الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قصَّة نجاح لثريٍّ روسي!

قصَّة نجاح لثريٍّ روسي!

جواد البشيتي

أثرياء روسيا الجُدُد يَرْوون، في ظهورهم وصعودهم، قصَّة مختلفة في الثراء..أحدهم، وهو من كبارهم، ومن أكثرهم “نجاحًا، و”ذكاءً”، في جعل “الدجاج” يبيض ذهبًا، قرَّر، منذ خمس سنوات، وعلى ما أفادت ورَوَت صحيفة روسية، أن يستثمر نزرًا من أمواله “القارونية” حيث الغلبة، على وجه العموم، للخسارة، بمعناها الرأسمالي الضيِّق، أي حيث الرأسمال الموظَّف لا يُسْتعاد ولا ينمو إلاَّ بما يؤكِّد “الفشل” في توظيفه واستثماره.
وهذا الموضع، الذي قرَّر هذا “المغامِر الكبير” استثمار نزر من أمواله فيه، كان “الصحافة (اليومية)”؛ وقد كان له ما أراد (وهل في توصُّله إلى هذا الذي أراد ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب؟!) فأسَّس جريدة يومية (سياسية في المقام الأوَّل) مزركشًا إيَّاها بمفردات وعبارات فضِّية وذهبية من قبيل “مستقلة”، و”حُرَّة”، “َتَنْشُد الحقيقة ولا شيء آخر سواها”!
وما أنْ صَدَرَ العدد الأوَّل من جريدته اليومية “المستقلة الحُرَّة المُتيَّمة بعشق الحقيقة”، والتي أشرك في ملكيتها بعض المستثمرين الصغار ليكونوا كالكواكب تدور حَوْل شمسه، حتى تعرَّض لحملة واسعة من الانتقادات القارصة، فبعض منتقديه عابوا عليه سوء خياره الاستثماري، فهذا النوع من الاستثمار ترجح فيه، على وجه العموم، كفَّة الخسارة على كفَّة الربح؛ وبعضهم أخَذَ عليه “أُمِّيته السياسية”، فهو، ذات مرَّة، تحدَّث عن الأخطاء العسكرية القاتلة التي ارتكبها ستالين في أثناء قيادته الجيش الأحمر “في الحرب العالمية الأولى”!
ثمَّ جاءت “النتائج”؛ ومعظمها كان له وَقْعُ الصاعقة على منتقديه وخصومه، فهذا الثري الروسي الجديد الكبير، و”المغامِر” الذي اقتحم عالم الصحافة (اليومية) وعالم السياسة، من ثم، على “أُمِّيته السياسية”، نجح، هذه المرَّة أيضًا، نجاحًا منقطع النظير، ليس في دنيا التجارة والاستثمار فحسب، وإنَّما في دنيا السياسة، بمعنييها الضيِّق والواسع، فجريدته أصبحت كـ”ثقب أسود” لجهة قوَّتها في اجتذاب “الإعلان الحكومي”، في المقام الأوَّل، إلى صفحاتها؛ أمَّا هو فسرعان ما لمع نجمه في سماء السياسة، وصَعَدَ “سُلَّم” المناصب السياسية والعامة، وكأنَّه مؤلِّف “الأمير”!
لعبته “الذكية” و”الشيطانية” انتهت إذ قرَّر هو إنهاءها، فصاحبنا ولَّى وجهه الآن شطر “الدِّين” و”الحياة الآخرة”، وكأنَّ عيشه زمنًا طويلًا في دنيا الفساد والرذيلة، وحيث تتعذَّر الحياة بلا ذنوب وآثام كبيرة وكثيرة يرتكبها المرء، تارةً عن طيب خاطر، وطورًا عن اضطرار، قد نمَّا في نفسه، وقوَّى، الميل إلى الفضيلة والإيمان الديني والزهد الديني عن “متاع الغرور”.
ولقد تحدَّث الآن، في مقابلة صحافية، وكأنَّه يجلس على كرسي الاعتراف، فأماط اللثام عن أسرار نجاحه المنقطع النظير حتى في عوالم لا يملك فيها شيئًا من مقوِّمات النجاح.
