الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قناة السويس ..تاريخ من الإنجازات والأحزان المصرية

قناة السويس ..تاريخ من الإنجازات والأحزان المصرية

محمد عبد الصادق

”.. في السادس والعشرين من يوليو 1956م قال جمال عبد الناصر في خطابه الموجه للأمة :” التقيت رئيس البنك الدولي يوجين بلاك, وطلبت منه الموافقة على تمويل السد العالي .. بدأت أنظر إلى مستر بلاك, الذي كان يجلس أمامي على الكرسي, وكنت أتخيل أنني أجلس أمام فرديناند ديليسيبس, لفظ ناصر “كلمة السر” ديليسيبس لتنطلق عملية تأميم القناة,”
ـــــــــــــــــــــــــــــ

في منتصف القرن الثامن عشر نجح الفرنسيون في إقناع حاكم مصر حينئذ الخديوي سعيد, بأن شق قناة تصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر, سيجلب المجد والثروة عليه وعلى المصريين, ووافق سعيد تحت تأثير الدبلوماسي الفرنسي فريديناند ديليسيبس الذي أغراه بأطباق المكرونة وجعله يبيع حقوق امتياز شق القناة وتشغيلها للقوتين العظميين في ذلك الوقت ـ انجلترا وفرنسا ـ بثمن بخس, وبشروط مجحفة قضت بمشاركة مليون عامل مصري في أعمال الحفر بنظام “السخرة” العمل بدون أجر (كان تعداد مصر وقتها لا يزيد على4 ملايين نسمة) وعلى مدار عشر سنوات هي المدة التي استغرقتها عمليات الحفر قضى أكثر من مائة وعشرين ألف مصري تحت الرمال المنهارة وضربات الشمس ونقص الشراب والطعام وسياط الجلادين, دون الحصول على أدنى تعويض, ومات سعيد قبل افتتاح قناة السويس بأربع سنوات.
وتولى الخديو اسماعيل الحكم, وكان مفتوناً بأوروبا والغرب, ومولعاً بالمظاهر و”الفشخرة”, اضطر للاستدانة من البنوك الأوروبية ورهن حصة مصر من أسهم قناة السويس ليقيم احتفالات أسطورية بمناسبة افتتاح القناة, دعا إليها ملوك وأباطرة أوروبا, وأنشأ من أجلهم دار الأوبرا ومهد الطرق, وأقام الفنادق والولائم والليالي الملاح التي جلب لها أشهر الطهاة والفنانين من أوروبا, دون أن ينال الشعب المصري ـ صاحب الإنجاز الحقيقي ـ أي نفع يذكر اللهم بعض الوظائف الدنيا التي حصل عليها بعض المصريين, بينما استولى الأوروبيون على الوظائف العليا والرواتب الباهظة.
وكانت قناة السويس سبباً في زيادة أطماع القوى الإمبريالية في مصر, وبسببها تعرضت للاحتلال الإنجليزي في عام 1882م, عندما استغل الإنجليز اندلاع الثورة العرابية ضد الخديوي توفيق, وادعوا أن عرابي ينوي ردم قناة السويس, للحيلولة دون دخول الأسطول البريطاني لنجدة الأجانب والخديوي الذي حاصره الثوار, كما ادعوا أن عرابي سوف يمتنع عن سداد الديون في حالة وصوله للحكم, وأنهم جاءوا لحماية حقوق حاملي أسهم قناة السويس, وضمان سداد الديون المصرية للبنوك الأوروبية, وظل الاحتلال البريطاني والشركة الفرنسية صاحبة الامتياز, وحكام أسرة محمد علي يمتصون خيرات قناة السويس حتى جاء جمال عبد الناصر وقام بتأميمها, بعد رفض الدول الغربية تمويل مشروع السد العالي, بسبب دعم مصر لاستقلال الجزائر, ومعاداة ناصر للكيان الصهيوني المحتل لفلسطين, ودعمه حركات التحرر من الاستعمار في إفريقيا.
وفي السادس والعشرين من يوليو 1956م قال جمال عبد الناصر في خطابه الموجه للأمة :” التقيت رئيس البنك الدولي يوجين بلاك, وطلبت منه الموافقة على تمويل السد العالي .. بدأت أنظر إلى مستر بلاك, الذي كان يجلس أمامي على الكرسي, وكنت أتخيل أنني أجلس أمام فرديناند ديليسيبس, لفظ ناصر “كلمة السر” ديليسيبس لتنطلق عملية تأميم القناة, وتنطلق الأطقم المصرية التي كانت تنتظر الإشارة للسيطرة على القناة وتأميمها, وتحويل عائداتها إلى الخزانة المصرية ويعود الحق الضائع إلى أصحابه, وتتمكن مصر من تمويل إنشاء السد العالي.
