الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تأصيل مناهج الدراسات المستقبلية والاستشراف في التاريخ الإسلامي والعربي

تأصيل مناهج الدراسات المستقبلية والاستشراف في التاريخ الإسلامي والعربي

محمد بن سعيد الفطيسي

تظهر لنا العديد من الدراسات والأبحاث اهتمام المسلمين منذ القديم بما يمكن ان نطلق عليه بالتفكير المستقبلي في إطاره العام، وان كانت تلك الاتجاهات القديمة للاهتمام بهذا الجانب من العلوم الإنسانية المتقدمة، لم تنبع من توجه أكاديمي متخصص، أو علم منفرد بذاته كما هو الآن، إنما نستطيع ان نؤكد بأن ذلك الاهتمام البسيط والمبعثر، والذي اخذ أشكالا مختلفة ومعقدة، كان له دور بارز في الرقي بحركة الإبداع والتفكير المستقبلي والاستشراف في ذلك الوقت لدى المسلمين بوجه عام والعرب على وجه الخصوص.
فالتفكير بالمستقبل هو جزء من منظومة التفكير البشري والإنساني ككل، فلا يقتصر ذلك على أمة دون أخرى، ولا على جيل دون غيره، وليس هناك من دليل علمي أو تاريخي واحد يستطيع التأكيد على إمكانية الفصل بين الإنسان وتطلعاته إلى المستقبل منذ فجر التاريخ، فنظرة الإنسان إلى المستقبل تولدت معه فطريا منذ بدء الخليقة، فأصبح يفكر في كيفية تحسين معيشته وتطويرها، وأصبح يبحث عن شكل جديد للمسكن بعيدا عن الكهوف والجحور، وكذلك في الوسائل التي يمكنه من خلالها حماية نفسه من الحيوانات المفترسة …. وهكذا.
وهنا نود أن نفصل بين التفكير في المستقبل من الناحيتين الفطرية “الوراثية” وتلك المهارية المكتسبة من خلال منهجيات تم تطويرها وصقلها، بحيث أصبحت اقرب إلى العلم منها إلى الفطرة، وهي ما يطلق عليها بمناهج الدراسات المستقبلية أو الاستشراف والتخطيط للمستقبل في هذا الوقت، وللأسف الشديد فإن الثابت في طريقة التفكير المستقبلي في حضارة وفكر وتاريخ العرب القدماء قبل ظهور الإسلام (قد اتخذ أشكالا غير علمية تمثلت في قراءة الطالع والتنجيم والعرافة، وهي تمثل حقولا معرفية موجود في ذات التراث وفي حضارات ومجتمعات أخرى غير عربية).
وقد ارتبط هذا المسار لدى العرب القدماء قبل الإسلام نتيجة العديد من العوامل الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية والاقتصادية منها، والتي كونت وأثرت في اتجاهات التفكير والتصرف بالمستقبل لدى الإنسان العربي في ذلك الوقت، والتي كان اغلبها يعتمد على الشعوذة والتنجيم وقراءة الطالع والنجوم والسحر وما شابه ذلك، وحتى استغلال الظواهر الطبيعية لأهداف مادية أو سلطوية وخلافه، وقد استغل البعض ممن تعاملوا بهذا النوع من أساليب استغلال العقول الجاهلة على قلة وعي المجتمع وغرقه في ظلمات الجهل والرجعية والتخلف والفقر، وبخلاف العوامل الثقافية والتعليمية فقد لعب العامل الاقتصادي دورا لا يقل سلبية في ترسيخ ذلك التفكير والتصرفات في حياة المجتمع العربي قبل الإسلام.
وعندما جاء الإسلام اتجه قبل كل شيء إلى تحرير العقول البشرية من تلك الخزعبلات والنماذج العقلية الجاهلية في التفكير بالمستقبل، وحتى بكيفية التعامل مع الحاضر نفسه، فدعاها إلى تحطيم الخوف والانقياد وراء أقوال السحرة والمنجمين والكهنة، ووجهها إلى العمل قبل الأمل، والرجاء قبل الخوف، والنظر إلى المستقبل بعين الإيمان والتوكل على الله لا التواكل والقدرية، ووجهها كذلك إلى رؤية الكون والحياة من حولها بعين العقل لا بعين الجهل فحررها من تلك القيود التي ظلتها لعقود طويلة من الزمن، يقول عز وجل {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وقوله تعالى. {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} صدق الله العظيم.
إذا ومن خلال ما سبق ذكره، يتأكد لنا بأن أولى الوسائل إلى النظر إلى المستقبل والتمكن من الاستشراف ورؤية ما وراء المنظور هو تحرير العقل البشري من الجهل، وصفاء الذهن بالتوكل والإيمان، والاعتماد على العلم الشرعي والاجتهاد المنهجي والتوسع في النظر والتمعن في التاريخ الماضي والحاضر وربطهما بالمستقبل، (فمعرفة التاريخ الماضي يمكن ان تنير فهمنا للحاضر، وتقوم في الوقت ذاته بشحذ أدوات التحليل وتوسيع نطاق الشواهد التي تستخدمها العلوم الاجتماعية غير التاريخية).
