الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة

الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة

سعود بن علي الحارثي

” .. شكلت مجالس العرب التي لا تخلو منها قبيلة من القبائل ولا مدينة من المدن الحضرية قاعدة للشورى ففيها يلتقي أهل الرأي والاختصاص لبحث كافة المسائل والتشاور في القضايا ودراسة المواضيع المطروحة اخلاصا واجتهادا بإعمال الفكر وتبيان المصالح والأخذ بالرأي الأرجح الذي يحمل دلالات الخير, ففي تلك القاعدة كمال العقول وسداد الرأي وصلاح المجتمع بحسب ما تتضمنه الثقافة السائدة,”
ـــــــــــــــــــــــــ
أولا : الشورى فلسفة مارسها العرب قديما وحث عليها الإسلام تطورت بتطور النظم السياسية :
((الشورى)) وبحسب ما عرفتها كتب اللغة هي: اسم بمعنى التشاور أو الاسم من أشار عليه, وقولهم (( ترك عمر الخلافة شورى)), أي متشاورا فيها, ومجلس الشورى هو المجلس المؤلف لاستماع الدعاوى عرفيا أو للتداول في شئون البلاد, والمشورة هي النصيحة. وتستمد الممارسة قوتها من الأمر الإلهي الوارد في الآية القرآنية رقم 159 من سورة آل عمران (( فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر )) : أي الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر وبما يجلب المصالح الدينية والدنيوية ففي الاستشارة فوائد جمة , تنوير للأفكار واطمئنان للنفوس وجبر للخواطر ونظر شامل لمصالح الأمة … وكذلك من الوصف الإلهي للمؤمنين في الآية القرآنية رقم 38 من سورة الشورى (( وأمرهم شورى بينهم .. )) والتي أصبحت شعارا لعدد من المؤسسات الشوروية في البلاد الإسلامية, والمعنى المأخوذ من الآية يفيد بأنه لا يستبد أحد منهم برأيه, في أي أمر من الأمور المشتركة بينهم أيا كان موقعه. ويقوم منهج الشورى على مبدأ التشاور في الرأي بين أكبر قدر من المتخصصين وأصحاب الرأي والخبرة للخروج من ذلك التشاور برأي حصيف يخدم الموضوع المطروح للتشاور ويعزز قيمته, وتقوم ثقافة العرب في بيئاتهم المختلفة على التشاور في معظم الأمور وتبادل الرأي في المصالح العامة وحتى الخاصة منها فقلما يتخذ الإنسان العربي قرارا أو يبت في أمر دون أن يشاور فيه من يتوسم فيه الرأي والحنكة, فالمنهج الشوروي راسخ في ثقافتهم وفي تراثهم وفي أمثالهم فالمثل العربي يقول (( المشورة عين الهداية)) و (( رأيان خير من رأي واحد )) ويقول الزمخشري (( نصف رأيك مع أخيك فاستشره)), وقد تم تداول مصطلح الشورى عند العرب منذ القدم وهو يعني بالمختصر المفيد أخذ الرأي على أمر من الأمور الجمعية التي تهم شئون المجتمع أو القبيلة أو فئة من الناس, أو الأمور الفردية التي تخص قضايا الفرد وتهتم بقراراته ومواضيعه الخاصة, ومن ثم تداول تلك الآراء ومناقشتها والأخذ بالمهم والمفيد منها, أي الرأي الأقرب إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد والمحقق للأهداف المطلوبة والنتائج المرجوة , فالشورى قيمة أخلاقية إصلاحية آمن بها العرب ودعوا إليها في خطبهم وأدبهم ومارسوها بفاعلية وامتدحوا كل إنسان عمل بنهج الشورى والتزم بقيمها وحافظ على مبادئها , وحظيت الشورى بمساحة واسعة في التراث العربي وأدبياته الواسعة, وكان شيخ القبيلة وأمير المنطقة والزعيم في مجتمعه لا يتخذون قرارا تنسحب نتائجه على الجماعة إلا بأخذ المشورة عليه وتداول الرأي حوله من قبل علية القوم وحكمائهم وأهل الرأي والخبرة فيهم فتصبح الجماعة لا الفرد من يتحمل تبعات ونتائج تلك القرارات وهو ما أعطى للشورى قيمة مهمة وعاملا أساسيا للأخذ بمناهجها في كل ما تتعلق تبعاته ونتائجه على الجماعة من أفعال وقرارات. والمنهج الشوروي يعزز قيمة الفرد في المجتمع الذي يسهم برأيه ويشارك بأفكاره ويخدم المجتمع بما يملكه من خبرات وتجارب وإمكانات , يقول الجاحظ في المعنى ذاته (( المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما )) .
