الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / خطأ عربي شائع.. الخلط بين الإدارة والسياسة

خطأ عربي شائع.. الخلط بين الإدارة والسياسة

د.أحمد القديدي

” إن حياد الإدارة يبدأ من سلطة الوالي الذي لا يمثل سوى رئيس الجمهورية أي ينوب عن رأس الدولة في منطقته ويظل تحت إدارة رئيس الإدارة وهو رئيس الحكومة وتحت التراتبية الإدارية لوزارة الداخلية. وإني أخشى لو لم يتم تراجع جريء في هذا الإجراء أن تكون لدينا غدا ولاية جندوبة تابعة لرئيس هذا الحزب وولاية الكاف موالية لرئيس ذلك الحزب…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع خالص الاحترام والتقدير أكتب رسالتي المفتوحة هذه إلى كل المسؤولين العرب وفي تونس الى الرئيس الباجي قايد السبسي و ورئيس الحكومة الحبيب الصيد قبل فوات الأوان من باب النصيحة وبدافع الاعتبار بالتجارب التي عشناها في بلادنا بحلوها ومرها لأني سمعت في أخبار الإذاعات يوم الخميس أن الحكومة طلبت من الأحزاب الأربع المشاركة في الائتلاف الحكومي مدها بالسير الذاتية لمرشحي هذه الأحزاب لتعيينهم ولاة ومعتمدين أولين ومعتمدين (محافظين ومساعدي محافظين) فكدت لا أصدق سمعي وكذبت نفسي فراجعت الشبكة التي أكدت لي هذا الخبر وفي الحقيقة شعرت بصدمة وخوف. الصدمة من جراء شعوري بالأسف لإحساسي بأن النخبة السياسية الحاكمة أو المعارضة في تونس ما بعد الهزات العنيفة التي عصفت ببلادنا وبالعالم العربي لم تستخلص أقسى درس سياسي علمته لنا الأيام والمحن وهو أن أكبر الأخطاء السياسية العربية والتونسية على وجه الخصوص هو خطأ الخلط بين الدولة والأحزاب وبين الإدارة والسياسة وهوالخطأ الذي لم ترتكبه الديمقراطيات الراسخة التي تعلمت دروس التاريخ أما خوفي فهو أني عشت اربعين سنة في أوروبا وبالذات في باريس وتعرفت عن كثب على تركيبة دولها وسر قوة مؤسساتها الدستورية وخفايا استمرار الدولة مهما تداولت الأحزاب على السلطة وكثيرا ما تحاورت مع أصدقاء أوفياء قدامى من وزرائها وسفرائها وولاتها (في فرنسا يسمونهم PREFET) وأدركت أن هذه الدول تنأى بنفسها و لا تسعى أية سلطة تنفيذية إلى تعيين متحزبين حتى من صلبها اتقاء منها لشر من أخطر الشرور وهو ما شرحه لي الوزير الأسبق والسياسي القدير صديقي (برنار ستازي) حين قال لي (تصور الكارثة لو أن منطقة باريس يعين عليها والاشتراكي فيقال بأن ولاية باريس اشتراكية وأن ولاية السين والمارن يعين عليها وال من حزب ديجول اليميني فيقال بأن هذه الولاية يمينية … إلى غير هذه التصنيفات الجائرة والمخلة بالوحدة الفرنسية الوطنية والمتسببة في تجزأة إيديولوجية للبلاد مما يمهد للتناحر لا على صعيد الأحزاب بل على صعيد إدارة الدولة. إن حياد الإدارة يبدأ من سلطة الوالي الذي لا يمثل سوى رئيس الجمهورية أي ينوب عن رأس الدولة في منطقته ويظل تحت إدارة رئيس الإدارة وهو رئيس الحكومة وتحت التراتبية الإدارية لوزارة الداخلية. وإني أخشى لو لم يتم تراجع جريء في هذا الإجراء أن تكون لدينا غدا ولاية جندوبة تابعة لرئيس هذا الحزب وولاية الكاف موالية لرئيس ذلك الحزب وولاية قفصة ندائية بينما ولاية القيروان نهضوية وهو وضع لا أتصور أنه غائب عن رؤية وتصور الرئيس الباجي قايد السبسي أو الحبيب الصيد فكلاهما تمرس بشؤون الدولة وتعرف على النقائص التي أوصلتنا للمهالك. ثم إن نكبة العراق ومحنة سوريا وفوضى ليبيا وأزمة اليمن هي كلها من أصول أخطاء واحدة اشتركت فيها الأنظمة العربية وهي تعيين الموالين والمتحزبين في مناصب إدارة الدولة جهويا ووطنيا حتى ضاعت حقوق الناس هنا وهناك بين التجاذبات والصراعات والايديولوجيات وتقطعت الدولة إربا بين الأحزاب
