الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع :المنطقة نحو مزيد من الدماء على مذبح الحل السياسي

شراع :المنطقة نحو مزيد من الدماء على مذبح الحل السياسي

خميس التوبي

على وقع الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمجموعة الدولية المعروفة بـ”5+1″، كثر الحديث عن بدء مرحلة جديدة من العمل تجاه الملفات الساخنة في المنطقة والعالم، وحلحلتها بالتزامن مع محاربة الإرهاب من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن وحتى ليبيا وهلم جرا. إلا أن الأفق لا تزال تغطيه سحب كثيفة من الشكوك، وغطاء سميك من دخان الإرهاب، جراء تمسك المراهنين عليه في إنجاز المشاريع الكبرى في المنطقة تحديدًا. ذلك أن العقل البشري المحدود يستعصي عليه فهم أن من أنتج الإرهاب التكفيري والمرتزق وعمل طويلًا على تربية عصاباته ولم يبخل عليها بالمال والسلاح والتدريب والغذاء والدواء، وبالمعلومات الاستخبارية والإحداثيات للإطاحة بأنظمة الحكم في الدول العربية المستهدفة، أن ينقلب على منتجاته الإرهابية والتكفيرية ويتخلص منها، خاصة وأن الهدف الأكبر في مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير” لا يزال محتبسًا في عنق الزجاجة السورية.
صحيح أن المناخ العام والمزاج السائد يعكسان اتجاهًا نحو إرادة الحل السياسي، وفق ما يشبه المقايضة بين اليمن وسوريا، غير أن هذه الإرادة لا ترقى إلى المستوى المأمول، لا سيما وأن هناك شكوكًا كبيرة وتوجسًا كبيرًا من سلوك المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة، بناءً على المواقف والتصريحات والتصرفات الإسرائيلية من مجمل الفوضى الإرهابية في المنطقة والمعبِّرة عن حالة عدم الرضا لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي. ولعل الأكثر تعزيزًا للشكوك هو التجاوز السريع لما سُمِّي بـ”خلافات” بين الولايات المتحدة وتركيا ـ أردوغان، على خلفية الصراع على مكاسب استعمارية في العراق وسوريا، بالاتفاق الأخير إدارة الحزب الديمقراطي وحكومة العدالة والتنمية على تقاسم الغنائم، ومساعدة بعضهما بعضًا في تحقيق مكاسب سياسية يمكن صرفها في الانتخابات الأميركية القادمة، وفي المحاولات التي يشتغل عليها أردوغان لإعادة الانتخابات بهدف تحقيق نقاط إضافية تسمح لحزبه منفردًا بتشكيل حكومة، وبعزل الأكراد عن العملية السياسية، أو على الأقل تحجيمهم، وهو ما أتاح فتح قاعدة إنجرليك في جنوب تركيا للطائرات والقوات الأميركية بكذبة محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي وحزب العمال الكردستاني.
التناغم الأميركي ـ التركي بدأ يأخذ مداه السياسي والميداني بوصول ست طائرات مقاتلة أميركية من طراز “أف ـ 16″ إلى قاعدة إنجرليك، وبنشر ثلاثمئة جندي أميركي في القاعدة التركية، وبإصدار حكومة العدالة والتنمية في تركيا ومن يقاسمها من العرب الرعاية، الأوامر لما يسمى “جبهة النصرة” بإخلاء مواقعها ونقاط تمركزها في أعزاز وحوار كلس بريف حلب الشمالي. والحجة التي ساقتها الجبهة الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي أن تركيا تعمل لمنع تشكيل دولة كردية في شمال سوريا، وأن الحكومة التركية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد “داعش” هدفهما تحويل دفة القتال حسب أولوياتهما، وأنه “أمام هذا المشهد الحالي لم يكن أمامنا إلا الانسحاب وترك نقاط رباطنا مع الخوارج في الريف الشمالي لحلب ليتولاها أي فصيل مقاتل في هذه المناطق”.
