الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يَا قَوْمِ,, إِنِّي لكم من النَّاصِحِينَ

يَا قَوْمِ,, إِنِّي لكم من النَّاصِحِينَ

محمد بن سعيد الفطيسي

” ان ما نشاهده اليوم لم يكن ليقع لولا انه وجد بيئة داخلية خصبة تنتشر فيها كل عوامل التخريب والتدمير والفوضى والقسوة والخوف بين أطراف البناء الوطني ـ الحكومة والشعب ـ بيئة ينظر فيها المواطنون الى حكومتهم نظرة شك وريبة تجاه تصرفاتها وتوجهاتها وقراراتها ومخططاتها حتى وان كانت صحيحة وسليمة, وينظر فيها الطرف الحكومي الى الشعب نظرة تجهيل وفقدان للوعي وانعدام للمسؤولية الوطنية,”
ــــــــــــــــ
ترزح العديد من الدول العربية اليوم تحت وطأة الكثير من الفتن والقلاقل والفوضى, والصراعات الداخلية, والاقتتال المذهبي والطائفي والحزبي بين أبناء الوطن الواحد, حول قضايا جانبية ومصالح شخصية, بعيدا عن قضايا أوطانهم ومصالحها, رغم ان كل منهم يدعي ان ما يفعله ويقوم به, ما هو الا لمصلحتها لا لمصلحته!! ودفاعا عنها لا دفاعا عن أطماعه وأهوائه وتوجهاته, وغيرها من أسباب التدمير واستنزاف الأمن والاستقرار والتنمية والمدنية والحرية والديموقراطية.
ما يجعلني في حالة دائمة من الخوف والقلق من تأثر محيطنا الداخلي ” لا قدر الله ” ببعض امتداداتها الخبيثة وبذورها العفنة, وانتقال عدواها الى الداخل الوطني من جهة, من خلال العديد من العوامل والأسباب الداخلية والخارجية المتسللة بطريقة او بأخرى, لكوننا جزءا لا يتجزأ من مشهد أمني وسياسي إقليمي, وخارطة ثقافية واجتماعية واقتصادية متداخلة عابرة للجغرافيا, قادرة على عبور العمومية الى الخصوصية.
حيث لا ينكر إمكانية تأثرنا بانعكاساتها سوى مكابر مغرور, او منافق جاهل بقراءة التاريخ السياسي وأحداثه وتحولاته, ومن الماضي القريب لنا عبر ودروس, أما من جهة أخرى, وهو الأهم في هذه المرحلة التاريخية شديدة التعقيد والتقلبات, وهو كيف نوجه ذلك الخوف ونحول ذلك القلق والحرص على عمان الحبيبة وشعبها المجيد وقيادتها الرشيدة “حفظهم الله جميعا من كل سوء ومكروه ” الى نتائج وعبر نستفيد منها ووطننا الغالي خلال المرحلة الزمنية القائمة والقادمة, بهدف عبور هذا الامتداد الواسع والمرعب من التجاذبات والمشاققات والفوضى والصراعات والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد؟ ولنتجنب ما وقع فيه الآخرون من مصائب ومشاكل حيال العديد من قضاياهم الوطنية.
والذي ـ للأسف الشديد ـ قد تم استغلاله أسوا استغلال من خلال كل عدو حاقد او خائن كائد او متربص حاسد او طامع فاسد سواء من الداخل او الخارج في تلك الأوطان التي كانت تنعم بالأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة, فأصبحت اليوم تعيش حالة مزرية من الخوف والقلق بعد الأمن, والفوضى بعد الاستقرار, وانتهكت سيادتها الداخلية بسبب التدخلات الخارجية تحت أسباب وشماعات واهية من قبل أعدائها والمتربصين بها, ولو عدنا لاستقراء الأحداث التاريخية في ذلك المشهد الدرامي لمسرحية الفوضى والإرهاب الذي تعم العالم العربي اليوم, لوجدنا انه وبكل بساطة ووضوح, وبدون الحاجة الى كثير من الفلسفة والتفيهق ونظريات المؤامرة, قد وقعت بسبب خلافات داخلية صغيرة بين أبناء الوطن الواحد, كان يمكن ان تحل بالتفاهم والتنازل من اجل “عيون أوطاننا “.