ولكن قوى البغي والعدوان أبت على مصر أن تستعيد حقها, واجتمعت إرادة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل, على العدوان على مصر, فاتفقوا أن تقوم إسرائيل بالهجوم على سيناء, وتستغل بريطانيا وفرنسا الفرصة بزعم الفصل بين المتحاربين, وترسلان السفن والطائرات للهجوم على مدن القناة, والهدف الحقيقي كان استعادة السيطرة على قناة السويس, وصمد الجيش المصري في وجه العدوان وخرج آلاف المتطوعين المصريين والعرب وتصدوا للعدوان الثلاثي وخاضت الدبلوماسية المصرية معركة دبلوماسية ناجحة, حتى استطاعت, إجبار الدول المعتدية على الانسحاب دون شروط, منكسة الرأس من الأراضي المصرية وتعود قناة السويس بكافة مرافقها وإيراداتها غير منقوصة لأول مرة لتصب في خير ونماء وتقدم الشعب المصري.
وأغلقت قناة السويس لأول مرة منذ تشغيلها, جراء العدوان الإسرائيلي الغادر على مصر في 5يونيو 1967م, وتعرض أهالي مدن القناة للتهجير, حتى جاء نصر اكتوبر واستطاع الجندي المصري عبور القناة ودك خط بارليف وتلقين العدو الصهيوني درساً لن ينساه, وعادت الحياة إلى شطآن القناة من جديد, وعاد المهجرون, وعادت الملاحة مرة أخرى للقناة بعد تطهيرها من آثار العدوان بمشاركة عربية ودولية, وفي 1975م قاد الرئيس الراحل أنور السادات, اليخت المحروسة (الذي بناه اسماعيل منذ 150 سنة, لنقل ضيوف حفل افتتاح القناة واستقله السيسي مؤخراً في افتتاح القناة الجديدة) ليعلن عودة الملاحة إلى قناة السويس, وتستمر عمليات التطوير والتوسيع للقناة بسواعد مصرية, وتتصاعد الإيرادات حتى وصلت في 2014م إلى 5.3 مليار دولار, تصب في الخزانة المصرية.
لم تسلم قناة السويس من حالة الفوضى والانفلات الأمني الذي ساد مصر عقب ثورة 25 يناير, واستطاعت الجماعات الإرهابية اختراق النقاط الأمنية المقامة أسفلها عن طريق نفق الشهيد أحمد حمدي, وأعلاها عن طريق جسر السلام المعلق, و مرور الإرهابيين والأسلحة من سيناء للهجوم على السجون المصرية واقتحامها وقتل الحراس والاستيلاء على الأسلحة, وتهريب المساجين؛ لإحداث حالة من الرعب والصدمة, مكنت الجماعات المتطرفة من السيطرة على مقدرات البلاد, وعقب الإطاحة بمرسي في 30/6/2013م تعرضت الملاحة في قناة السويس للخطر, بعد قيام بعض الإرهابيين الموالين للإخوان, بقصف إحدى السفن المارة في القناة, بغية إيقاف الملاحة بالقناة والإضرار بالاقتصاد المصري.
وعندما جاء السيسي للحكم أراد أن يبدأ عصره بمشروع قومي يلتف حوله المصريون, فكان إنشاء قناة السويس الجديدة خلال عام, وهي قناة بطول 35 كيلو متراً موازية للقناة القديمة, بالإضافة إلى توسعة وتعميق المجرى القديم لمسافة 37 كيلو متراً والغرض من المشروع؛ السماح للسفن بالمرور في الاتجاهين من الشمال للجنوب ومن الجنوب للشمال في نفس الوقت, ورفع الطاقة الاستيعابية للقناة إلى حوالي مائة سفينة في اليوم عام 2023م , فضلاً عن السماح بمرور السفن العملاقة ذات الحمولات الضخمة, وخفض زمن العبور من 18إلى 11ساعة, ورفع معامل الأمان وتقليل الحوادث, ومن المنتظر ارتفاع إيرادات القناة إلى 13 مليار دولار سنوياً؛ خلال ثماني سنوات حسب تقديرات الحكومة المصرية.
كما يعول السيسي على تنمية محور قناة السويس, بإنشاء عدة موانئ ومرافئ خدمية على ضفتي القناة ـ القديمة والجديدة ـ , والبداية ستكون بشرق التفريعة في محافظة بورسعيد بإنشاء مناطق تخزين وتموين, ومنطقة “لوجستية” لصب الحبوب وإعادة تصدير السلع والمنتجات القادمة من أوروبا والصين وشرق آسيا فضلاً عن إنشاء ترسانة بحرية لبناء وصيانة السفن المارة بالقناة, وتوطين وجذب الصناعات الثقيلة والمتوسطة, وتشير دراسات الجدوى لمشرع تنمية محور قناة السويس إلى توفير حوالي مليون فرصة عمل وأكثر من 14مليار دولار عائدات من الضرائب والجمارك خلال السنوات القليلة القادمة, ربما تساعد في انتشال الاقتصاد المصري الذي يعاني العجز وكثرة الأعباء نتيجة سنين الفشل والكسل والفساد.

إلى الأعلى