وتحولت الولايات أو المحافظات من أجهزة تخدم المواطن إلى أجهزة تقمعه ومن أدوات صيانة حقوق الناس إلى أدوات لسلبه ونهبه وتحزيبه كما تحول المواطن العربي من بشر سوي إلى ذئب بشري يدين للحزب ويأله قائد الحزب عوض أن يدين للدولة الحاضنة باحترامه للقانون والتزامه بخدمة الصالح العام. ثم إن إدارة المحافظة (الولاية) لدينا لا تكون إلا من قبل رجل (أو إمرأة) تعينه الدولة ممثلة في شخص رئيسها حسب اعتبارات ومعايير موضوعية ويختار من بين كوادر الإدارة الأكفاء والبعيدين عن التحزب وبلادنا بحمد الله تعج بالشباب المتمتع بالقدرة على معالجة الملفات وتجميع القوى الفاعلة
وتأمين المرافق الحيوية وهو لن يكون وحده أو يستبد بالسلطة لأن الدستور الجديد ضمن وبرمج لإنشاء مجالس جهوية منتخبة تقوم بسن الخيارات ومساعدة الوالي وهنا يأتي دور ومسؤولية الأحزاب حيث تقدم مرشحيها للناخبين الجهويين فيختار المواطن من بين أعضاء تلك الأحزاب من يكون عضوا في هذه المجالس. هنا تتدخل الأحزاب وهنا فقط وليس في تعيين ولاة من أنصارها وهو الضلال المبين. فالمجالس الجهوية في أغلب دول الاتحاد الأوروبي كما عايشتها منبثقة عن انتخابات شديدة الأهمية عديدة المشمولات تماما كالانتخابات البلدية وهي في هذه البلدان تدير الحياة الجهوية وتخدم مصالح الولايات بكفاءة شعورا منها أنها مدينة بمناصبها للناخب المحلي الذي يستطيع أن يسحب منها ثقته في الانتخابات القادمة ويغير من التركيبة حسب مستوى نجاحها أو إخفاقها. أما الوالي والمعتمد الأول والمعتمد فهي مسؤوليات تقررها الدولة المركزية وتعين على رأسها الأكفاء ممن يسمونهم في فرنسا موظف دولة سام GRAND COMMIS DE L’ETAT لا دخل لأي حزب في اختياره ولا في عمله اليومي ولا في مشمولاته وهو ما يعرف لدى الأوروبيين بواجب حياد الإدارة وهو واجب دستوري يحترمه الجميع (نظريا بالطبع لأن التجاوزات ممكنة وحصلت ولكنها أصلحت) إن مبدأ حياد الإدارة وطنيا وجهويا من أغلى مكاسب التطور السياسي للشعوب بعد أن اكتوت بنار الخلط بين الدولة والسياسة وفي تونس لم نشذ عن هذه الأخطاء في كل عهود الجمهورية منذ إعلانها في يوليو 1957 على أيدي الزعيم بورقيبة إلى عهود ما بعد الثورة والغريب في نظري المتواضع أننا لم نتعظ بل ونستعد للنظر في السير الذاتية لمرشحي الأحزاب لتقلد منصب وال أو مسؤول جهوي ! ليس من الخطير أن نخطأ الخيار ولكن من الأخطر أن نمضي في الخطإ ولا نستجيب لدروس التاريخ القريب. إني على ثقة في الرجل الذي يتقلد رئاسة الجمهورية فهو السياسي الوطني الذي يعتبر بعبر الأمم وبامكانه تصحيح المسيرة كما أثق في رئيس الحكومة وفي وزير الداخلية وأدعوهم إلى مراجعة هذه الأمور البديهية من أجل تونس ومن أجل أجيالها الجديدة.

إلى الأعلى