ويبدو من سير هذه التطورات أن هناك تحضيرات تركية ـ أميركية ومن يدور في الفلك الأميركي ـ التركي لإقامة حفلات دم مجنونة ضد الشعب السوري بجميع مكوناته، حيث مقتضى التنسيق العالي والتناغم الكبير بين مُعدِّي هذه الحفلات يشير إلى معطيات:
الأول: إفراغ شمال سوريا من الوجود الإرهابي القاعدي المتمثل في “جبهة النصرة” لصالح تنظيم “داعش” الإرهابي، حيث إن هذا الإفراغ من شأنه أولًا أن يرفع أي حرج عن واشنطن من حيث الزعم بمحاربة تنظيم دون الآخر بحكم أن التنظيمين صادر فيهما قرار أممي (2170) بأنهما تنظيمان إرهابيان، وثانيًا أن هذا الإفراغ يعطي الحرب الإعلامية ضد “داعش” النجاح المراد، من خلال وجود المساحة اللازمة للمناورة والدعاية لإيهام الرأي العام التركي والأميركي بأن التنسيق العسكري والعملياتي بين أنقرة وواشنطن يعطي مفعوله في محاربة “داعش”. في حين أن المراد هو إدارة الإرهاب بتدوير العصابات الإرهابية؛ بمعنى أن يتم إزاحة “داعش” واستهداف مركَّز لمواقع حزب العمال الكردستاني مع دعاية إعلامية ضخمة تسوق نجاح العمليات العسكرية، وإحلال عصابات إرهابية أخرى مكان “داعش”.
الثاني: التوفير في الزمن والجهد والأفراد للإرهاب القاعدي المتمثل في ذراعه الأساسية “جبهة النصرة”، ونقل هذه الوفرة لتعزيز خطوط الإرهاب في مناطق سورية أخرى. وحسب وكالة أنباء “الأناضول” التركية، فإن “جبهة النصرة” بدأت بالفعل في نقل مخزونها الإرهابي من العتاد والأفراد إلى إدلب. وهو ما بدا واضحًا يوم أمس الأول من خلال الاستهداف الإرهابي المركَّز والعنيف للجبهة الإرهابية ضد بلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب الصامدتين في وجه هذا الإرهاب.
وفي خلفية ذلك، يمكن أن نلحظ أن حكومة العدالة والتنمية في تركيا والإدارة الأميركية يسعيان فعلًا إلى تعديل الميزان على الأرض باقتطاع أراضٍ سورية وتسليمها ليد الإرهاب القاعدي الذي يتم الترويج له بأنه “المعارضة المعتدلة”، على أن يتزامن هذا الاقتطاع/الانتهاك مع مروحة واسعة من المشاورات السياسية في عدد من العواصم الأجنبية والعربية تحت شعار “الحل سياسي” في سوريا، وصرف هذا الانتهاك للسيادة السورية في صورة أوراق ابتزاز.
الثالث: تسليم حكومة العدالة والتنمية في تركيا قاعدة إنجرليك للولايات المتحدة، يعني أن المنطقة لا يزال الطريق أمامها طويلًا جدًّا جدًّا للقضاء على الإرهاب والوصول إلى الاستقرار، بل إن المؤشرات تشير إلى أن المنطقة ستدخل نفقًا مظلمًا، فالتوظيف الأميركي للقاعدة التركية لن يكون هدفه قضاء الولايات المتحدة ومن معها على ما أنتجته من إرهاب بحجة تصدير الحرية المزعومة إلى بلدان المنطقة المستهدفة، أو بزعم دعم ثورات الشعوب ضد الأنظمة الديكتاتورية، وإنما هدفه إدارة الإرهاب في المنطقة في العراق وسوريا ولبنان وغيرها، وضمان منصة متقدمة للاقتراب أكثر من إيران. ولهذا، المنطقة مرشحة لمزيد من نزيف الدماء، وحفلات الموت المجاني، هذا إذا ما علمنا أن المطلوب إدخال الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أتون الفوضى الإرهابية بصورة مباشرة بعد أن أدخلت تركيا في العراق وسوريا، وبعد أن استدرجت السعودية في اليمن.

إلى الأعلى