالآلاف لكن الجديد فيما سيصدر هو التّطوّر الذي شهدته الأغنيّة وعدم تقوقعها في الواقع التّراثيّ الذي أوجدها وحفظها متداولة على الألسن عقودا كثيرة. ففي القسم الأوّل دراسة عن تطوير المرأة للأغنية بما يتلاءم والواقع الجديد، وأحيانا التّمرّد على ما لم يعجبها. لقد عبّرت عن رأيها في التّحدّي والتّمرّد من خلال أغنيتها في العرس.
والقسم الثّاني توثيق للأغاني بحسب مراسم العرس والزّمن الذي قيلت في الأغنية.
وجاء التّصنيف ليشعر القارئ أنّه في عرس شعبي في كلّ مراحله مع الأغاني الخاصّة بكل طقس من طقوس العرس.
أمّا جديد كتاب الأزياء فهو الدّراسة التّراثيّة الأولى المتخصّصة بالأزياء النّسائيّة من أغطية رأس، وأساسها منديل الأوية المتعدّدة الأشكال، والفساتين في منطقة الجليل أو الشّمال قبل عام 48 وما بعده. معظم الدّراسات كانت بتوسّع حول الثّوب الفلسطيني في الضّفة وغزّة والنّقب والجليل حظي بالقليل.
* اللافت أن معظم كتاب القصة القصيرة في فلسطين هن من النساء، ويرى البعض ان سبب هذا الأمر هو قدرة المرأة على التأمل في ظل الاحتلال أكثر من الرجل، او قد يكون الرجل مشغولا بالقضايا السياسية والحياتية أكثر من المرأة؟
** من قال إنّ المرأة غائبة عن القضايا السّياسيّة والحياتيّة، أو أنها تجد فرصة لا يجدها الرّجل للتّأمل ؟. جعلتني صيغة السؤال أتصور أنّ كتابة القصّة نوع من التّرف الفكريّ أو حتّى الحياتيّ، مع أنّها في الحقيقة انعكاس يتوخّى فيه الصّدق لمعايشة صادقة لقضايا المحيط وشؤونه. ولا أدري إن كان في الواقع عدد كتّاب القصّة الكثيرة من النّساء أكثر من الرّجال.
* رأى بعض النقاد ان القارئ لمجموعتك (ذات خريف) لا بدّ وأن يشعر أنّ الإنسان لا يزال في امتحان مادام حيّا ، كلّ القصص تبرز فيها فكرة الامتحان: امتحان الحياة، امتحان الضّمير، الرّأي، العلاقة، الصّداقة، السّلوك، الإيمان وكأنك تضعين شخوص قصصك أمام امتحانات متعدّدة كلاّ في موقعه. ما رأيك بهذه القراءة؟
** أليس امتحان الضّمير قائما ما لم ندخله في غيبوبة موت الإنسانية في داخلنا؟ أليست كلّ علاقاتنا خاضعة لاحتمال فشلنا فيها أو نجاحنا كأيّ امتحان؟ وهل نملك الإنكار بأن جميع ممارساتنا خاضعة لتقييم الآخر بما تنضوي معه في إطار الامتحان؟!
أمّا بالنّسبة لهذه القراءة فهي لشاعر وكاتب أحترمه واحترمها. هي وجهة نظره التي نظر من خلالها إلى القصص من منظار الفحص والامتحان كون قصّة بعنوان (امتحان) تصدّرت المجموعة القصصيّة. قد يرى النّاقد غير ما يراه الكاتب عند وضعه لنصوصه، وقد لا تطرأ مضامين القراءات النّقديّة على باله أبدا. ولكن طالما خرجت من يده أصبحت ملكا للقارئ الذي يستطيع تناولها وقراءتها ومدعما رأيه بما ورد في النّصوص نفسها.
* وما هي الأسئلة التي تطرحها كاملة بدارنه في قصصها. أو تريد منها الإجابة عليها؟
** الكتابة انعكاس يتوخّى فيه الصّدق لمعايشة صادقة لقضايا المحيط وشؤونه، وربّما القضايا الفكريّة التي هي بالنّتيجة حصاد مشاهدات من الواقع.