أمَّا في الأوساط العلمية فقد كان العقل البشري المفكِّر حتى العهد القريب يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على منهجية التنبُّؤ العلمي، وهو أسلوب إحصائي “رياضي” يتَّخذه المحلِّلون لاستقراء المستقبل بأكثر دقَّة ممكِنَة، على افتراض أن المستقبل سيمثِّل امتدادًا لأحداث الماضي، ومع الإقرار باستحالة صدق مثل هذه الاجتهادات الإحصائية التي تُفرِز تنبُّؤات مستقبلية محدَّدة، ولا سيَّما في عصرٍ بات يشهد تغيُّرات عديدة وتقلُّبات مفاجئة على مختلف الأصعدة، لم يلبث المخطِّطون المعاصرون أن يتخلوا عن فكرة التنبُّؤ بمعناه النبوئي الضيِّق، وأصبح جُلُّ تركيزهم ينصبُّ على محاولة التعرُّف على الاحتمالات المختلفة – أي: البدائل المستقبلية – التي قد تنطوي عليها التطوُّرات المستقبلية.
أما عربيا وفي إطار علم الاستشراف والدراسات المستقبلية كمنهجية حديثة للتخطيط وفي إطاره سالف الذكر ـ أي البدائل المستقبلية التي قد تنطوي عليها التطوُّرات المستقبلية ـ وبمعنى آخر (الجهد العلمي المُنظَّم، الذي يَسعى إلى تحديدِ احتمالاتٍ وخياراتٍ مختلفةٍ مشروطةٍ لمستقبلِ قضيةٍ، أو عددٍ من القضايا، خلالَ مدةٍ مستقبلةٍ محددة، بأساليبَ متنوعة، اعتمادًا على دراساتٍ عن الحاضرِ والماضي، وتارةً بابتكارِ أفكارٍ جديدةٍ منقطعةِ الصلةِ عنهما)، فلم تحظ بما تستحقه من اهتمام وعناية في العالمين العربي والإسلامي حتى وقت قريب جدا، حيث اقتصرت معظمها على جهود فردية تسعى لاستشراف بعض الجزئيات المتعلقة بالمستقبل العربي.
وإذا كان حتى الآن يصعب كثيرا تأصيل هذا العلم في إطاره البحثي عربيا، أو تحديد نقطة انطلاق له في العالم العربي بشكل دقيق، فذلك لا يجعلنا نجحف من أهمية الدراسات العربية الفردية القديمة منها والحديثة في هـذا الشأن، أو نقلل من الدور العربي في هذا المجال المهم، ( فالفكر العربي المعاصر في كل أجهزته ودلالاته وآلياته وتياراته وتصوراته – أدبًا وفنًا واقتصادًا وسياسة وفلسفة واجتماعًا وتاريخًا وعلمًا وتقنية – منخرط بأشكال مختلفة في التفكير في المستقبل، دارسًا للماضي وناقدًا للحاضر، فشموليته مظهر من مظاهر صحته وحركيته وارتباطه بشروط الأزمة والتجاوز، إلا أن تعريف في الفكر والمجتمع في الفضاء العربي لم يقع الفصل فيها بين ما هو علمي وتقني ونهضوي وسياسي).
وقد ظهرت أولى الدراسات الإسلامية منها والعربية في هذا الجانب ـ أي علم الاستشراف والدراسات المستقبلية ـ مع بدايات فجر الإسلام ونزول القرآن الكريم، ويعتبر القران الكريم الرائد الأول الذي تناول هذا الجانب العظيم في حياة البشرية، يقول الحق عز وجل {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} صدق الله العظيم، كما لم تفرط السنة النبوية بهذا الجانب العظيم من حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية لما له من أهمية عظيمة ومهمة في إماطة اللثام عن مستقبل الأمة، كذلك تبرز لنا قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام العديد من نماذج الاستشرافات المستقبلية التي غيرت من مجرى حياة ومسيرة أممهم.
يقول الباحث زهير الأسدي في دراسة له بعنوان: نحو دراسات مستقبلية إسلامية (لو استعرضنا سيرة الأنبياء عليهم السلام نجد أن النبوة قائمة على التنبؤ، هب العلم بأحداث المستقبل، ولا يوجد نبي بلا نبوة أو تنبؤ، بل جميعهم يخبرون عن نبوءاتهم والحوادث المستقبلية، ويستبقون الزمان بوضعهم الخطط والبرامج التي تحصن الناس من الفتن والمظلات التي سوف تحدث لهم في المستقبل قبل أوانها).
