السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. بين الشباب والشيخوخة كلمة

رحاب .. بين الشباب والشيخوخة كلمة

عندما أذهب إلى الصلاة في المسجد المجاور لمنزلنا ألاحظ أمرا يستوقفني كثيرا، أرى مشهدا يتكرر منذ أربع سنوات. مضت السنة الأولى ولم يكن يلفت انتباهي، ومضت السنة الثانية ولم يكن يثيرني ومضت السنة الثالثة؛ فبدأت ألاحظ أمرا دفع فضولي للملاحظة والمراقبة والمتابعة. هناك رجلان يصليان دائما جميع الفروض في نفس المسجد، فهما منقطعان للعبادة إذ لم يعد أي منهما مشغولا بأمور العمل والدوام والمعاش. فأما أحدهما فقد تجاوز الثمانين ولم يعمل في وظيفة طيلة حياته، يعيش حياته ببساطة، يسكن بجوار المسجد، ويمتلك سيارة ذات دفع رباعي يقودها بنفسه، ويعيش مع زوجته الشابة التي تزوجها منذ سنوات وأنجب منها ذرية صغارا، علما بأن أبناءه من زوجاته السابقات صاروا كهولا، وبعض أحفاده يكبر أبناءه من زوجته الأخيرة بسنوات. يلبس كالشباب من غير تكلف، ولا أظنه يفكر بالشيخوخة مطلقا، فهو يعيش حياته مرحا، بشوشا، يتعامل مع الحياة بسهولة، حياته غير مقيدة بسنين عمره، يعيش يومه بكل حيوية ونشاط، ينبض قلبه كالطفل، ويتصرف بتلقائية، يغير مكان صلاته باستمرار، فتارة أراه يصلي خلف الإمام مباشرة وأحيانا يصلي ناحية الجانب الأيمين وأحيانا أخرى يصلي في الصفوف الخلفية. يقوم الى الصلاة بسرعة وهو مبتسم، وكأنه يغالب ضحكة ساخرة، كما لو تذكر نكتة أو طرفة. وبمجرد أن يرد السلام يقوم سريعا ويذهب إلى صدر المسجد متكئا على أحد أعمدته. بينما يغالب الرجل الأربعيني آلاما كثيرة ويقتلع جسمه من الأرض بصعوبة عندما يسمع نداء الإقامة، وعندما تنتهي الصلاة يبدأ يشتكي ويتأوه ويظهر التوجع والأنين. ويظهر لمن لا يعرفه كما لو أنه في الثمانين من العمر؛ بينما يبدو العجوز الثمانيني كما لو كان في ربيع رجولته وازدهارها.
مرت أربع سنوات والرجل لا ينال منه الزمن، ولا يبدو عليه التعب أو الإجهاد ولم أسمعه يوما يتحدث عن المستشفى أو عن الأدوية. أما الآخر فهو يهرول باستمرار بين المستشفيات المدنية والعسكرية، بل وكان كثير الإلحاح على ميزانيات الابتعاث الطبي فسافر الى تايلاند والهند وألمانيا. يتردد على القراء والرقاة والمشعوذين وغيرهم. يظهر ألما وأنينا ويبدو مرهقا باستمرار. يتحدث بامتعاض عن الأطباء، وعن محاباتهم، وعن أنواع الأدوية، ويشكو ويتذمر من ظلم الصيادلة الذين يصرفون له أدوية فاسدة، بينما يتحدث الرجل الثمانيني عن لحم الإبل(المعجين) الذي يتلذذ بأكله مع شحم سنام الجمل، ويتحدث عن السمن البلدي الذي لا تطيب له العصيدة إلا به. ولم أسمعه يوما يتحدث عن الشيخوخة، ولم أره يوما إلا باسما، يسوق سيارته بين الجبل والمدينة، ويتعامل بسهولة تامة مع أحداث الحياة.
يعيش الرجل الثمانيني عمره بكل استمتاع وإثارة، ويعانق حماسه الحياة، ويعتبر كل يوم كما لو كان تاريخ ميلاد؛ بينما بدأت حياة الرجل الأربعيني في الأفول، يتجمع حوله المصلون في دبر الصلوات للاطمئنان على صحته، يهنئونه بالسلامة، ويواسونه، ويتذمرون له، ويظهر تأثره بكل ذلك، وبدأت خلايا جسمه بدون أن يشعر تستجيب لتلك التأوهات، وبدأ ظهره وأطرافه تتفاعل مع كل ذلك، وخلال أربع سنين زحف الرجل نحو خريف العمر، يتشبث بالحياة خائفا. يشكو المرض والفاقة ويظهر القلق والخوف من الموت.
إن الحياة قبل كل شيء تعتبر وعيا، فكما نعيها وندركها ونشعر بها نعيشها. وعلى قدر ما يكون وعينا بحياتنا إيجابيا؛ فعلى قدر ما تكون حياتنا سعيدة ومثمرة وصحية وناضجة، والعكس عندما يظهر الناس التذمر والسخط والأنين؛ فإنهم يجعلون حياتهم فعلا معاناة وسلسلة من الألآم والمتاعب.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى