الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإخوان ومكافحة الإرهاب

الإخوان ومكافحة الإرهاب

” في النهاية لن تستمر الحرب إلى ما لانهاية، وتبدأ عملية سياسية في وقت ما ستكون كل القوى اليمنية طرفا فيها وبرعاية ودعم كل القوى المعنية بالشأن اليمني. وينتظر الإخوان تلك اللحظة ليقتنصوا ما لا يستحقون، ويراهنون على أن هناك في الإقليم والعالم من يدعم فكرة أنهم “البديل للتطرف والإرهاب”.”
ــــــــــــــــــــــــ

هذا الأسبوع يمر عام على تشكيل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، أي تحالف الحرب على داعش في العراق وسورية، والذي يضم عشرات الدول من المنطقة والعالم. وبجردة حساب للعام، تحصى مئات الطلعات الجوية والغارات والضربات ويبرز دور أميركا ودولة خليجية أكثر من أدوار بقية المشاركين. لكن رغم كل تلك العمليات، لا يبدو أن داعش خسر كثيرا بل على العكس توسع التنظيم ليضم مزيدا من الأراضي في سورية والعراق. وقرب نهاية العام كانت أكبر “نكتة” على الاطلاق وهي دعم جماعات مرتبطة بالقاعدة لتحارب داعش وكذلك تشجيع تركيا على المشاركة النشطة في تلك الحرب. أي انه بعد عام من تحالف دولي وغارات وعمليات، خلص الأميركيون والغرب ومن معهم في المنطقة إلى أن من يمكن أن يحارب داعش هم الإخوان: فتلك الجماعات التي تسمى بالمعتدلة في سورية مثلها مثل القاعدة وداعش وغيرها من الجماعات المشابهة في بلدان ومناطق أخرى خرجت من عباءة الإخوان.
يأتي هذا التحول في استراتيجية مكافحة الإرهاب في الوقت الذي يشهد فيه اليمن تحولا أيضا في الصراع في ذلك البلد الذي مزقته الحرب الأهلية ما بقي منه بعد التدمير الذي خلفه إرهاب تنظيم القاعدة لسنوات. وللأسف الشديد، يبدو أن المستفيد الكبير مرة أخرى مما يجري في اليمن هو تنظيم الإخوان الذي صبغ وجوده في هذا البلد بغدر متأصل وتقلب تحالفات بشكل انتهازي طوال الوقت. فالإخوان في اليمن منذ منتصف القرن الماضي كانوا امتدادا مثاليا لإخوان مصر حتى أن قياداتهم الأولين درسوا وتنظموا في مصر، مثل الزنداني والمخلافي. وتحالفوا مع الإمام يحيى في الأربعينيات ثم اغتالوه حين بدت امكانية الثورة عليه، ولما باءت مشروعاتهم فشلا تحالفوا مع أطياف مختلفة بانتهازية انتهت بالغدر . وسعى الإخوان لتعزيز وضعهم بسند قبلي عشائري فاستمالوا آل الأحمر لضمان “عزوة” قبائل حاشد باعتبار آل الأحمر فيهم زعامة حاشد. وظلوا حلفاء علي عبد الله صالح طوال حكمه، وناصروه في حربه على الحوثيين وغيرهم حتى لاحت لهم فرصة الغدر بحليفهم في احتجاجات موجة ما سمي “الربيع العربي”.
ومنذ بدأت الأزمة الحالية، وقف الإخوان على حياد (ليس بالإيجابي، وانما الانتهازي) حتى يتضح لهم لمن تميل الكفة ليقفوا في صفه ويحوزوا قدرا من كعكة لم يكتووا بنار إعدادها وخبزها. حتى موقفهم في بداية عاصفة الحزم اثار خلافا مع التنظيم الدولي للإخوان إلى أن التقى الطرفان (كما يلتقي الإخوان في النهاية بكل التنظيمات المتشددة والإرهابية التي هم جذرها) مؤخرا إلى الصف بجانب التحالف العربي. ولأن البعض في التحالف لا يثق بهم، والكل قد جرب غدرهم من قبل، لم يجد الإخوان صدى لموقفهم ـ خاصة وأن قدرا من قبائل حاشد متحالف مع الحوثيين. لكن ما أن بدا البلد تعتصره نتائج الحرب، وبدأت موجات مساعدات من دول الجوار وغيرها حتى استعاد الإخوان موقعا متقدما في تولي الجهد المحلي لتوزيع المساعدات عبر واجهاتهم من منظمات الإغاثة والجمعيات الخيرية. وهكذا يضرب تنظيم الإخوان في اليمن عدة عصافير بحجر (ليس حجره بل جاء تبرعا من غيره) أهمها أن يقدم رجاله كقادة محليين يكسبون تعاطف الناس معهم في المناطق الأشد عوزا.
في النهاية لن تستمر الحرب إلى ما لانهاية، وتبدأ عملية سياسية في وقت ما ستكون كل القوى اليمنية طرفا فيها وبرعاية ودعم كل القوى المعنية بالشأن اليمني. وينتظر الإخوان تلك اللحظة ليقتنصوا ما لا يستحقون، ويراهنون على أن هناك في الإقليم والعالم من يدعم فكرة أنهم “البديل للتطرف والإرهاب”. المسألة تشبه إلى حد كبير حكاية الحاخام واليهودي الفقير الذي اشتكى من ضيق مسكنه وكثرة عياله، فجلب له الحاخام خنزيرا يعيش معه فأصبحت مشكلة الفقير التخلص من الخنزير وليس توسعة السكن. فإذا لم تقبل بالإخوان، قلبت الجماعات المتطرفة (الإخوانية الأصل) حياتك جحيما حتى ترى الحل في حكم الإخوان!! هذا بالضبط ما يفعلونه في تونس ومصر وليبيا وسوريا ـ وفي اليمن يخلطون بينه وبين الانتهازية للاستفادة من الدمار والخراب.
من المهم التحذير مبكرا من أن تدين اليمنيين البسطاء يمكن أن يجعلهم فريسة سهلة لتنظيم كالإخوان لا هم له سوى ان يحقق على أنقاض هذا البلد ما فشل في تحقيقه في بلاد متماسكة اكثر وأفضل حالا نسبيا. ولا أجد هنا للتأكيد على التحذير أفضل من المثل القديم: “من كان دليله غراب، لا يدله إلا على رمم الكلاب”. ومن أراد ألا يتخذ الغراب دليلا فلا يتخذ الإخوان بديلا، لا في اليمن ولا في سورية ولا في ليبيا ولا غيرها.

د.أحمد مصطفى* كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى