الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نور الشريف وأشياء أخرى ..

نور الشريف وأشياء أخرى ..

مات نور الشريف, هكذا هي الدنيا, يُخفف انتظار الخبر من وقع الخبر نفسه, مؤخرا, لم يكن “نور” الذي يعرفه الناس, هزل جسده وشحب لونه بصورة مفزعة, في تطور سريع ومؤلم, فجع محبي الرجل ومتابعي مسيرته الممتدة لما يقرب من خمسين عاما, اختلط فيها الفن بالسياسة, انعكست عبر مئات الاعمال الفنية, اختلط أيضا فيها الجيد, بأُخر “أكل عيش” كما صنفها “نور” ذاته.
لسنا في مقام تقيم لأعمال نور وإبداعه أو حتى مواقفه السياسية صاحبة التأويل, ولكن وفاة الرجل تثير الشجون وأيضا الرغبة في “المعرفة”, عن “نور” الفنان, وأيضا “نور” ابن جيله وحقبته الثرية المليئة بالاحداث والآمال والآلام, ابن الطبقة الوسطى المصرية المولود في حي “السيدة زينب” في وسط القاهرة وهو من الاحياء التي استقبلت ملايين النازحين من أهل الريف المصري الطامحين في وضع أفضل, بعيدا عما يلاقونه من إهمال ونسيان في القرى والنجوع, موجات من الهجرات الريفية المتتالية الى “القاهرة”, قاهرة الغزاة والناس, والتي ينظر اليها اهل الريف نظرة خاصة, حتى انهم يطلقون عليها “مصر”, أملا في حجز مقعد متقدم في دنيا الرزق, أو البحث عن فرصة أفضل, ومنهم أهل “نور” القادمين من المنيا في أعالي الصعيد.
تفتح وعي نور الثقافي والتعليمي على فترة الستينيات في أوج حراك مجتمعي وسياسي صاعد, وهي الفترة التي سكنته وشكلت أفكاره وتصوراته لمسيرته التي امتدت ولم تنقطع الا بوفاته وتواصلت حتى أحلك فترات مرضه, وكيف لا ؟! وبلاده عاشت فترة التحرر الوطني وتطلعت لأحلام التنمية والاستقلال, خاضت ثلاث حروب في عشر سنوات, وعاشت هموما وأحلاما اممية, امتدت من الشرق من اندونيسيا حتى كوبا مرورا بالجزائر والكونغو ونيجيريا,
ولهذا لم تكن مصادفة ان يبدأ نور أول أدواره السينمائية من خلال فيلم “قصر الشوق” أثناء دراسته في العالي للفنون المسرحية, الفيلم مأخوذ من رواية بنفس الاسم لصاحب نوبل نجيب محفوظ, وهو فيلم ملحمي, التصق في ذهنية من شاهدوه بتقنية إخراج وتصوير متميزة ومتطورة على مقاييس الوقت, حتى على المستوى الفكري والتصور والابعاد الثقافية, مُنحت الحياة الثقافية في مصر بمكوناتها الفنية والادبية قبلة حياة بـ”هامش” من الحرية في النصف الثاني من الستينيات لم يكن موجودا قبلها, فبعد سنوات من التضييق الرقابي, تم تخفيف تلك القيود بضغوط المجتمع, سيما الطلاب منه, فظهرت أعمال مثل “شيء من الخوف” ـ “ميرامار” ـ “ثرثرة فوق النيل”, منحت “نور” وجيله مساحات أرحب للعمل والابداع, أسس من خلالها الرجل لمستقبله المهني والذي شهد ذروة نضجه في الفترة التي امتدت من 1975 وحتى آواخر الثمانينيات, وفيها أدى نور أجمل أدواره التي ظهرت من خلالها شخصيته الفنية الحقيقية, بعيدا عما بعدها أو حتى تخللها من أعمال تأثرت بمتطلبات “السوق” وتحكماته المفروضة على عناصره, وهي الفترة التي انتشرت فيها موجة ما اطلق عليه “افلام المقاولات” والتي شارك نور فيها لاعتبارات “إجبارية”, تحدث عنها في مقابلات متعددة.
في هوجة أفلام المقاولات تلك, خرج علينا نور أكثر من مرة يذكرنا بنفسه, أنا نور, الفنان والاكاديمي, الاستاذ في معهد الفنون المسرحية, يطل علينا, يعتذر عن حضوره “الغائب” لاعتبارات “أكل العيش”, يبهرنا في لقطاته المميزة المُشعة بعد طول غياب.
رصد نور في تلك اللقطات “الأفلام” تحولات ما بعد “الانفتاح”, والتي اكتوى بها نور ورفاقه, والناس, يدور في شوارع مصر “القاهرة” بمفهومها الدارج لدى اهل الريف, يلف مدن مصر الكبيرة, يستعرض كيف سُحقت إنسانية الناس وتبدلت أخلاقهم تحت وطأة الحاجة, وكيف دُهست الطبقة الوسطى, عمدا وكمدا, حتى كادت ان تتلاشى, يدق نور ورفاقه جرس الانذار, مجتمعاتنا تتكلس وتفقد حيوتها وقدرتها على الصمود والمقاومة, ولم لا وعصب تلك المجتمعات يضمحل ويختفي, الطبقة الوسطة, بما تمثله من اهمية في النهوض وحفظ قيم وشخصيات الامم, ينبهنا الى عوار طبقات مجتمعية صاعدة اخرى, خلف غنى فاحش وسلطة مهووسة, “باشاوات” جدد, سماسرة ومقاولين, يطرحون أنفسهم “أسياد” وما دونهم “عبيد”, يحتكرون الدنيا والدين, الثروة والحكم.
في “أهل القمة” و”سواق الاوتوبيس” و”دائرة الانتقام” و”العار” و”الصعاليك” وغيرها, ارتبط نور بجيله من مخرجي مدرسة “الواقعية الجديدة”, محمد خان, عاطف الطيب, علي عبد الخالق, خيري بشارة, داوود عبد السيد, علي بدرخان, حاولوا قدر استطاعتهم رصد تحولات ودق ناقوس الخطر, من خلال تلك الافلام, أحب الناس شخصيات مثل زعتر ـ أهل القمة, وحسن ـ سواق الاوتوبيس, وكمال في العار, ومرسي في الصعاليك, تغاضى الجمهور عن آخرين كانوا دون المستوى, شفاعة لمثل هؤلاء.
في العقدين الأخيرين وتحت ضغط “السوق” والخاضع بدوره لتحولات السياسة والاقتصاد, اتجه نور الى التليفزيون, ملاذ للإطلال على الناس, ساهم في ذلك تراجع حجم الانتاج الدرامي, تسلل الى قلوب خلق الله البسطاء بمجموعة من الشخصيات عبر اعمال غلب عليها “التنميط”, تحت لافتة “الجمهور عايز كده” خرج نور بعباءات الحاج متولي والعطار والدالي وعرفة البحر.
كان نور الشريف رحمه الله فنان صادق مع نفسه وجمهوره, لم يجد حرجا يوما في الاعتراف بسوء أو تدني أحد أعماله أو ادائه الشخصي, صريحا, يشيد بزملائه, يحتفي بنجاحاتهم, كبير, لم يخدع مُريديه أو يضللهم بمظهر كاذب أو إدعاء البطولة, أو قارئ جيد لتقلبات الزمن ومطبات التاريخ, استطاع بحنكة المحافظة على المسافة الآمنة بينه وبين السلطة, يُعرِض بها تارة, ويلوذ بها, “منها”, تارة اخرى !

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى