الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان (1-2)

القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان (1-2)

استحياء الحضور وغياب النقد

شهدت الساحة الأدبية في سلطنة عمان نقلة نوعية في فترة زمنية قياسية، وهذه النقلة وإن كانت حديثة إلا أنها لامست معظم جوانب الثقافة والأدب، فتواترت الإصدارات الإبداعية للمبدعين العمانيين في مجالات الأدب المختلفة، وبرزت العديد من الأقلام المبدعة في جميع فنون الشعر والنثر فنجد مثلا في مجال القصة العديد من الأسماء التي فرضت وجودها وأثبتت تمكنها وامتلاكها لأدوات الكتابة القصصية في القصة والرواية، كالقاص سالم آل تويه، وعبدالله الطائي، ومحمود الرحبي، وسليمان المعمري، والخطاب المزروعي، وعاصم الشيدي، ومحمد الرحبي، وأحمد بن بلال، وعلى الجانب الآخر نجد أن الأدب النسوي أيضا واكب هذا التطور فلمعت أسماء بعض القاصات العمانيات كهدى حمد، وعزيزة الطائية، وبشرى خلفان، وجوخة الحارثية، وزوينة الكلبانية.

قد يكون من الأسباب التي ساهمت في تطور القصة العمانية وجود حاضنات مؤسسية لهذه المواهب والإبداعات، تمثلت في النادي الثقافي الذي تأسس في سنة 1983م، والمنتدى الأدبي الذي تأسس سنة 1988م، والجمعية العمانية للكتاب والأدباء التي تأسست سنة 2008م، ناهيك عن الصحف والجرائد الرسمية والخاصة والمجلات الأدبية التي تبنت نشرها، وعقد العديد من المؤتمرات والندوات التي سمحت للمثقف والمبدع العماني أن يحتك بغيره من المبدعين من داخل العالم العربي وخارجه، ولا يمكننا هنا أن نقلل من شأن وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة التي أسهمت أيما إسهام في طرح المبدعين لإنتاجهم عبر المدونات والمواقع الشخصية لهم؛ مما يسر لهم التلاقح المباشر والسريع مع المتلقي ومع نظرائهم من المبدعين، وهو ما خلق نوعا من الجرأة والقوة في طرح الفكرة وعرضها وانتظار ردة فعل المتلقي المباشرة، سواء جاءت من المتلقي العادي المتذوق لفن القصة أو من الناقد المتخصص.

والمتابع للقصة العمانية يجد أنها مرت بالعديد من المراحل إلى أن وصلت إلى مرحلتها اليوم، وليس موضوع بحثنا هذه المراحل، إنما ما يهمنا في موضوع القصة العمانية هو القصة القصيرة جدا، باعتبارها ذلك الفن الأدبي السردي الحديث الذي لاقى العديد من الإشكاليات منذ ظهوره في ثلاثينيات القرن الماضي، تمثلت هذه الإشكاليات في كل ما يتصل به، ولا أجدني أستطيع القول إن المشتغلين على القصة القصيرة جدا من أدباء ومثقفين ونقاد ومتذوقين قد اتفقوا جميعاً على مسمى أو تعريف أو تحديد نوع أو حتى تاريخ ظهور محدد لها، وقد يعود هذا الاختلاف إلى الطبيعة البشرية التي جُبِل عليها الإنسان والتي تنقسم إلى مشارب عدة في استقبالها لكل ما هو جديد، فنجد من يقاوم ويقيم الدنيا ولا يقعدها ويجيش الأقلام لمحاربته وبيان مثالبه، ونجد من يتفهمه فيحاول التنقيب والبحث عن جذوره التاريخية ومنابع أصله، في حين نجد مجموعة أخرى تصفق للجديد دون تحديد ماهيته أو تكليف النفس مشقة عناء البحث والتأصيل أو الرد عليه.
وكمسيرة طبيعية لتطور فن القص العماني ظهرت القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان، وبما أنها جنس أدبي مستحدث في الساحة العربية بصفة عامة، والساحة النقدية العربية والعمانية بصفة خاصة، فقد آثرنا البحث المبدئي فيها وتحديد تاريخها وتحقيب وتصنيف منتجها، وإلقاء الضوء على كتابها ونقادها في آن واحد، وإن كان هذا موضوع كبير وشائك لقلة المطبوع والمعروض إلا أن البدء في دق باب نقد القصة القصيرة جدا في السلطنة قد يولد بحوثا أخرى وكشف جديد فيها.