وقد شكلت مجالس العرب التي لا تخلو منها قبيلة من القبائل ولا مدينة من المدن الحضرية قاعدة للشورى ففيها يلتقي أهل الرأي والاختصاص لبحث كافة المسائل والتشاور في القضايا ودراسة المواضيع المطروحة إخلاصا واجتهادا بإعمال الفكر وتبيان المصالح والأخذ بالرأي الأرجح الذي يحمل دلالات الخير, ففي تلك القاعدة كمال العقول وسداد الرأي وصلاح المجتمع بحسب ما تتضمنه الثقافة السائدة, فلم يكن لزعيم قبيلة ولا سيد في كرسي الزعامة ولا لأمير المؤمنين في الحاضرة الإسلامية أن يبت في أمر أو يتخذ قرارا عاما إلا ويعرضه قبل ذلك على مجلس شورى ينظر في شئون المجتمع ويتناقش هموم الناس ومشاكلهم وفيه تتخذ القرارات المرتبطة بالحرب والمسائل المهمة, فهكذا كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده , فلم يكن يقدم على أمر إلا ويعرضه على أصحابه ويشاور فيه أهل الرأي والحكمة إلا أن يكون ذلك الأمر قد حسم أمره إلهيا ولا مجال للتشاور والاجتهاد فيه , ففي الحديث (( ما تشاور قوم إلا هداهم الله لأرشد أمرهم )) , واستند مجلس (( أهل الحل والعقد )) في سلطاته التي اختلفت تعريفاتها ومفاهيمها ومصدر شرعيتها وتعددت اختصاصاتها في التاريخ الإسلامي إلى مبادئ الشورى … ولا يختلف حال المجتمع العماني في ممارسة المنهج الشوروي عن محيطه العربي فقد كانت السبلة العمانية نموذجا مشرقا في تطبيق الشورى, حيث تمر عبرها معظم القرارات التي تهم المجتمع المحلي في مختلف القضايا التي ترتبط بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والتي تخضع للحوار وتعرض للرأي قبل أن تتخذ بشأنها القرارات المناسبة, وعمل الأئمة والحكام وولاة الأمر بهذا المبدأ في معظم الفترات التاريخية المتعاقبة, ونهج الشورى المترسخ في النظام الديني والسياسي والتاريخي عند العمانيين هو الأساس الذي اعتمد في اختيار وتنصيب الأئمة والحكام في عمان وفقا لأسس واشتراطات تهدف إلى اختيار الأنسب والأصلح والأقدر على ممارسة الحكم … وقد تواصلت ممارسة العمل الشوروي كفعل حميد له نتائجه الإيجابية في عدد من المجتمعات العربية, وأخذت أشكالا من التطور وأساليب العمل التنظيمي وبات للشورى مؤسسات مستقلة تتمتع باختصاصات ومهام تتباين من دولة عربية إلى أخرى, تطور فرضته جملة من المتغيرات والتطورات السياسية والاجتماعية والإنسانية, وأخذ التطور مناح متباينة من حيث الشكل والاختصاص وأسلوب الممارسة, يحمل أوجه الاختلاف نظام الحكم في كل بلد ومسيرة التطور ودرجة وعي المجتمع ومستوى التعليم الذي وصل إليه, ولم يسلم تطبيق المنهج الشوروي بطرقه المختلفة من الخلاف بين المفكرين والمختصين والعلماء على مستوى التشريع والممارسة والاستناد بين من يرى بأن الشورى قاعدة إسلامية تلزم المسلمين بتطبيقها مستندين في ذلك على جملة من الأمثلة والدلائل الشرعية