* تتميز قصصك بتنوع الأساليب بين السرد والحوار الخارجي والداخلي”والفلاش باك” ما الذي يحدد هذا الأسلوب أو ذاك؟
** فنّيّات االكتابة يفرضها الحدث بطبيعته ومعطياته الزّمَكانيّة واتّجاه امتداده، وهذا أمر تقرره طبيعة الحدث وتوقيته في القصّة.
* يلاحظ الاعتناء الكبير بموضوع اللّغة في قصصك، إلّا أنّها في كثير من القصص جاءت متكلفة بشكل واضح، وبخاصة عند استخدام السجع، ما قولك؟
** الاعتناء باللّغة في النّص الأدبيّ ليس ممّا يعيبه. فاللّغة هي الوعاء الذي نقدّم به أفكارنا، واختيار الوعاء الأجمل يخدم الفكرة ويرتقي بالمتلقّي وينمّي ملكاته ولغته، وهذا جزء من مهمة الأدب لا أظنها موضوع خلاف.
والسّجع في كتاباتي ليس متكلّفا، السّجع المتكلّف يفقد النّصوص قيمتها، ويجعلها ركيكة المضامين، ولا أحسب وجوده في كتابتي ممّا يؤثّر سلبا فهو يأتي دون دعوة، ولا يقلّل من قيمة الفكرة. واعتنائي باللّغة إضافة لكونها الوعاء الأجمل للفكرة، والأنفع للمتلقي، نابع من أهميّتها وإعطائها حقّها للحفاظ عليها والإعلاء من شأنها في زمن تخترقها كلمات من لغات أخرى، وتؤثّر على مفرداتها.
* رأى أحد النقاد في العديد من قصصك وصفا بطيئا لا تحتمله القصة القصيرة، كما وجد راويا كليّ العلم لم يترك شخصياته تنمو لتقدم نفسها؟
** سمعت هذا القول مرة من أحدهم، ولن أخفيك أنه في حين أثار استغرابي، أستهجنه كذلك كثيرون ممن اطّلعوا عليه، ولن ندخل في تفصيل هذه النّقطة إلا أن يكون ذلك بطرح نماذج تشهد بهذا من قصصي، فما أعرفه من خلال التّغذية الراجعة بعد صدور ما نشر من مؤلفاتي يقول شيئا مغايرا. وللقارئ أن يقرأ ويحكم.
* محاولتك الغوص في الأبعاد النفسية والإنسانية لشخوصك أوقع العديد من القراء في حيرة، ففي قصة “عصي الدمع” مثلا قدمت بشكل لافت صورة واضحة للاعتقال التعسفي والظلم والتنكيل بالمعتقلين وظروف الاعتقال الصعبة، لكن السؤال لماذا تركت البطل يبكي في نهاية القصة بعد كل ما وصفته من صموده وتحديه لجلاديه؟
** لنتفق أوّلا على أننا بشر نحبّ ونكره ونأمل ونعشق، قصّة (عصيّ الدّمع) مثلما ذكرت قصّة معتقل لم تستطع كلّ أساليب التّعذيب والإهانة كسر جبروته، إلّا أنّ أغنية أم كلثوم أبكته. لا أدري لمّ اعتبر بكاؤه هنا كسرا له؟!
السّجين إنسان ذو مشاعر، وقد يبكي عندما يكون في زنزانته، ويتألّم لوجعه، ويحن لأهله وأحبابه وتدمع عينه، وأمام جلّاده هو المناضل الصّامد. فما الغرابة في هذا؟ وهو أيضا إنسان يعشق وتدمع عينه لبعده عن محبوبته عندما يشعر بشوقه إليها ولا يستطيع رؤيتها، ويظلّ مناضلا ولا تعتبر دموعه كسرا لجبروته وصموده.