القصة القصيرة جدا .. (المفهوم والتاريخ):
كانت النتيجة الطبيعية والمنطقية لثورة التكنولوجيا الحديثة أن اختلفت ذائقة المتلقي ووقته أيما اختلاف عما كان عليه الأمر من قبل، فوجد الأدباء والكُتاب أنفسهم أمام مرحلة جديدة من الإبداع لابد من مواكبتها للاستمرار في ركب البقاء والحضور، ناهيك عن أن الكاتب لا يكتب لنفسه إنما يكتب ليتلقى الإعجاب من متذوقي الأدب، وكذلك ليتلقى التغذية الراجعة لما خطه ويحوز على رضى نقاده، هذ الواقع الجديد فرض نفسه بقوة على الأجناس الأدبية المعروفة من جانب وعلى الكاتب من جانب آخر، وهذا ما استنفر جهود بعض الكُتاب لأن يلائموا بين ما يكتبون وبين هذه التغيرات، فكما أن الوسط الكتابي انتقل من مرحلة الكتاب الذي يُقرأ ويتصفح إلى فضاء رقمي واسع يتسع لكل المعارف متمثلا في الشبكة العنكبوتية (الانترنت) فإن الأجناس الأدبية المطروحة فيه أيضا لابد أن تتواءم مع ديناميكية هذا الوسط الجديد، فتأتي سريعة رمزية تؤدي الهدف المنشود بصيغة مكثفة مختصرة بلا إطناب أو خلل. نتيجة لذلك ظهر مفهوم القصة القصيرة جدا كمفهوم جديد في الكتابة السردية العربية.
تبع ظهور مفهوم القصة القصيرة جدا اختلاف النقاد والمتلقين في كل ما يمت بصلة لها فاختلفوا على تعريفها و تجنيسها وتأريخها، من جانب تجنيسها وتعريفها يمكننا تحديد أربعة اتجاهات، تجسدت في:

الاتجاه الأول
وهو الاتجاه الذي يمثله كل من رأى أنه فن أدبي جديد يمثل جنساً جديدا في حد ذاته، وهو ينتمي إلى عالم الأدب السردي، ومن أشهر من دافع عن هذا الاتجاه كان الناقد المغربي الدكتور جميل حمداوي، فنجده يذكر في سياق تعريفه لها بأنها :” “جنس أدبي حديث…”، ويضيف بأنها أصبحت “في حقلنا الثقافي العربي جنساً أدبياً مستقلاً له أركانُه وبناه وتقنياته الخاصة”(i1)، يشاركه في هذا الرأي أيضا عدد من النقاد من أمثال: أحمد جاسم الحسين ، وسعاد مسكين.

الاتجاه الثاني
وهو الاتجاه الذي يمثله كل من رأى أنه فن أدبي عريق ومعروف من قبل في تاريخ السرد الأدبي (العالمي والعربي)، ولم يكن ظهوره على السطح بالأمر الجديد ولكنه موجود ومعروف من قبل، وقد اختلفت منابع هذا الاتجاه أيضا، ويمكننا تقسيم من يرى في هذا الاتجاه إلى صنفين :
أ‌) الصنف الأول
وهو الذي يرى أن القصة القصيرة جدا إنما جاءت كنتيجة طبيعية لنمو وتطور وامتداد الأشكال السردية التي سبقتها كالقصة القصيرة، يقول الناقد العراقي هيثم بهنام بردى في العلاقة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا بأنهما:”ينبُعان من أصْل واحد، ولكنْ ثمة اختلافات غير جوهرية تميّز القصة القصيرة جدا عن الأخرى” (ii2)، كما يرى الناقد فريد أمعضشو أنه: “من السابق لأوانه، في نظرنا، اعتبارها جنساً أدبياً قائماً شأنَ القصيدة والرواية وغيرهما من الأجناس الأدبية المعروفة. إنها ـ في وضعيتها الآنية ـ مجردُ نوع أدبي؛… يندرج ضمن جنس عامّ، هو القصة القصيرة. ويقتضي ذلك ـ من بين ما يقتضيه ـ استمرار جملة من خصائص الأصل في سائر الفروع المُنضوية تحته، ولكنْ دون أن يعنيَ ذلك، إطلاقاً، حلول الفرع محلَّ الأصْل بديلا ومعوِّضاً؛ لأن كلاّ منهما يظل محتفظاً بقالبه الخاص وبمِيزاته الأثيلة الفارقة.” (iii3).