سُئِل عن سرِّ نجاحه “الاستثماري (نحو بليوني دولار على شكل ربحٍ صافٍ)” في دنيا الصحافة، التي، على وجه العموم، تَعِدُ المستثمر فيها بالفشل أكثر ممَّا تَعِده بالنجاح، فأجاب قائلًا: “يا له من سؤالٍ غبِّي”!
ثمَّ قال، شارِحًاومعلِّلًا.. وكاشِفًا، إنَّ نحو عشرة بلايين دولار من الربح الصافي قد نالها، ليس ممَّا استثمره من مال في جريدته اليومية، وإنَّما بفضلها، فلقد سخَّر جريدته (بما تضمُّه من مقالات وآراء وتعليقات وتقارير) للعبة الإرضاء والإغضاب لذوي السلطة والنفوذ السياسي، فإذا رضي عنه الرَّاضون من هؤلاء، استثمر سريعًا رضاهم في توسيع حُصَّة جريدته اليومية من “الإعلان الحكومي”، وفي اجتذاب دعمهم الحكومي إلى مصالحه الاقتصادية والتجارية والاستثمارية في الداخل وفي الخارج؛ وإذا غضب عليه الغاضبون، عَرَف كيف يوظِّف جريدته في إرضائهم واسترضائهم، فالجريدة، في رأيه، لا أهمية لها إذا لم يَعْرِف صاحبها كيف يجعل من كل “قطرة حبر” دجاجة تبيض له ذهبًا؛ وإنَّ لعبة إرضاء أو إغضاب أصحاب النفوذ والسلطة هي خير لعبة تُلْعَب توصُّلًاإلى ذلك.
في جريدته، حشد (أي وظَّف) كبار الكتَّاب والإعلاميين والصحافيين، والذين لا جامع يجمعهم إلاَّ هو، أي الرواتب “السماوية” التي يدفعها لهم، ولو كانت وظائفهم بلا أعمال.
وباستجماعه لهم في جريدته اكتسب من القدرات الإعلامية ما يسمح له بالإبحار في أيِّ اتِّجاه تريده مصالحه المتغيِّرة في استمرار، فإذا تغيَّرت مصلحته بما يُلْزِمه أنْ يُوْقِف بعض موظَّفيه عن العمل (إلى حين) أوقفهم؛ ولكن بعد ترقيته لهم وظيفيًّا، وزيادة رواتبهم!
وكثيرًا ما قضت مصلحته في إرضاء واسترضاء بعض أهل الحُكم بإخراج بعض الإعلاميين “المزعجين” من صحفهم، وتوظيفهم في صحيفته؛ ولكن بما يجعلهم في خارج المعترك الإعلامي، فهو، على ما قال، كان يدفع رواتب لكتَّابٍ وإعلاميين في مقابل “عدم العمل”!
ولمَّا سُئِل عن سرِّ جعله جريدته اليومية كسفينة نوح لجهة ضمِّها كتَّابًا وإعلاميين وصحافيين من كل ألوان قوس قزح أجاب قائلًا: لقد أدَرْتُ جريدتي، سياسيًّا وفكريًّا، بكل ما أكسبني إيِّاه عالم التجارة والأعمال والاستثمار من خبرة إدارية، فإذا كان بيني وبين “المكان (أي الهدف)” الذي أريد الوصول إليه صحراء ونهر وبحر وغابات وجبال.. فإنَّني لن أصل إليه إذا لم أملك ما يَلْزَم من وسائل، كالجَمَل والزورق والسفينة.. ولقد وصل؛ ولكنَّه ما أن وصل حتى فَقَدَ الحافز والدافع، فالوصول إنَّما يشبه شيئًا يكفي أن تملكه (بعد جهد وعناء) حتى يَفْقِد، في نفسكَ، أهميته وقيمته؛ وها هو الآن، ومن غير أن يتخلَّى عمَّا جمعه وكدَّسه من مال، يَخْتَبِر جمال وأهمية العيش في عالمه الديني الجديد، وكأنَّه عاقِد العزم على الفوز بـ”الدنيا” و”الآخرة”، فيا له من إنسان يَعْرِف دائمًا من أين تؤكل الكتف!

إلى الأعلى