* في ذات الإطار في قصّة “بالروح بالدم ..” لماذا تقصدتي ان يكون الشهيد هو نفس الشاب الذي سبق وتحرش بالفتاة وأساء اليها او “اغتصبها” الى الحد ان تقول يوم جنازته: “هذا هو اليوم الذي انتظرته طويلا، لقد تحققت عدالة السماء”؟
** لن أقف هنا عند تحليل المفردة التي اخترتها “اغتصبها” بتباين معناها الحقيقي ودلالتها المرتبطة بالاغتصاب الجسدي الفعلي، لكني سأجيبك أوّلا بسؤال: هل تعتقد أنّ كلّ المناضلين أنبياء بلا أخطاء، وهل تتصور أن نداء الوطن لا يلبيه إلا الرّبانيون ؟
قصّة (بالرّوح بالدّم…) عرضت قضايا كثيرة وقد أسيء فهمها باعتبار أنّي جعلت الشّهيد (مغتصبا) سابقا. عندما تحرّش الفتى بالطّفلة (وليس الشّاب البالغ وهذه نقطة مهمّة لدحض فكرة الاغتصاب الجنسي)، ردّ فعلها أشعره بالتّأنيب وتركها بعد أن سقطت أرضا. ولكن كون الطّفلة لم تصارح أحدا بقصّتها وبسبب اتّساخ ملابسها حتّى والدتها أبقاها رهينة فكرة التّعدّي عليها، وأنّها اغتصبت نفسيّا وظل ذلك في لاوعيها مسبّبا عقدة نفسيّة، ممّا جعلها تظنّ يوم استشهاده أنّ موته بعد سنوات هو استجابة لدعائها يومها بأن يموت! وغابت طيلة المسيرة الجنائزيّة عن السّاحة لتستعيد حادثتها الطّفوليّة، وفجأة تصحو مردّدة الهتاف الذي يهتف به المتظاهرون والمشيّعون. وإن اعتبر الفتى آثما، فإنّ تلبية نداء الوطن لا تقتصر على من نراهم أخلاقيين وربّانيين، الكلّ أبناؤه وللشّهداء درجات.
* يلاحظ في الكثير من قصصك الاقتباس من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؟
** أوحى لي السّؤال أنّ التّناص مع القرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف هو ممّا يؤخذ على نصوصي، بينما أراه من مزاياها وما أفخر به فيها، سيّما وأنّه سواء كان تناصّا لفظيّا أو فكريّا ، يأتي دائما منسابا ضمن بناء النّص لا إقحام فيه ولا جفوة.
في هذا تعميم، لغتي متأثّرة بلغة القرآن الكريم لأنّها اللّغة الأقوى والأفصح، ويظهر التّناص مع آيات وقصص من القرآن أكثر من الاقتباسات.
* يحضرني سؤال في هذه النقطة حول رؤيتك لمفهوم الأدب الإسلامي، هل أنت مع هذا المصطلح، وكيف ترين ما يندرج تحت هذا العنوان؟
** الأدب الإسلامي بمفهومي هو كلّ أدب تتجلّى فيه أو يدعو إلى القيم الأخلاقيّة والفضائل، وإن كان الكاتب ممّن لا يعتنقون الدّين الإسلامي. وما يندرج تحت هذا العنوان لن يكون إلّا أدبا زانه الخلق القويم والمشاعر الصّادقة والمحبّة والإخاء والتّسامح وما إلى ذلك، وكذلك اللّغة التي تعتبر حجر الأساس للإبداع.
* يرى البعض انك في القصة القصيرة جدا ( ق . ق . ج) ، اكثر تميزا وبراعة منك في القصة القصيرة، ما رأيك، وهل تعتبرين هذا مديحا ام نقدا؟
** فعلا، اعتبر بعض الكتّاب أنّ كتابتي في القصّة القصيرة جدّا موفّقة جدّا، في الوقت الذي كثرت فيه كتابة هذا اللّون، وقد يكون ما كتب غير مستوف لعناصر وشروط اللّون المعتبر حديثا. وأرى نفسي موفّقة في كتابة القصّة القصيرة جدّا، وأعتبر ما قيل مدحا وأعتزّ به، لكن هو مدح على حساب كتابة القصّة القصيرة التي أعتزّ بكتابتها. وأراه في هذا الجانب نقدا ظلم كتابة القصّة القصيرة.
* بالتّالي ماهي مقومات ( ق . ق . ج) ، وما هي السّمات التي يجب أن تحملها كي توصل ما تريد ؟
** يقول الأستاذ محمد علي سعيد (كاتب فلسطينيّ) في مقالة حول تعريفه للقصّة القصيرة جدّا:
القصّة القصيرة جدّا – مقارنة بالقصّة القصيرة – هي الأكثر تركيزا وإيجازا واختزالا وكثافة والأقصر زمنا والأسرع نموّا والمُكتفية بشخصية مركزية واحدة وحدث في ذروة ونهاية نموه ومكان محدد أو غير محدد بالمرة، وبداية مباشرة تقريبا بدون تمهيد وسرعة مندفعة الحدث نحو الذروة ، لأن الاهتمام هو بنهاية القصة وهذا من أسباب الإيجاز والاقتصار أيضا.
