الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر .. بعد سنوات عطاء.. ترجّل الشاعر الخروصي

بداية سطر .. بعد سنوات عطاء.. ترجّل الشاعر الخروصي

ما من شمس تشرق إلاّ ولها غروب، لكنّ غروب بعض الشموس إشراق، لتحوّلها بدورا في الدّجى. ولعلّ الخروصي شاعر الوطن والشباب من القلّة النادرة في هذه السّمة. فهو شاعرنا الذّي فاحت كلماته كشذى الرياحين تستساغ كل حين، فتنوعت بين مديح مقبول وثناء سويّ، وبين وعظ ورثاء، وزهد ووصايا وغير ذلك، فأضحت كلماته تلوح في أفق عشّاق الكلمة وصنوها، خاصة حينما يغرّد في حب الوطن لينساب من لفظه حب عارم لا شوب فيه فيتقاطر كلمات صافية صفاء قلبه. تارة يقطر دافعا للشباب نحو الرقي والنهوض، وأخرى يزكي الهمم ويدفع الأمل فيسناب خريرا، فيتدفق منه كلم عذب زلاله، سهل هضمه يسير وليس بعسير لتبقى مفرداتك باقية لن تموت. ولكن، كما يقول المثل : “لا يبقى المرق اللذيذ طويلا في القِدْر”.
يوم ليس كبقية الأيام، مصادفة أقلب فيه صفحات التواصل الاجتماعي منذ الصباح الباكر كدأبي لأتقصى جديد أحبابي ومعارفي وأساتذتي وفقهائي فصدمني خبر لم أصدّقه، وهو يحمل عنوان: (وداعا يا حمد)، ذهلت وصعقت ولم أتمالك نفسي فرفعت سماعة الهاتف لأتأكد من صحة الخبر، فأكد لي محمد قائلا: رحمة الله تغشاه. نعم فقدناه بالأمس..!! ظللت عاكفا مع نفسي والصمت ينتابني فزارني الرفاق والصحب إلى داري فوجدوني على غير عادتي. أخبرتهم بأني فجعت بنبأ غير سار وفاة أحد الرفاق، فشاركوني همي وحزني على رحيل صاحب القلم والفكرة شاعر الوطن والشباب إلى مثواه.. رغم أنه القائل : ” أنا حي يا بلادي، أشعر بقلبي نبض لو أنه بطي، لكن بقلبي نبض ما زلت أتنفس شعرا، وأبحث تحت ظل الحجر عن ضي” نعم يا حمد ما زلت حيا بأنفاسك وكلماتك خير شاهد لك، إلا أنك يا صديقي وكأنك شعرت بدنو أجلك فأطلقت رصاصات من الحزن في سفرك وربما كان شعور منك أنك ستلفظ أخر أنفاسك في تلك الديار حين قلت: ” من موطني أرض الغياب إلى غياب أرض الوطن، انا بخير وصحتي من يوم سافرت احتضار…الى أخر القول.
أي حزن ذاك الذي شاهدت من المتابعين عبر التواصل الاجتماعي عامة، وعشاق شاعر الوطن خاصة وقد فارقوا شخصا عزيزا على قلوبهم، خطفه الموت بين عشية وضحاها، وترك لهم ذكريات مؤلمة ستنتابهم دون ريب وأبناء السويق على وجه الخصوص. إنّني أشاطرهم هذا الحزن، لأنني أعتبر نفسي ابنا للسويق وإن كنت غير مقيم.
رحل أبو عبدالله وقلمه ظلّ من بعده شاهدا على أشعاره الرّاقية والباقية والتي خلّدت بصمة شفافة لكثير من الأحداث وبقيت دماثة خلقه وتجاربه درسا يتعلم منه الكثير من بعيد أو قريب. إن الإنسان ـ يا أصحابي ـ مهما عاش طويلا فلن يبقى إلى الأبد. وقد قال الشاعر: لقد علمت لتأتينّ منيّتي *** إنّ المنايا لا تطش سهامها.
ما يبقى بعد حياة المرء هو ذكرياته الجميلة في النفوس. والإنسان بعد موته إما أن تجد له حسا خالدا بيننا أو صمتا لا حديث بعده عنه. رحلت يا أبا عبدالله فلا نملك إلا أن نتوجه إلى الله لك بالدعاء وأن نعزي أنفسنا برحيلك فلقد كنت معلما نافعا لأبنائك، ورجلا خلوقا ودودا فشممنا فيك مباشرة رائحة القيم بأنواعها من حب ولطف وصدق وتواضع فأيّ حزن شفيف ورهافة حس نقلتها أناملك..؟ وأي شعر مرهف الحس طرحته بين سطورك حين تصيح بأعلى صوتك: يا رجال! يجيبك كل الرجال: نعم. غير أنّ كلّهم لا يستحقّون هذه الإجابة، لأنّ رجولتهم لا تعدو أن تكون بيولوجيّة فحسب.
لا أجانب الحقيقة إن أخبرتكم بأن لقائي بالفقيد كان قليلا واتصالي به كان متقطعا، ولكن خبر وفاته أشعرني بفقدان عزيز غال على قلبي، وأشعر بأنني فقدت شيئا عظيما. نبأ وفاته ترك فينا فراغا كبيرا. كلمة حق لا بد أن نقولها عبر منبر الوطن ومنابر التواصل الاجتماعي الذي تألق فيه شاعر الشباب فكان بيته الذي يمده بالتيه والطاقة.
أغتنم هذه الفرصة لأدعو الله لرفيقنا أن تغشاه الرحمة وأن يوسع الله عليه في قبره وأن يبدل سيئاته حسنات وأن يلهم أهله ورفاقه وذويه الصبر والسلوان. ولا نملك إلا أن نقول كما يقول الصابرون: إنا لها وإنا إليه راجعون.

خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan1oman@gmail.com

إلى الأعلى