الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الريع الإقليمي في الانتخاء العماني

الريع الإقليمي في الانتخاء العماني

عادل سعد

أتحاشى كثيرًا استخدام تسمية الوساطة العمانية بالنسبة لأي حدث من الأحداث التي خاضت وتخوض فيها سلطنة عمان جهودًا من أجل إطفاء توترات، أو خصومات، أو حروب، أو أنواع أخرى من الصراعات المرئية وغير المرئية بين أطراف عربية، منها الأزمة السورية وما جرت على هذا البلد العربي من ويلات وخراب وافتراقات، أو بالنسبة للأزمة اليمنية التي تتوالد منذ عدة أشهر بالمزيد من الدموية والتنكيل والتشفي والتدمير وامتهان الوحشية، أو في أي حراك مشتد على الصعيد الإقليمي.
ولا أكتمكم، إن حرصي على الامتناع من استخدام تسمية (الوساطة) توصيفًا للجهد العماني في هذا الشؤون ينطلق من شعور بضغوط الدلالة النفعية لما يترتب على هذه المفردة من (رسوم ومكاسب)، في حين أن الجهد العماني بعيد كل البعد عن أية نفعية من هذا النوع.
الأصلح للتسمية بنظري أن نقول الانتخاء العماني بكل ما يحمل من دلالة المروءة والمبادرة والنبل وحسن النية، والقراءة الموضوعية لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين الدول، وكذلك الحرص على القيم التي من شأنها أن تبعد العرب ودول الجوار عمومًا عن المضاربات السياسية البشعة التي أكلت الكثير من الآمال والحقوق والتطلعات، وتسببت بخسائر اقتصادية وخدمية جسيمة.
وعندما أقول إن المفاضلة للانتخاء في توصيف التحرك العماني في التصدي لتلك الشؤون الإقليمية والعربية، فلأن ذلك يحظى بالقبول من كل الأطراف، وهذه شهادة بنزاهة الموقف العماني، ولاشك أن هذا القبول والتعويل على دور مسقط له ما يعززه من الاتسام بالهدوء وعدم المفاخرة والإطناب.
إن التعاطي العماني في مسؤولية دفع الأطراف المتخاصمة إلى طاولة الحوار البناء والابتعاد عن (التفاوض بالنار) تترتب عليه توجهات عمانية على درجة من الإخلاص في احترام أسرار تلك الأطراف، والابتعاد دائمًا عن العروض السياسية الفاقعة، وكذلك النأي عن نزعة الاستعلاء أو ادعاء العصمة السياسية.
إن الانتخاء العماني يمتلك أولويات واضحة لإعادة ترتيب أوراق المنطقة بالاتجاه إلى المصالحة وتعبئة الجهود من أجل التنمية والتعاون لحل المعضلات الاقتصادية التي بدأت تتسرب إلى المنطقة وترمي بثقلها الواضح على الجميع نتيجة انخفاض أسعار النفط، وتراجع فرص الاكتفاء الاقتصادي الذاتي وانحسار المزيد من العوامل البيئية التي لها دورها تأهيل هذه الاقتصادات.
وإذا أردنا إيجاد دعائم أخرى لهذا الانتخاء في آليات الدبلوماسية العمانية لخدمة الأشقاء العرب والدول المجاورة الأخرى، فإن المتابع لهذا الموضوع لا يجد صعوبة قطعًا بتأشير نقاط واضحة في السياسة العمانية تلتزم ما جاءت به المقاصد النبيلة للأمم المتحدة ضمن ميثاقها العتيد، وكذلك ما تضمنته قواعد العمل العربي المشترك، ومن المميزات الأخرى له الصبر الواضح في الخطاب السياسي والاتصالات التي تجريها مسقط مع كل الأطراف المعنية، والقدرة على الإصغاء والتقاط العناوين الإيجابية بعيدًا عن أي تهويل أو تشكيك، وبذلك يمكن القول إن الدبلوماسية العمانية متخصصة أصلًا في النظر إلى نصف الكأس المملوء وليس النصف الفارغ.
إن كل التحركات العمانية الإقليمية هدفها الانتباه إلى العوامل المنسية التي يمكن لها أن تؤدي إلىإعادة تأثيث العلاقات بين هذه الأطراف، وعندها يكون قد سهل عليها الالتفات إلى ما ينبغي أن تعتمده في هذا الشأن أو ذاك.

إلى الأعلى