الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيف تأرجح تاريخ العراق بين المال والعنف

كيف تأرجح تاريخ العراق بين المال والعنف

أ.د. محمد الدعمي

” ..على الرغم من تأكد المراقب الفطن من أن الرئيس باراك أوباما لا يمكن أن يعيد أميركا إلى العراق لتصحيح الخطأ التاريخي، فان ما ستتمخض عنه تفاعلات اليوم تبدو وكأنها تنذر بحرب أهلية، خاصة بعد أن رفض قادة الكتل والتكتلات السياسية الذين احتلوا مناصب أساسية في الدولة العراقية حتى قبل أيام قلائل، أقول عندما رفض هؤلاء الإذعان لأمر رئيس الوزراء باقالتهم…”
ــــــــــــــــــــــــــ

إذا كان عنصرا المال والعنف أهم أداتين وظفتهما حكومات العراق الشمولية قبل 2003 على سبيل البقاء في السلطة وتقوية قبضتها عليها، فانهما أداتان ترأى لنا بأنهما قد حذفتا من التاريخ السياسي للعراق، لحظة استلام الديمقراطية والفيدرالية، هديتا الولايات المتحدة للشعب العراقي، المغلوب على أمره منذ تأسيس دولته الفتية في بداية القرن الماضي.
وإذا كان عنصراً المال والعنف قد خفت إشعاعهما مع استبدالهما القسري بالديمقراطية واللامركزية الفيدرالية، فان الثنائي الأول (اي العنف والمال) ما لبث وأن طغى على سطح السياسة والسلطة في العراق، مبتلعاً المثاليات والقيم التي قدمتها أميركا للعراقيين دون التأكد من مقدرتهم على التصرف بها على نحو عقلاني متوازن، فابتلع الثنائي القديم، الذي صار سياقاً عبر التجربة والمحكات التاريخية الرئيسية، الثنائي المكتسب، بمعنى أن الطبيعة قد ابتلعت التطبع. وسرعان ما استحالت الديمقراطية الى دكتاتوريات بدلاً عن دكتاتورية واحدة: فقد أزيح صدام حسين لتحل محل دكتاتوريته، دكتاتورية الطائفة ودكتاتورية العصابة ودكتاتورية الميليشيا ودكتاتورية فرق الإعدامات المتحركة على أطوال شوارع بغداد ومدن العراق الرئيسية الأخرى. وإذا كان الدرس النهائي لكل ما جرى في العراق منذ سنة 2003 يتلخص في صعوبة، بل واستحالة، التناغم مع قيم ومعايير تأتي من الخارج مسلفنة ومهيأة للتصدير وللاستهلاك المحلي، فان الفوضى الناتجة عن جميع التفاعلات التي جرت، وتجري الآن على نحو ساخن ومتسارع توجب على القوى الأجنبية التي تأكدت الآن بان العراقيين قد عجزوا عن استخدام قيم الديمقراطية والفيدرالية استخداماً أمثل بمعنى الاستخدام الذي يقدم لهم حياة أفضل وأكثر رفاهاً ورخاء. إن هذا العجز قد استحال الى عبء تاريخي، بدليل ان الذين امتطوا القيم أعلاه مع امتطاء العجلات الأميركية المدرعة قد حصدوا منها ثروات أسطورية كانوا قد وظفوها لتكريس العنف وإعادة تفعيله، درجة تحويل أجهزة الأمن السابقة التي كانت تحاسب من قبل الدكتاتور، الى ميليشيات وعصابات تسيطر على مختلف أدوات وأذرع الدولة على نحو لا مركزي، بمعنى الكلمة. لقد تم انتداب الفيدرالية لخدمة الشموليات السلطوية الجديدة التي حصلت عليها قيادات طارئة لم تحافظ حتى على جنسيتها العراقية كي تتأهل للخدمة الوطنية العامة. بل ان على المرء أن يجلس مطمئناً من أن جميع المناصب الرئيسية في الحكومة العراقية قد تم استعمارها، ليس من قبل بريطانيا مباشرة، وإنما من قبل أفراد من مواطنيها: وهكذا خرجت بريطانيا من الباب، لتعود من الشباك بعد عقود مظلمة، وبعد سلسلة حروب لا تبقي ولا تذر، للأسف.
ولا يدري المرء على نحو دقيق، فيما اذا كان من واجب الولايات المتحدة الأميركية رعاية وسقاية نبتتي “الديمقراطية” و”الفيدرالية” اللتين استزرعتهما في ارض الرافدين قبل أكثر من عقد من السنين، أم لا. وعلى الرغم من تأكد المراقب الفطن من أن الرئيس باراك أوباما لا يمكن ان يعيد أميركا الى العراق لتصحيح الخطأ التاريخي، فان ما ستتمخض عنه تفاعلات اليوم تبدو وكأنها تنذر بحرب أهلية، خاصة بعد أن رفض قادة الكتل والتكتلات السياسية الذين احتلوا مناصب أساسية في الدولة العراقية حتى قبل ايام قلائل، اقول عندما رفض هؤلاء الإذعان لأمر رئيس الوزراء باقالتهم في سبيل توفير شيء من المال لإصلاح الخدمات الأساسية التي خربتها الفيدرالية والديمقراطية، فانهم قد أطلقوا مارداً أعمى للفوضى. ثمة أيام تنذر بما لا تحمد عقباه يمكن استمكانها من الآن طي المستقبل القريب.

إلى الأعلى