والتاريخية, وبين من يرى بأن معظم التطبيقات الواردة في التاريخ الإسلامي ما هي إلا اجتهادات بشرية منفصلة عن بعضها البعض ولم يرد في الأثر نموذجا يحتذى به يمكن تطبيقه كما هو عليه في نسخته الأصلية, إلى جانب ذلك فإن التطور الذي تشهده البشرية ومتطلبات المرحلة واختلاف العصر جميعها تتطلب نظما برلمانية قوية قادرة على وقف ممارسات السلطة التنفيذية التي تصل درجة التعسف أحيانا وفق دساتير تنظم عمل كل سلطة على غرار ما هو قائم في الغرب … وأيا كان الخلاف على المسمى وشكل الممارسة ومستوى التطور ومساراته إلا أن الحكومات وبرغم ما تمتلكه من امكانات واسعة مادية وبشرية ومراكز بحثية ومعلوماتية تظل في حاجة دائمة إلى الرأي السديد في كل ما من شأنه مصالح الوطن والمواطن الواسعة, فهو أي الرأي ((ثروة التفكير)) كما يقول أرسطو , والرأي المفيد إلى جانب الجهود الحكومية المبذولة يدعم برامج التنمية ويحسن من كفاءة الخدمات ويرتقي بالأداء ويساعد على إيجاد الحلول الكفيلة بدرء الأخطاء وتجنب المشاكل, وانطلاقا من تلك الخلفيات استمدت العديد من البلدان العربية أنظمتها البرلمانية ومنها السلطنة بالطبع من مبادئ الشورى مع الاستفادة من تطورات العصر وتجارب الدول والشعوب الأخرى في مجال العمل البرلماني الذي يحتاج إلى المزيد من العمل التطويري والسعي للارتقاء بأدائه وإلى اختصاصات واسعة تخرجه من إطاره الاستشاري الضيق ومن أدوات عمله ومساراته المعطلة في معظم الدول العربية إلى مجاله التشريعي والرقابي الواسع المحقق للأهداف الطموحة والآمال الكبيرة المعقودة في المشاركة والمساهمة وضمان حشد كافة القوى الفاعلة في المجتمع وبما يعزز مسيرة الإصلاح والتطوير ويكبح طرق الفساد ويحجم استشراءه ويعلي من شأن ومكانة المجتمع, فمع اتساع اختصاصات ودور الحكومات وهيمنتها على مختلف مفاصل وشئون الدولة ومؤسساتها ومع التراجع الواسع لدور المجتمع في الحياة العامة المتجسد في الأقطار العربية ومع انتشار الخدمات وتطورها وما أحدثته من تعقيدات وتشابكات في حياة الفرد ولحاجة التنمية بمجالاتها وقطاعاتها الواسعة ما أنجز وما لم ينجز إلى المراقبة والمتابعة والتقييم والتطوير والفاعلية والحفاظ على المكتسبات من عبث العابثين وتخريب المفسدين وللوقوف أمام التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية … لكل تلك الأسباب تصبح الحاجة ماسة بل وضرورية لتعزيز مكانة ودور البرلمان كسلطة تشريعية مستقلة قادرة على العمل من أجل مصلحة الأمة بعقول منفتحة وكفاءات مخلصة وأيد أمينة وخبرات متعددة, فالبرلمان وكما هو معروف أضحى دعامة أساسية من دعامات الحكم الرشيد في الدول المتقدمة, وهو أي البرلمان أداة مهمة من أدوات الإصلاح والتطوير والتقييم الراصد لحجم المشاركة الفردية في صنع القرار ومساحة الحرية المتوفرة للمجتمع .