ب‌) الصنف الثاني
الذي يرى أنها تحمل جذوراً عربية قديمة متأصلة من الموروث السردي، متمثلة في الخبر والنادرة وقصة المثل ونحوها، وممن يؤيد هذا الاتجاه كان الناقد جاسم خلف إلياس، فنجده يقول: “ليست القصة القصيرة جدا جنساً أدبياً قائماً بذاته يؤسّس نفسَه بنفسه، وإنما هو نوع أدبي فرعي له أصولٌ يتكئ عليها، ويستمدّ وجودَه منها” (4iv)

الاتجاه الثالث
وهو الاتجاه الذي يرى مؤيدوه أن القصة القصيرة جدا جاءت نتيجة تأثر العرب بالكتابات السردية التي ظهرت في أوروبا وأميركا اللاتينية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أو تلك التي تأثرت بالكاتب الروسي جوجول، سواء أكان هذا التأثر جاء بعد ترجمة هذه النصوص أم محاولة تقليدها أم التأثر بالأسلوب الأدبي نفسه والسير في خطاه، ويكاد يُجمع النقاد أن “ناتالي ساروت” الكاتبة الفرنسية من أصل روسي كانت هي أول من كتب القصة القصيرة جدا فيما أسمته “انفعالات” في سنة 1932م، بينما نجد أن الكاتب العراقي “نوئيل رسام” الذي كتب القصة القصيرة جدا في سنة 1930م، حملت عنوان “موت فقير”، وبهذا فإنه يكون قد سبقها في ولوج عالم القصة القصيرة جدا، ولكن الفارق هنا في الاهتمام بما كتبت “ناتالي” في الوقت الذي لم يجد “نوئيل” مثل هذا الاهتمام فنُسب لها الفضل أولاً.

الاتجاه الرابع
وهو الاتجاه الذي رفض مؤيدوه هذا الفن الوليد واعتبر الكتابة فيه أحد أشكال اللاتمكن من أدوات الكتابة الإبداعية في المجالات والأجناس الأدبية المعروفة كالرواية والقصة والقصة القصيرة، وأنه يخالف الأصالة التي يتميز بها الأدب العربي القديم وأصوله، وأنه يتسم بسهولة مفرطة؛ لقلة ألفاظه وقصره، فحكموا برداءة القصة القصيرة جدا، هم أيضا يرون أنه تيار أثر على المثقف العربي فركب الأخير موجته وتأثر به، وبأنها نوع دخيل وسيفنى قريبا.

المفهوم
القصة البرقية، الومضة، والأقصودة، وشرارات، وقصة بحجم راحة اليد، ومشاهد قصصية، وقصة أوقات التدخين، وقصة الأربع دقائق، والقصة المجهرية، وقصة الصعقة، وبورتريهات، كلها مسميات أطلقت على القصة القصيرة جدا، والمتتبع للتعريفات التي حاولت رصدها يجد أنها تتشرب بفكر معرِّفها، وتتخذ من نظرته واتجاهه مرتكزا تقف عليه، وقد يعود هذا التخبط في عدم تحديد مفهوم يتفق عليه الجميع لكونها تعد فنا جديدا على المشهد الثقافي العربي إذا ما قورنت بالأجناس الأدبية الأخرى المعروفة، وقد عرفها الناقد المغربي جميل حمداوي بأنها “جنس أدبي حديث يمتاز بقِصَر الحجم، والإيحاء المكثف، والانتقاء الدقيق، ووحدة المقطع، علاوة على النزعة القصصية المُوجزة والمقصدية الرمزية، فضْلاً عن التلميح والاقتضاب والتجريب واستعمال النَّفَس الجُمْلي القصير الموسوم بالحركية والتوتر المضطرب وتأزيم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضْمار”(v5)، بينما عرفها عبدالدائم السلامي بأنها “النمط الأدبي الأكثر قدرة على تقطيع الواقع، وتمثل تفاصيله لبناء معناه الشعري مهما تنوّعت رؤى المبدعين بخُصوص وظيفتها، ومهما تباينت آراؤهم بشأن ملامحها وأشكالها الكتابية” (vi6).