وبالمعنى الأدق انطلقت من طرفي البناء الوطني – الحكومة والشعب – خلافات انطلقت من اختلافات في وجهات النظر حيال بعض القضايا الوطنية الداخلية بينهما, ومن يمثلها منهما, ولان هناك من يعمل ويعيش على التصيد في الماء العكر دائما من كلا الطرفين, فقد وقع المحظور بطغيان العنترية في مواجهة الوطنية, وانعدام الثقة والشك والريبة بينهما على التقارب والتفاهم, فكان ما كان من توجسات أفضت الى صراعات, وصراعات تحولت الى اقتتال, واقتتال دمر كل مدنية وحرية واستقرار وامن وأمان.
ان ما نشاهده اليوم لم يكن ليقع لولا انه وجد بيئة داخلية خصبة تنتشر فيها كل عوامل التخريب والتدمير والفوضى والقسوة والخوف بين أطراف البناء الوطني ـ الحكومة والشعب – , بيئة ينظر فيها المواطنين الى حكومتهم نظرة شك وريبة تجاه تصرفاتها وتوجهاتها وقراراتها ومخططاتها حتى وان كانت صحيحة وسليمة, وينظر فيها الطرف الحكومي الى الشعب نظرة تجهيل وفقدان للوعي وانعدام للمسؤولية الوطنية, وهي البيئة المناسبة كما سبق واشرنا, والتي استغلها خفافيش الظلام والإرهابيين والمخربين.
لذا فان الحل ينطلق من صلب المشكلة, ولا يمكن ان يأتي معلب من الخارج, وبمعنى آخر, فان الوسيلة الوحيدة لاحتواء هذه الحالة مرتبط بقاعدة اجتماعية وسياسية تاريخية واحدة وهي بدورها مرتبطة بالثقافة السياسية الجديدة والتي تفرضها إستراتيجية التنمية السياسية والاجتماعية والإصلاح وتحديث المؤسسات بما يواكب المرحلة الحضارية الراهنة, وتلك القاعدة تقوم على: التشاركية الاجتماعية والسياسية.
بحيث يجب أن تدرك الأنظمة السياسية الحاكمة أن العصا الغليظة لا يمكن لها أن تحقق النتائج المرجوة دائما كما يدعي البعض, أو أن من يملكها لديه الفرصة المثلى لفرض تعريفاته على الواقع, كما أن المجتمع الواعي لضرورات المرحلة التاريخية يدرك تمام الإدراك بأنه مطالب بالمثل, أي بالمساهمة في نشر الوعي السياسي والتاريخي بأهمية الاستقرار المرحلي والوطني وعدم الانسياق وراء المصالح الشخصية والرغبات الآنية والانشقاقات والتشاققات والتجاذبات والصراعات الاجتماعية والثقافية الداخلية وأصوات الفتنة والإرهاب في الداخل والخارج, تجنبا للدخول إلى مرحلة الصراعات والنزاعات والحروب الأهلية وبالتالي فتح الباب في كثير من الأحيان للتدخلات الخارجية في الدولة.
وكما يقول الآن تورين من انه ( ليست المشاققة الثقافية سوى طليعة النزاعات الاجتماعية, وأنها ـ أي تلك المشاققات بين أفراد المجتمع وخصوصا النخب الثقافية والسياسية والاجتماعية الثورية ـ تزداد عنفا بقدر ما تتضاءل القوة السياسية للحركة التي تحمل المشاققة: أي بقدر ما تتناقض قدرتها على التحكم بالتطور السياسي) , حيث يولد نتيجة ذلك كما يؤكد ارنست غيلنر( تنافس وتصادم شديد بين المدافعين عن الوضع الراهن وبين الذين يريدون ويكافحون من اجل التغيير, وينتقل هذا التنافس والتصادم إلى السلطة التي تحمل هذه الأيديولوجية ويجعلها وسيلة للوصول إلى أهدافها).
