الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع ..فلسطين وسوريا .. ارتباط مصير

شراع ..فلسطين وسوريا .. ارتباط مصير

خميس التوبي

في ظل ما نشهده من تناسل عجيب لخيوط الكذب التي قامت عليها المؤامرة ضد سوريا، يبدو أن رحم القوى المتآمرة لا تزال خصبة وولَّادة ولديها قدرة فائقة على تقبل عملية التلقيح (وعلى قول الإخوة المصريين على الريحة) لتخرج إلى العالم بطفل غير شرعي مشوه تحاول إرغام جميع مشاهديه ولو بالقوة على التسليم بأنه جاء من طريق شرعي رغم عمليات الحقن والعزل التي تقوم بها سوريا شعبًا وجيشًا وقيادةً.
فواقع حال المؤامرة ومجريات أحداثها، سواء على الأرض السورية أو خارجها يؤكد كم طفلًا غير شرعي ومشوهًا خرج من رحم القوى المتآمرة نتيجة الزنى أو الزواج غير الشرعي بين تلك القوى والإرهاب وأدواته منذ بدء المؤامرة وإلى الآن، حيث ورثت مفاعيل هذه العلاقة وولادته المتكررة الشعب السوري كوارث ومآسي يندى لها جبين الإنسانية، وقد لعبت ماكينات الإعلام الموالي والتابع لقوى التآمر دورًا بارزًا في تقديم هذه الولادات المشوهة وتجميلها، فكانت المجازر والتفجيرات الانتحارية الإرهابية ضد المدنيين السوريين من الأطفال والنساء، وضد عناصر الجيش والقوى الأمنية، أولى الولادات المشوهة هذه باتهام الجيش العربي السوري في ارتكاب المجازر، واتهام القوى الأمنية السورية بتنفيذ التفجيرات بزعم جلب التعاطف وإقناع العالم بأن ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة حيكت بليل. ولكن سرعان ما انكشف سفاح هذه الولادات باعتراف المسافحين أنفسهم عبر الفيديوهات التي يظهرون فيها أنفسهم متباهين بأنهم ذبحوا أهل القرى السورية التي دخلوها “فاتحين” و”محررين” ذبح النعاج، ويظهرون فيها يشقون الصدور ويأكلون الأكباد، فضلًا عن اعترافات السوريين الناجين من إجرام “المحررين والفاتحين” وإرهابهم والذين رووا فظائع أشد من فظائع الجاهلية الأولى.
واللافت للنظر أن كل مرحلة من مراحل المؤامرة تتعامل معها قوى التآمر وأدوات إرهابها بإعطائها ولادتها التي تتناسب معها، فبعد أن أطاحت تلك الجرائم الإرهابية بأكاذيب “الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة المدنية” التي روجوها لتمرير مؤامرتهم لتدمير سوريا، لم يخرج المتآمرون عن السياق السياسي والإنساني ذاته، فعمدوا إلى العزف على وتر المعاناة الإنسانية الناتجة عن العقوبات الاقتصادية والحصار الجائر التي فرضوها على الشعب السوري والممارسات الإرهابية التي تمارسها صباح مساء العصابات الإرهابية الممولة والمسلحة والمدربة من قبل المتآمرين، وذلك في إطار سعيهم الحثيث للبحث عن ذرائع وحجج واهية يتاجرون فيها بحقوق الشعب السوري ودمائه وصولًا إلى هدفهم الأكبر وهو تدمير الدولة السورية وتقديم رأسها على طبق من ذهب لسيدهم الكبير كيان الاحتلال الصهيوني مثلما فعلوا بالعراق من قبل.
في الحقيقة، إن المؤامرة على سوريا لا يمكن عزلها عن القضية الأم والمركزية وهي القضية الفلسطينية في ظل مخططات الورم السرطاني (كيان الاحتلال الصهيوني). ففلسطين أراضيها محتلة، وجزء من أرضي سوريا أيضًا محتل وهو الجولان السوري، ومثلما يواصل كيان الاحتلال الصهيوني نهب ما تبقى من أرض فلسطين، لا يزال يواصل دسائسه ومؤامراته ضد سوريا، وقد أكد على أنه الطرف الأصيل في المؤامرة أكثر من مرة، سواء بالعدوان الذي شنه على ريف دمشق مستهدفًا مركز البحوث في جمرايا أو عبر أجهزة التنصت في القصير وريف اللاذقية وكذلك الأسلحة المختلفة، ليبرهن بعد ذلك على أصالته في المؤامرة بالمستشفى الميداني الذي أقامه في الجولان السوري المحتل لعلاج أدواته الإرهابية والتكفيرية وبالزيارة