الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. على السوري أن لا ينساق وراء معسول كلام أعدائه

رأي الوطن .. على السوري أن لا ينساق وراء معسول كلام أعدائه

حين أطلقت فوضى “الربيع العربي” المركَّبة من الإرهاب والعنف والتدمير، كان الكلام على أشده في زحمة أحداثها الدموية والفتن الطائفية والمذهبية والخلافات العارمة عن مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والتعددية السياسية، حيث رفع الجميع من تنظيمات إرهابية تكفيرية وممولين ورعاة هذه المفاهيم في ساحات الإرهاب والخراب والقتل والتدمير، وفي سياق هذا الإرهاب والتدمير والقتل الممنهج كانت هناك حاجة ملحة لتحديد تلك المفاهيم المستخدمة، والتدقيق في أشكال توظيفها الأيديولوجي لدرجة اعتبارها عند تلك التنظيمات والرعاة والممولين صكًّا شرعيًّا يخولهم جميعًا إنزال القتل والتدمير والتكفير أيضًا بمن يخالفهم، في استخفاف واضح بالعقول وابتذال فكري وسياسي مقصود أريد من ورائه الإطاحة بالوعي، وخلع العقول من الرؤوس، وإرجاع الإنسانية إلى ما هو أدنى من الحيوانية وإلى ما هو أوضع من الجاهلية الأولى.
ومما غاب عن من سيقوا عنوة أو باختيارهم إلى متاهات تلك المفاهيم وشعاراتها الرنانة والفضفاضة، أن ذلك من المتعذر تحقيقه في ظل تخريب متعمد للبنية الأساسية للدولة ومؤسساتها القانونية والقضائية والأمنية والعسكرية وبنيتها الاقتصادية والصناعية، أي لا يمكن الحديث عن إقامة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في دولة بعد تحويلها إلى أثر بعد عين، والتحجج بأن ذلك هو من أجل تخليص الدولة من الاستبداد والظلم وغيرهما. بل إن تحقيق كل تلك المفاهيم يحتاج إلى دولة قائمة متكاملة البنى من حيث وجود بنية دستورية وقانونية وأمنية؛ أي دولة مؤسسات، ومتى ما اتكأت الدولة إلى هذه المؤسسات والبنى اللازمة في إطار الولاء للوطن واحترام حقوق المواطنة، وسيادة القانون واستقلالية القضاء، واعتبار صندوق الاقتراع هو الحكم والفيصل (انتخابات أو استفتاء) ترسخت فيها تلك المفاهيم.
هذا ما نجده اليوم في الشأن السوري، حيث تتكالب القوى المتآمرة على سوريا لتحويلها أثرًا بعد عين باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والتعددية السياسية والمشاركة في الحياة السياسية وإلى ما هنالك من شعارات أثبتت تطورات الأحداث أنها شعارات مجردة من أي ضمير إنساني أو مبدأ أخلاقي، بل عبَّرت في جميع مراحل تدمير سوريا عن انحطاط أخلاقي وانحلال قيمي. وليس أدل على ذلك مما يجري من استماتة غير مسبوقة لنحر أي جهد دولي أو إقليمي أو حتى سوري يسعى إلى تنفيذ تلك الشعارات التي بها تذبح سوريا وشعبها اليوم من الوريد إلى الوريد، وليس أدل على ذلك أيضًا من الاستماتة في دعم الإرهاب وتجنيد المزيد من عصاباته التي كشفت عن تكالب وأطماع حقيقية أقل ما يمكن وصفها به أنها استعمارية لأطراف قدمت نفسها بطريقة استعراضية أنها مع الشعب السوري وتدافع عنه، في حين كل تحركاتها السياسية والميدانية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أنها تحمل كرهًا متأصلًا ومتجذرًا لسوريا وشعبها وجيشها وقيادتها. كما كشفت عن عمالة وخيانة ونذالة تابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي وخادمة لمشاريعه وأطماعه.
ولذلك ووفق هذا اليقين، ليس غريبًا أن يتقدم المتكالبون المتآمرون خطوات لقطع الطريق عن ما أعلن من مبادرات وما يجري من جهود سياسية لحل الأزمة، حيث ترتكز تلك المبادرات والجهود على مفاهيم الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، ما يحقق الاحترام لرأي المواطن السوري وحريته في اختيار من يقوده في المرحلة القادمة، في ممارسة تجعل المواطن السوري يتمتع بكامل حقوقه المدنية، وتحقق تجليات الديمقراطية في ممارسة حق المشاركة في الحياة السياسية على قاعدة الولاء لسوريا وعبر حرية الانتماء الفكري أو الحزبي، واحترام رأيه في اختيار نظام الحكم، ومن يمثلونه فيه. إلا أن هذا غير المراد لسوريا وشعبها وإنما المراد هو تدميرها عن بكرة أبيها وإلحاقها بليبيا والعراق. ولذلك فإن المطلوب أن يكون الشعب السوري بجميع أطيافه ومكوناته أكثر وعيًا، وأن لا ينساق وراء معسول كلام أعدائه الذين انكشفوا على حقيقتهم بتعطيل الجهود السياسية المعلنة الهادفة إلى تجنيبه القتل والدمار والتشرد ويخلصه من الإرهاب.

إلى الأعلى