إن نص القصة القصيرة جدا يجب أن يقدم قصة يكون الحدث فيها في ذروته نبضا وتوهجا دون تفاصيل وإلا فهو لا ينتسب لهذا الجنس الأدبي.
وفي تعريف لكاتب آخر: “القصة القصيرة جدا جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب، والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتّصوير البلاغيّ الذي يتجاوز السّرد المباشر إلى ماهو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي” .
هذه التّعريفات تظهر السّمات والمقوّمات باختصار، “فلأنها قصة، يجب أن تستند إلى حدث، ولأنها قصيرة جدا، فهي غالبا ما تقوم على حدث واحد، هو حدثها المركزيّ، كما أنها يجب أن تستند إلى شخصيات، وغالبا ما لا يكون فيها أكثر من شخصية مركزية واحدة أيضا.
وخلوّ القصة القصيرة جدا من هذين العنصرين يفقدها الانتماء لهذا الجنس، لتصبح خاطرة أو نصا نثريا جميلا.
من ناحية العنصر الأول، فإن حدث القصة القصيرة جدا لا بدّ من أن يكون مكتملا. هو عادة ما يشير ولا يصرّح، ويترك للقارئ أن يستكمل ما هو ناقص. وهو حدث متنام كثيف، ينطلق من فكرة عميقة، ويحمل أبرز السمات الدرامية، التي تمنحه الحركة والتوتر والفعل. وتجعله ينمو بسرعة كبيرة، وفي اتجاه واحد غير متشعّب، ضمن حبكة مركزية نحو النهاية”.
* القصة القصيرة جدا تختصر المكان والسرد الى ابعد الحدود، فلماذا لجأت إليها للتعبير عن الحالات الإنسانية وقضية كبرى (فلسطين) وكيف استطعت تطويعها للوصول الى ما تريدين من وصف للمكان والزمان والسرد؟
** يقولون: “خير الكلام ما قلّ ودلّ” وإن كان ذلك في الكتابة الأدبيّة. يستطيع الكاتب اختزال صفحات تتحدّث عن سنين وعقود بأقلّ عدد ممكن من الكلمات إن أراد التّكثيف والإيجاز. أورِد مثالا على القضيّة الكبرى التي اختزلت في نصّ رمزيّ مصغّر، قصّة بعنوان: عشق
هُجّر قلبه من صدر الحبيب فأصيب بنكبة، وراح يبحث عن خفق عشق جديد…
مكث مدّة يتنقّل من مخيّم حبّ لآخر، فأحسّ بالإرهاق، وأيقن أنّه لم يعد يطيق الإقامة لاجئا في صدور الآخرين، بل البقاء مواطنا في صدر أوّل المحبوبين…
تتحدّث عن التّهجير واللّجوء وحقّ العودة بعدد قليل من الكلمات. وقد تفهم كقصّة غراميّة لمن أراد ذلك!
ومثال آخر على اختزال قضيّة وحالة أكثر شموليّة (استعماريّة): شجاعة ( ق ق ج)
نظر الأسد ظُهرا في أمر مملكته، فوجد بعض فجوات لطموحاته.
ساح نظره وفكره في فضاء الممالك المحيطة ، وابتسم بخبث ودهاء .
أرّقه ليلا ما تداوله في أمور قديمة، وتخطيط لمشاريع جديدة.
في أحد الأصباح استفاق على صوت ضجيج يعمّ ديار جيرانه، فهزّ بلبدته منتشيا وهامسا لأشباله: سوف ننتظر حلول المساء؛ استعدادا لسدّ الثّغرات في مملكتنا، وتحقيق ما نصبو إليه.
ردّ أحد أشباله: لمَ لا نذهب الآن لديار أولئك الضّعفاء ونسكتهم ؟ ألسنا الملوك؟
فتضاحك الأسد مخاطبا أشباله: روّضوا هذا الصّغير المتهوّر!.