الأخيرة لبنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني والاطمئنان على عملائه وإرهابييه ومرتزقته الذين أكدوا في المقابلات التي أجرتها القنوات التلفزيونية الصهيونية أنهم لم يجدوا علاجًا أفضل من علاج أسيادهم وحلفائهم الصهاينة ولم يجدوا أيادي حانية تطبطب عليهم من تلك الأيادي الصهيونية “الحانية” على الشعب الفلسطيني، بل إنهم أكدوا أن العلاج والرعاية اللذين يتلقونهما في الأردن لا يرقيان إلى العلاج والرعاية اللذين يتلقونهما في “إسرائيل دولة الديمقراطية والعدل”. ولذلك يزف اليوم قادة كيان الاحتلال الصهيوني البشرى إلى قطعان المستوطنين بأن ما يتحكم في استقرار المنطقة ويهدد تدمير دولها وتقسيمها من إرهاب واقتتال طائفي يمثل فرصة تاريخية لكيان الاحتلال الصهيوني وبخاصة في سوريا حيث الرهان على عملائهم الإرهابيين والتكفيريين لمواصلة التدمير وإنهاك القدرات بصورة متوازية لكل من الجيش العربي السوري وحزب الله.
ولذلك فإن مقتضيات المؤامرة تجعل المتآمرين يركزون على الوضع الإنساني باتهام الحكومة السورية بعرقلة المساعدات الإنسانية دون الإتيان على عصاباتهم الإرهابية، واستصدار قرار من مجلس الأمن يدعو إلى إدخال المساعدات الإغاثية، ودافعهم نحو ذلك ليس إنسانيًّا كما يدَّعون؛ لأن الوضع الإنساني المأساوي هم الذين صنعوه، وإنما دافعهم هو الخوف على عصاباتهم الإرهابية والإجرامية، سواء تلك المحاصرة في عدد من المناطق أو تلك التي يتقدم الجيش العربي السوري فيها ويوجه ضرباته الموجعة لتلك العصابات، من الموت جوعًا أو انهيارها وإعلان استسلامها وبالتالي عدم تمكنها من مواصلة عملية التدمير والقتل الممنهجة، ولعل تجربة المساعدات الإغاثية في حمص القديمة وما جرى فيها من استيلاء على شاحنات الإغاثة وسيارات الإسعاف من قبل العصابات الإرهابية أبرز مثال حي على توظيف المتآمرين للمعاناة الإنسانية للشعب السوري في مواصلة كيه بالإرهاب بإنقاذ أدواته وعصاباته، مع التأكيد على حق الشعب السوري في أي بقعة كان أن تصله المساعدات الإغاثية. ولولا عمليات السطو والنهب التي قامت بها العصابات الإرهابية لكانت انهارت وانتهت.
وبحكم ارتباط مصير القضية الفلسطينية بسوريا، فإن المساعي الأميركية التي يقودها العرَّاب جون كيري وزير الخارجية ولقاءاته المكثفة مع أطراف القيادة الفلسطينية في باريس لا تخرج عن هذا السياق، حيث يعد كيري لطبخة سياسية يطيل بها أمد المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، وإطالة المفاوضات هنا ليس من أجل سواد عيون الفلسطينيين وإنما ارتباطًا بالأحداث الإرهابية التي تدعمها بلاده وعملاؤها وأتباعها في سوريا، لأنه يعلم تمامًا أنه ليس بوارد تقديم شيء ما أو تحقيق إنجاز ما إلى الشعب الفلسطيني، كيف لا؟ وهو القائل في مقابلة تلفزيونية بثتها القناة الثانية الصهيونية الجمعة الماضية: “لست مهووسًا، لكن أقوم بعملي على أكمل وجه، وهدفي في هذه المرحلة تقديم المساعدة للإسرائيليين”. مضيفًا: “إن أمن “إسرائيل” في سلم الأولويات لديَّ، هذه القضية تعد من القضايا المهمة لدى الولايات المتحدة”.
إذن الاشتغال على محوري القضية الفلسطينية والأزمة السورية هو من أجل تحقيق مصالح كيان الاحتلال الصهيوني بتصفية القضية الفلسطينية وتدمير سوريا بما يترتب عليه الاستيلاء على أراضي الجولان وعدم المطالبة باستعادتها. ولكن لا يزال رهاننا على الجيش العربي السوري الذي يبلي بلاءً حسنًا في إلحاق الهزائم بالعصابات الإرهابية ووضع عناصرها تحت أقدامه، وكذلك رهاننا على الحكمة والقدرة الهائلة للحكومة السورية في إدارة أعقد الملفات الشائكة في العصر الحديث، ورد كيد الكائدين في نحورهم.

إلى الأعلى