من خلال الاطلاع على عدد كبير من التعريفات وعدد أكبر من القصص القصيرة جدا يمكننا أن نقول إنها جنس أدبي جديد، يعتمد على ترميز وتكثيف للموقف الواقعي الشعوري، يقوم على وحدة الحدث والشخصية والفكرة، ويقدم أشكاله الرمزية والإيحائية من خلال لقطة برقية مكثفة تنتهي بقفلة مغايرة وصادمة لتوقعات المتلقي.
برع عدد من الكتاب العرب في هذا النوع من الكتابة، كانت البداية مع نوئيل رسام في “موت فقير” في ثلاثينيات القرن العشرين، ليتبعه الفلسطيني محمود علي السعيد منذ سبعينيات نفس القرن، وسار على نفس الدرب عدد آخر غير قليل، نذكر منهم على سبيل المثال: الفلسطيني محمود شقير، والمغربي عبدالله المتقي، والتونسي إبراهيم درغورثي، والسعودي فهد المصبح، والمصري محمد شوكت الملط، والعماني الخطاب المزروعي ، … وغيرهم.
وفي الوقت الذي بدأت فيه القصة القصيرة جدا تشهد تطورا كبيرا وتثبت وجودها بقوة في بعض الدول العربية كالعراق، والمغرب وسوريا وتونس، ومصر، نجد أنها لا تزال تعاني التهميش واللامبالاة في دول عربية أخرى التي لم تعرها الاهتمام اللائق على مستوى التأليف الإبداعي أو النقدي، فعلى الرغم من وجود بعض المؤلفات إلا أنها لا تزال تحتاج إلى جهد كبير في التعريف بها ونشرها ونقدها في ضوء ما اتفق عليه النقاد على الأقل.

القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان
نؤمن جميعا أن حركة الإبداع تصدر من مبدعين يعيشون في مجتمع يؤثرون ويتأثرون بما يحدث حولهم؛ ولحساسيتهم الشديدة تجاه الحياة، ولأن أي تطور في الحياة يصحبه تطور في المجال الأدبي فإنهم ينقلون بصدق وقائع هذه الحياة فيما تخطه أقلامهم، وهذا ما حدث مع المبدع العماني الذي وجد نفسه كغيره من مبدعي العالم العربي أمام تطور مذهل وسريع الوتيرة في المعرفة والتكنولوجيا، فهو يقف وجها لوجه مع عالم العولمة، ومع توسع مدارك ووعي القاص العماني واستحضاره لبعض التجارب العربية استطاع وبشكل طبيعي أن يواكب مجريات العصر والتطور التقني الهائل، وبذلك برزت القصة القصيرة جداً معبرة عن وقائع الحياة السريعة التي لم تعد تتحمل الإطناب الشديد.
تعتمد القصة القصيرة جدا على عناصر وأركان ضرورية، كعناصر القص المعروفة المتمثلة في الشخصية والحدث والزمان والمكان والحبكة، والنهاية المفاجئة للقارئ، وتعتمد على الجمل الفعلية لتسريع وتيرة القص الحكائي، كما تحمل القدرة على التكثيف الدلالي الشديد، وعنصر المفارقة، والإيحاء، وإثارة التأويلات المختلفة، ومن أبرز مميزاتها أن النص يظل مفتوحا على كافة التأويلات عندما يلتقي قارئا يتفاعل مع النص فيتُشارك الكاتب في تفعيل وإثراء دلالات النص فينتج عنه نصوصا جديدة.
وقد برزت في الآونة الأخيرة في الساحة الأدبية العمانية مجموعات قصصية أطلق عليها أصحابها قصصا قصيرة جدا، تضم كل مجموعة بين دفتيها عددا من القصص، منها ما حملت لفظ القصة القصيرة جدا ومنها ما كان يحمل في طياته عناصر ومكونات القصة القصيرة جدا ولكن أصحابها أطلقوا عليها مسميات أخرى كـ” قصص أو قصص قصيرة أو أقاصيص”؛ وقد يكون مرد ذلك إلى الخلط الدائم بينها وبين غيرها من الأنواع الأدبية الأخرى، أو كون المؤلف لم يصل بعد إلى مرحلة تشكيل صورة نهائية عنها، ولا ننكر تأثير نشأتها التي تعد حديثة جدا في سلطنة عمان مقارنة بميلاد هذا الفن ودخول المبدعين العرب إلى معترك تجربته.
ومن خلال بحثي عن القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان فقد وجدت عددا من الإصدارات التي تبنت هذا المجال الأدبي وكتبت فيه، ومع أن الكاتب والقاص العماني أدرك أهمية مواكبة عصره واستطاع أن يجاري تطور الفنون الأدبية أسوة بغيره من المبدعين إلا أن عملية النقد التي كان يفترض بها أن تواكب هذا المنتج لازالت ضعيفة إن لم تكن منعدمة تماما، فلم أجد من خلال بحثي وما وقعت عليه يدي أي نقد أو تعريف أو اهتمام خاص بالقصة القصيرة جدا بمفهومها وتطورها وكُتّابها ، كل ما وجدته هو نقد للقصة بوجه عام ويمكن أن يتطرق الناقد للقصة القصيرة القصيرة جدا في ذيل بحثه، عدا الدراسة التي قامت بها الدكتورة آمنة الربيع والتي سنتطرق إليها في سياق عرضنا للجهود النقدية في مجال القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان.
قبل أن نتطرق لعملية نقدها لابد لنا من تحديد وتصنيف وعمل ببلوجرافيا بسيطة لهذه القصص، بحيث نحقبها بحسب الفترات الزمنية التي ظهرت بها،(7vii) وبحسب القصص القصيرة جدا التي تم نشرها داخل السلطنة والتي استطاعت الباحثة الحصول عليها فإن أول مجموعة قصصية عمانية في القصة القصيرة جدا كانت في السنة 1994م، وهي مجموعة “قشة البحر” لصاحبها القاص عبدالله حبيب.

التحقيب
سنعتمد في عملية تحقيب ظهور فن القصة القصيرة جدا في سلطنة عمان على القصص التي تم إصدارها على شكل مجموعات أدبية قصصية والتي أشار فيها المؤلف بأنها قصص قصيرة جدا أو أقاصيص أو قصص (بشرط أن تحمل عناصر ومكونات القصة القصيرة جدا) أو تلك التي ضمتها المجلات الأدبية تحت ذات المسمى، وعلى الرغم من أن هذا البحث حاول استيفاء كل ما نشر في هذا المجال إلا أنني لا أزعم التوصل إليها جميعا، ولا أستبعد أن توجد بعض القصص التي تعذر الحصول عليها إما لضيق الوقت لكتابة هذا البحث أو لضعف ترويج الكاتب لإبداعاته؛ ولأن العلم تراكمي البنيان فسيظل بحثي مفتوحا قابلا لأي إضافة جديدة أضيفت لهذا المجال بعد البحث أو خلاله أو قبله، ولم تتمكن الباحثة من الوصول إليها.
جاءت المجموعات القصصية للقصة العمانية القصيرة جدا ـ بحسب ما تحصلت عليه الباحثة من معلومات – مرتبة حسبت السنوات على النحو الآتي:

- 1994م
صدرت مجموعة القاص العماني عبدالله حبيب، بعنوان “قشة البحر”(8) (قصص)، عن مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، اشتملت على ثماني قصص قصيرة جدا لم يضع لها عناوين منفصلة بل كانت مرقمة تحت عنوان (من دفتر المنفى) قصة قصيرة، منها على سبيل المثال :” عذَّبوه، عذَّبوه، عذَّبوه، فمات بعد أن حفر اسمه على جدار الزنزانة، وصاح الضابط محتدا: اللعين لم يعترف”.