هذه هي المهارة التي يتميز بها كاتب عن آخر، ما بين من يجيد امتطاءها فرسا مطواعا ومن يصعب عليه ذلك.
* وكيف ترين مستقبل هذه القصة القصيرة جدا في عالمنا العربي ؟
** هي لون أدبيّ كأيّ لون آخر، وهناك الكثير من الكتّاب الذين كتبوا وأبدعوا فيه. ولكن هناك من لا يعترف بها، كونها قليلة السّرد ولا تشبع نهم القارئ الذي يحبّ أن يتمتّع باللّغة ومفرداتها، وما تحويه من أفكار تمسك به وقتا أكثر من بضعة دقائق. ورؤيتي أنّها ستحظى بالاهتمام مستقبلا كونها تلائم عصر السّرعة في كلّ شيء، حتّى في القراءة.
* إلى أي مدى يسمح للموضوع الفلسطيني ان يطغى على فنية القصة وشكلها، خاصة وان البعض يتهم النص الفلسطيني بأنه مباشر وانفعالي؟
** من أين تأتي فرضيّة أن يؤدّي بروز الموضوع الفلسطيني بتعقيداته في القصّة إلى تغيير جماليّاته ؟ مع أنّه بوّابة إبداع أدبيّ حقيقي لما فيه من عمق حسيّ وانفعالي واحتوائه لجميع المتناقضات: صمود ويأس، هجرة ولجوء ومرابطة، خيانة وولاء، نضال وتقاعس….
هناك الكثير من الكتّاب والقصص التي كتبت بأسلوب رمزيّ وبعيدا عن المباشرة، وعكست القضيّة بجوانبها الكثيرة. تبقى للكاتب حريّة الاختيار وحسب مقاييسه.
* القصة كجنس أدبي لها إشكاليتها الخاصة دائماً من حيث اهتمامها الأساسي بأحداث وأبطال لهم أفكارهم ومعتقداتهم، وللكاتب أيضاً أفكاره ومعتقداته. والسؤال إلى أي مدى يمكن للكاتب أن يكون محايداً في تسيير أحداث الأبطال، وكيف يمكن للكاتب في هذه الحالة أن يعبر عن نفسه؟
** إذا نظرنا للأدب بالنّظرة السّطحية وهي الكتابة لمجرد الكتابة فنستطيع مناقشة فكرة اهتمام الكاتب وقضاياه وفكره في نصّه باعتبار أنّه نص ذاتي. ولكن إن كانت له رسالة يريد من خلالها إحداث تغيير في وعي المتلقي فإنّ بروز فكره وقناعاته في النّصّ من خلال الأحداث أمر حتمي، ففي اللص والكلاب مثلا لنجيب محفوظ ، من ينكر أنّ فكر الكاتب لم يكن منصبّا في القضايا الموجودة في السّاحة وتعرية التيارات الفكرية؟. ويمكن للكاتب أن يعبّر عن نفسه من خلال الأبطال أو الرّاوي، الذين يحمّلهم ما يريد إيصاله بطريقة ذكيّة دون أن يشعر القارئ بعمليّة إقحامه لذاته أو لآرائه.
* أين مكمن الاختلاف برأيك بين كتاب القصة والرواية في داخل الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع .. وأراضي الـ 48 ) وبين كتاب الشتات ؟
** هذا أمر يطول شرحه ويحتاج لأبحاث مطوّلة لا مجال لها في هذه العجالة، إنما أقتبس لك من مقالة للشّاعر والأديب الدّكتور سمير العمري يقول فيها: “لم يعد المثقف معزولا في مهجره بل معايشا لكلّ الأحداث في الوطن وفي مختلف البلدان في ظل إعلام قوي ومتعدد كقنوات فضائية وشبكات إلكترونية، وحديثا وسائل التّواصل الاجتماعي عبر الشبكات والهاتف. وبهذا كلّه تصبح الثّقافة عموما، والأدب خصوصا كواجهة لها امتداد أو حالة تفاعليّة لا تتأثر بشكل ملموس بالمكانيّة ولا بالزّمانيّة بقدر تأثرها بالمنهجيّة والرؤى الذّاتيّة.”

إلى الأعلى