وهو ما نشاهده – للأسف الشديد – على العديد من المجتمعات العربية اليوم, حيث نلاحظ استمرار تجاذباتها السياسية وشقاقاتها الثقافية السلبية التي يتشارك في المسؤولية التاريخية عنها كل من المجتمع والنظام السياسي أو الشعوب والأنظمة الحاكمة, والتي لم تستطع حتى اللحظة التاريخية الراهنة أن تتجاوزها بعد أنانيتها الثورية ومصالحها الفردية وأطماعها السياسية, لذا فان استقرار أنظمة الحكم القائمة والقادمة في العالم العربي, مرهون بمدى تشاركية هياكل الدولة وبتفهم كل طرف منها لحدود وصلاحيات وحقوق وواجبات الطرف الآخر, والاحترام المتبادل لإنسانية وكرامة الأفراد من قبل الحكومات, ومحافظة الجماهير الشعبية على هيبة الدولة والنظام القائم.
وباختصار شديد، فان ثقافة السعي للاستقرار وتوطيد الأمن , وترسيخ مفاهيم العدل والحرية والديمقراطية والتنازلات من قبل أطراف النزاع في أي حضارة إنسانية, أي الفرد والمجتمع, أو المجتمع من جهة والحكومة والنظام السياسي الحاكم من جهة أخرى, هي الثقافة السياسية التي كما سبق واشرنا يجب أن تسود وتحل محل الفوضى والمشاققات الثقافية والتجاذبات السياسية والنزاعات الاجتماعية والعنترية وسياسة عرض العضلات من قبل أطراف البناء الوطني, والتي ( تفرضها إستراتيجية التنمية السياسية والاجتماعية والإصلاح , وهي الثقافة التي تحل النزعة النسبية في وعي السياسة والمجال السياسي محل النزعة الشمولية, وتحل التوافق والتراضي والتعاقد والتنازل المتبادل محل قواعد التسلط والاحتكار والإلغاء، فتفتح المجال السياسي والاجتماعي بذلك أمام المشاركة الطبيعية للجميع) وبالتالي الاستقرار العام للدولة والمجتمع, وهو بدوره سيؤدي لاستقرار الأنظمة الحاكمة والأوطان في نهاية المطاف.
بناء على ما سبق ذكره, فإننا في عماننا الحبيبة مطالبون جميعا اليوم وكل يوم, وبلا استثناء حكومة وشعب الى الانتباه الى تلك المشاهدات والمخاطر سالفة الذكر, وان ندرك ان العدو الأخطر والأشرس علينا وعلى أوطاننا, كما اثبت التاريخ والواقع السياسي المشاهد في العديد من الدول العربية, هو نحن, وان نقع فيما وقع فيه الآخرون واقصد على وجه الخصوص انتشار الخلافات الداخلية والمشاققات السياسية والفكر العنتري وسياسة فرض العضلات , وتوسع دائرة الشك والريبة او الخوف والقسوة ” لا قدر الله ” بين طرفي البناء الوطني, وهو أمر يمكن تجنبه بالعمل المشترك والنقد البناء والتدافع الايجابي ,وبث روح الثقة بين الطرفين , وان نكون بقدر المسؤولية الوطنية والمرحلة التاريخية.
ولله الحمد والفضل فقد انعم الله على هذه الأرض الطيبة بان يكون عليها شعب رائع جميل وفي لأرضه وقيادته, وقيادة سياسية حكيمة وواعية ومحبة لشعبها وأرضها , تمكنت من ان تجنب البلاد والعباد ويلات الحروب والصراعات والخلافات, وهو أمر يجب المحافظة عليه بإرادة الشرفاء المخلصين , ومحبة الأبناء الأوفياء الصادقين لتراب وطنهم والالتفاف حول قيادتهم, وان كان من كلمة تقال في هذا السياق فهي تلك التي قالها باني نهضة هذا الوطن العزيز , حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حول قواعد وأسس السياسة الداخلية الوطنية التي يجب ان تسود بين أطراف البناء الوطني, حيث قال ـ حفظه الله ـ من إن السياسة التي اخترناها وآمنا بها هي دائماً وأبدا التقريب ‏والتفهم بين الحاكم والمحكوم، وبين الرئيس والمرؤوس، وذلك ترسيخا للوحدة الوطنية وإشاعة ‏لروح التعاون بين الجميع، أكان ذلك بين من يشغلون المناصب العالية في الحكومة وبين معاونيهم ‏والعاملين معهم أو مع بقية المواطنين.
حفظ الله عمان وشعبها وقيادتها من كل سوء, وجنبهم القلاقل والفتن ما ظهر منها وما بطن , ووحد شملهم وجمع بينهم حول أرضهم وقيادتهم ,, اللهم أمين.

إلى الأعلى