- 1995م
في هذه السنة صدرت للقاص العماني علي الصوافي مجموعته القصصية التي عنونها بJ”جنون الوقت”(9)، الصادرة عن دار الرؤيا للنشر، سلطنة عمان، واشتملت على عدد 23قصة قصيرة جدا.

- 2002م
في عام 2002م خرجت إلى النور المجموعة القصصية “أغشية الرمل”(10) للقاص محمد الرحبي، وصدرت عن دار أزمنة للنشر، الأردن، وتقع في 94 صفحة، وتحوي المجموعة في طياتها عشرين قصة قصيرة جدا.

- 2006 م
صدرت خلال هذه الفترة الزمنية مجموعتان قصصيتان، الأولى : “مسامير”(11): لعبدالعزيز الفارسي، وأعقب اسم المجموعة بـ( قصص)، وصدرت عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، وتضم 52 قصة قصيرة جدا، وتقع في 62 صفحة ، والأخرى مجموعة “سرير يمتطي سحابة”(12): لحمود حمد الشكيلي، وأعقبها بـ: (قصص وقصص قصيرة جدا)، تشمل المجموعة 22 قصة قصيرة جدا، جاءت في 86 صفحة، أصدرت ضمن مشروع وزارة التراث والثقافة لدعم الكتاب العمانيين في سلسلة إصدارات متتابعة.
في قصة الفارسي (غيرة) نجده يقول:
قال أتمنى ألا ترين رجلا غيري . تعرضت لحادث ففقدت بصرها . بكت : صرت أراك وحدك. واساها . صار يقودها في الطرقات وينظر لغيرها بشغف.
بينما نجد حمود الشكيلي يقول في قصته (بحث) :
صاحب الفرضة السابعة، يبحث عن غلام. عندما استيقظت الشمس وجد غلاما يبحث عنه.
في هذه العام أيضا نشرت القاصة العمانية المقيمة في الإمارات ليلى البلوشية عددا من القصص القصيرة جدا ونشرتها إلكترونيا في (موقع من المحيط إلى الخليج) (13)، وضمت ثلاث قصص قصيرة جدا تحت مسمى محادثات سياسية، وحملت العناوين : لغز حادث حديث، بين القط والفأر، وخلف الكواليس. تقول في قصتها (خلف الكواليس) :
المذيع يثرثر مع الضيف قبل بث مباشر: أين كنت يا رجل؟ مضى زمن على آخر مقابلة هاتفية بيننا.
الضيف: الحرب تشد أوزارها ، وهي من أخصب مواسم ظهورنا في شاشات التلفاز ..
المذيع يقهقه بصوت عال: مصائب قوم عند قوم فوائد.

- 2007م
صدرت في هذا العام مجموعة قصصية بعنوان “صبي على السطح (14) : لجوخة الحارثية، وأطلقتها تحت مسمى ( قصص)، وصدرت عن دار أزمنة للنشر، الأردن، وتضم 19 قصة قصيرة جدا، وتقع في 47 صفحة، ولم تضع لقصصها القصيرة جدا عناوين فرعية ، تقول في إحداها:
في الساعة الأولى وصلت رسالته الأولى.
كتب: “أعبدك”.
ودون أنْ تتروى في عدد اللواتي كُتِبَتْ لهن الكلمة من قبل، ارتقت سماءً وقصوراً من ندف غيم أبيض.
في الساعة الثانية وصلت رسالته الثانية.
كتب: “أشتهيك”.
فتردت إلى الطين، ولزوجته، وحقيقة ملمسه الخشن.
عرفت أنَّ الغيم لا ملمس له، ولا وزن.

* ورقة مقدمة بالمؤتمر العلمي الدولي الحادي عشر “الحركة الأدبية واللغوية المعاصرة في عُمان” الذي نظمته جامعة آل البيت في الأردن بالتعاون مع مركز الدراسات العُمانية في جامعة السلطان قابوس يوليو الماضي.

المراجع في الجزء الثاني من الدراسة

د.جميلة بنت سالم الجعدية
أستاذ مساعد ومحاضرة بكلية العلوم التطبيقية بصلالة

إلى الأعلى