الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الفن والمجتمع والسياسة

باختصار : الفن والمجتمع والسياسة

زهير ماجد

اذا صح ما قاله ثروت الخرباوي ( وهو أحد أعضاء الاخوان السابقين) ان مرشد الاخوان المسلمين حسن البنا هو من اصدر الأمر بقتل المطربة اسمهان بناء على أمر من المخابرات البريطانية، نكون امام تحويل الافتراضات السابقة الى وقائع وواقع، وان بعض الاحزاب الكبرى التي سطعت في الوطن العربي لعبت أدوارا خارج مضمونها السياسي، لأنها كانت تابعا دائما للآخر ان لم نقل الاجنبي.
لعل هذه المعلومة فاجأتنا مع ان جزءا منها نعرفه او نتصور انه الصح في عملية اغتيال تلك المطربة التي كان لها شأن في عالمنا العربي، وهي السورية التي سطع نجمها في مصر، وكانت مصر دائما حاضنة للفن العربي ولرموزه وما زالت.
كثير من الفنانين ما ان يصبح لهم شهرة حتى تأخذهم السياسة في مسيرتها، لا اعتقد ان فنانا معروفا اليوم الا وله انتماء او على الاقل رأي سياسي في حزب او ظاهرة سياسية. فالفن عادة لم يكن يوما من اجل الفن والا فقد بريقه، بقدر ما كان في خدمة المجتمع والحياة. والفنانون الذين رسموا لحياتهم أبعادا سياسية وجدوا في النهاية انها خدمتهم تماما واطلقت في دواخلهم معالم طريق مهمة، فالسياسة بقدر ماهي لعبة شيطانية، فانها ايضا مصدر وحي اذا قاربت المجتمع وقرأت فيه ووجدت ضالتها. فالحياة الخاوية من كل قيمة لاتنتج إبداعا ولا فنا، وكم من فنان أو شاعر او كاتب بالمقابل قدموا انفسهم قرابين من اجل اوطانهم عاشوا الخلود الى يومنا .. ألم يزل الشاعر الاسباني لوركا حاضرا فينا منذ اغتياله لموقفه الى جانب الثورة الاسبانية، وكم قدم لنا المغني الشهير التشيلي فيكتور جارا مفهوما لتعليم الشعب الأمي بواسطة الموسيقى من اجل مواكبة الثورة وقتل من اجلها .. وكم من محاولة جرت لاغتيال عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم لأنهم ارتبطوا بالثورة المصرية وغنوا لها بل ساهموا في تقديمها للشعب المصري .. وكم وكم .. من الفنانين والمبدعين والشعراء الذين خدموا بأفكارهم مجتمعهم.
ان من يقرأ جورج لوكاش وارنست فيشر وبريخت وغيرهم على سبيل المثال من عمالقة الدفاع عن الأدب الملتزم والكتابة فيه، ستكون لديهم تلك المعرفة الوثيقة لكيفية خدمة الفن لمجتمعهم .. علمنا الوطن ماهو مفيد بالنسبة اليه، فاذا كان الفن في طليعة تلك الافادة، فليست السياسة حكرا على اهل السياسة، بقدر ماهو المطلوب من المثقفين والفنانين أن يكونوا الطليعة التي تبادر في خدمة بلادها، وان تكون صورة الحقيقة التي تغذي المجتمع، فكثير من الناس ترى فيهم هذا الأمر، ويمكن أن يكونوا القدوة في ذلك.
الوطن هو الرقم الصعب الذي ينبغي ان تكون له جل المفاهيم السياسية، والامكانات العقلية المبدعة، والتحف الفنية من قدرات وصوت ونماذج. فلا عجب ان يكون للفنان والمثقف رأي وطني وهو الأجدر بان يحمل على كتفه تلك المهمة وان يكون لها بقدر ماهي له، وان ينتمي بقوة وعزم الى اصوله الوطنية فبقدر ما يعطيها فهي تستأهل منه كل ما يمكن من تضحية ووفاء. الوطم عزيز بأبنائه، فكيف بطليعته المثقفة والفنية التي تحمله كيفما ارتحلت، وهو لايغيب عن عينها مهما كانت المسافات، ويظل بالها مسرحا له بأمانة الصدق والمحبة له.

إلى الأعلى