ورغم بعض الاختلافات في الدراسات التي بحثت في مسار هذا العلم في عالمنا العربي قديما وحديثا، وتباين بعض وجهات نظر عدد من الباحثين في نقطة انطلاق هذا العلم في هذه البقعة الجغرافية من العالم، إلا أننا نستطيع ان نؤكد بأن مجمل ما اتفق عليه الجميع في هذا الإطار يشير إلى ان الانطلاقة الحقيقية لهذا العلم في العالم العربي في إطاره المنهجي الحديث قد بدأ في الفترة من 1965 – 1985م، أما قديما فقد اشتهر بتناول النماذج المستقبلية الأولية لبعض الدراسات المستقبلية عدد من العلماء والكتاب والباحثين المسلمين القدماء والتي ما زالت كتاباتهم ونظرياتهم تدرس حتى الساعة في الجامعات الغربية كالخوارزمي والبيروني والإدريسي وابن سينا وابن الهيثم وهم على سبيل المثال لا الحصر.
وقد بقيت الجهود العربية ـ للأسف الشديد ـ “أكاديميا” محصورة حتى الآن في إطار الترجمة ومناقشاتها، أي ترجمة الكتب الأجنبية المتخصصة في هذا الشأن، دون ان يكون هناك جهد تأليفي موسع عربيا في هذا الإطار المهم للغاية، مع الإشارة إلى ندرة الأقسام المتخصصة في هذا العلم في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا العربية، وفي نتائج إحصائية لدراسة بحثية أعدها الدكتور وليد عبدالحي بهذا الخصوص لمجمل الدراسات والبحوث التي تتناول الدراسات المستقبلية في الفترة من عام 1995م – 2005 م، لم تتجاوز تلك الدراسات وفي مختلف الفروع الحياتية كالسياسة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية والتربوية والتطبيقية الـ 259 دراسة تقريبا، اغلبها كان محصورا في الجهود البحثية المدعومة جامعيا ، أو من قبل مراكز دراسات عربية، ورسائل دكتوراة وماجستير.
وفي هذا السياق يقول الخبير المغربي في الدراسات المستقبلية والاستراتيجية الأستاذ محمد بريش بأنه (قد بدأ الاهتمام في عالمنا العربي والإسلامي بهذه الدراسات في الستينات، لكن لم تكن أو لم تبرز مشروعات كبيرة للاهتمام بمصير العالم العربي إلا بعد الثورة الإيرانية، وبعد سنة 79، – حيث بدأها – مركز دراسات الوحدة العربية بمشروع استشراف لمستقبل الوطن العربي بداية من بداية الثمانينات، وأنهاه في سنة 88)، (وحتى مراكز الدراسات العربية التي عنيت بعلوم المستقبل اهتمت أكثر بترجمة ما تنتجه مؤسسات علوم المستقبل الغربية برغم اختلاف الاقترابات التي اعتمدت عليها تجاه قضايا العرب والمسلمين، بل وحينما كشفت هذه الترجمات عن أهداف غربية خبيثة ضد العرب والمسلمين- مثل السيطرة على الموارد العربية أو السعي لتغيير قيم المسلمين وعلمنة عقيدتهم وخلق “شبكات علمانية مسلمة”- لم تهتم الدراسات المستقبلية العربية القليلة بالتركيز على إجراء دراسات مضادة لهذه الدراسات الغربية).
ورغم وجود ما يقارب من الـ 200 جامعة في الوطن العربي و600 كلية يعمل بها أكثر من 140 ألف عضو هيئة تدريس وأكثر من 6 ملايين طالب تقريبا، إلا ان عدد الأقسام المتخصصة بالدراسات المستقبلية في تلك الجامعات نادر جدا، سجلت بينها جامعة أسيوط بمصر السبق بافتتاحها أول مركز للدراسات المستقبلية عربيا في تسعينيات القرن الماضي، كما كان مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الذي أنشئ بالعاصمة المصرية القاهرة في العام 1972م البداية لهذا النوع من الأقسام التخصصية بمراكز الأبحاث العربية، بينما كان من أهمها من ناحية التركيز على القضايا المستقبلية العربية تحديدا مركز دراسات الوحدة العربية.
ولا يوجد في الوطن العربي حتى نهاية العام 2010م الكثير من مراكز الدراسات المتخصصة بالدراسات المستقبلية، فهي – وللأسف الشديد – تعد على الأصابع، واغلبها تم إنشاؤه مع بداية العقد الأول من القرن الـ 21، (وتشير إحصاءات عالمية إلى أن 97% من الإنفاق على هذه الدراسات المستقبلية يتم في الدول المتقدمة، بينما ينفق العالم الثالث 3% فقط، أما في العالم العربي فإن “الدراسات المستقبلية” حقل يتميز بضعف الاهتمام فيه، بالإضافة إلى الشكل غير العلمي لـ “التنبؤ الاستقرائي”، و”بناء السيناريوهات”).

إلى الأعلى