وفي عمان دخلت مؤسسة الشورى مبكرا ضمن النظام العام لمؤسسات المجتمع نظرا للدعم الذي حظيت به من قبل عاهل البلاد المفدى الذي أكد في كلماته السامية على حرصه ودعمه ومتابعته لمسيرة الشورى (( لقد أردنا منذ البداية أن تكون لعمان تجربتها الخاصة في ميدان العمل الديمقراطي, ومشاركة المواطنين في صنع القرارات الوطنية)) من الكلمة السامية في جلسة افتتاح الفترة الثالثة لمجلس عمان, وفي مناسبة أخرى أشاد جلالته بتجربة الشورى (( لقد مرت على تجربة الشورى في عمان أعوام حافلة بكثير من التطورات التي رسخت مفاهيم العمل المشترك والتعاون المتبادل بين المواطنين والأجهزة الإدارية في الدولة …)) وفي مكان آخر تأكيد على المتابعة والدعم (( تابعنا بكل اهتمام هذه المسيرة المباركة وراقبنا تطوراتها بكل عناية ونحن ننظر بارتياح للكيفية التي تتقدم بها هذه التجربة … )) وأكد جلالته على أهمية أن تتعاون الحكومة مع المجلس في كل ما من شأنه نجاح عملية الشورى (( سوف نحث حكومتنا على رفع مستوى التواصل وتكثيفه مع مجلس عمان بما يمكنه من القيام بواجباته وأداء مهامه على أفضل وجه )) من الكلمة السامية في جلسة افتتاح الفترة السادسة لمجلس عمان … واستمرت تجربة الشورى في السلطنة في التطور التدريجي المراعي لتقدم المجتمع وحاجته وخصوصيته شكلا ومضمونا في عملية الانتقال من التعيين إلى الانتخاب وفي عدد الأعضاء ونسبة التمثيل ومشاركة المرأة وفي الصلاحيات وفي شكل الممارسة وانتقلت التجربة من طور إلى طور وشهدت أكثر من مرحلة تطويرية, وتدعيما للعمل الشوروي في البلاد وحرصا على توسيع دائرة المشاركة, وللاستفادة من الخبرات والكفاءات العمانية المتخصصة في الحقول والقطاعات المتنوعة , أنشأ مجلس الدولة لكي يشارك مجلس الشورى في الكثير من الاختصاصات والمهام فهما معا يشكلان مجلس عمان, وأضحت التجربة تحت المراقبة محليا وإقليميا ودوليا تؤخذ كمؤشر على تطور دولة المؤسسات في البلاد. لقد أخذ هذا التدرج سنوات ليست بالقليلة بلغت معها البلاد مرحلة متقدمة من التطور في مجالات التنمية المختلفة والنضج الإنساني كنتيجة طبيعية لاتساع نطاق التعليم بمراحله المختلفة وانتشار برامج وأدوات ووسائل المعرفة والوعي بمتطلبات المرحلة, مرحلة يراها المراقبون والمختصون والمثقفون جد مناسبة لكي تشهد البلاد اكتمال هذا التطور بالانتقال بالدور الذي يقوم به مجلس عمان إلى دور تشريعي ورقابي كامل يمارس مهامه واختصاصاته باستقلالية تامة, وفق أطر تنظم اختصاص كل مؤسسة ودورها في الارتقاء والبناء والمحافظة على المكتسبات, إذ أن متطلبات المرحلة والتحديات الخارجية والداخلية التي تكبر مع تعقيدات الحياة وتوسع شبكة الخدمات وتغير المفاهيم وحرص قائد البلاد على استكمال دولة المؤسسات , وما تمثله المؤسسة الشوروية من ضمان لتحقيق التوازن الذي يخدم المجتمع ويضع الجميع أمام مسئولياتهم وأدوارهم الحقيقية جميعها تدعم هذا المطلب.

إلى الأعلى