الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / بلدة “عنجر” في لبنان تمزج بين العمارة الرومانية والبيزنطيّة

بلدة “عنجر” في لبنان تمزج بين العمارة الرومانية والبيزنطيّة

الوليد بن عبد الملك بنى قلعتها في القرن الثامن الميلادي وضمتها “اليونسكو” عام “1984″ لقائمة التراث العالمية

بيروت ـ (العمانية)
يزخر لبنان بالكثير من الأماكن الأثرية التي تؤرخ لحضارة هذا البلد العربي.
وتعد بلدة “عنجر” أو “حوش موسى” بلدة لبنانية تقع في محافظة البقاع شرق لبنان وتمتد على مساحة 20 كيلومترا مربعا، ويبلغ عدد سكانها نحو (2400) نسمة أغلبيتهم من الأرمن الذين قدموا من أرمينيا بداية القرن الماضي.
ويرجع اسم البلدة الحالي إلى كناية “عين جرة” التي أطلقت على الأراضي المجاورة لقلعة “جرة” في أطراف البلدة، وكان الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قد بنى هذه القلعة في القرن الثامن للميلاد، وعلى الرغم من هجرانها في فترة لاحقة، إلا أنه ما زالت بقايا القلعة تعتبر منظرا رائعا حتى أعلنتها منظمة اليونسكو في عام 1984م كأحد مواقع التراث العالمية.
وقد أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بإنشاء مدينة “عنجر” المحصنة على بعد نحو كيلومتر واحد إلى الجنوب الغربي من نبع “عين جرّا” وذلك حوالي عام 705 إلى 715م . ولتنفيذ مشروعه استعان الخليفة بعدد من المهندسين والحرفيين والصناع البيزنطيين العارفين بتقاليد العمارة والزخرفة القديمة الموروثة منذ أيّام الرومان حتى العصر البيزنطيّ.
وتضم قلعة “عنجر” حوالي الـ600 حانوت، يتمّ الدخول والخروج منها عبر الأروقة المسقوفة الواقعة على جانبي الطريقين. ويشكّل التقاء هاتين الطريقين ما يعرف في تاريخ العمارة بـ “البوابة الرباعيّة” التي استخدمت في إنشائها عناصر بنائيّة قديمة تمّ استخراجها من إحدى المنشآت الرومانيّة.
وتضمّ البلدة سورا يبلغ طوله 370 متراً وعرضه 310 أمتار، وشكله مستطيل، ودعم من الجهة الخارجيّة بستة وثلاثين برجاً نصف دائريّ كما دعمت الزوايا بأربعة أبراج دائريّة، يبلغ سمك الواحد منها نحو مترين وارتفاعه سبعة أمتار، كما تضم البلدة القصر الكبير، والمسجد، والقصر الصغير، والحمامات، والأحياء السكنيّة حيث يتألّف كلّ حيّ سكني من بيتين أو أربعة أو ستة بيوت، وهي ذات تصميم واحد وهو عبارة عن بيت غير مسقوف به عدد من الغرف.
وقد شيدت الأبنية في البلدة من خلال أسلوب شاع استعماله في العصر البيزنطيّ ويعتمد على تعاقب مداميك الحجر ومداميك طوب الفخار ويشكل هذا الأسلوب وسيلة للتخفيف من ثقل البنيان ولإعطائه قدرا من المرونة تمكّنه من مواجهة خطر الزلزال، بالإضافة إلى كونه يعتمد على تقنية بنائيّة سريعة التنفيذ ومتواضعة الكلفة، كما تضم البلدة الطريق الرئيسي (وعلى جانبيها عدد من الدكاكين) والبوابة الرباعيّة، والأسوار الجميلة التي بنيت منذ أّيّام الرومان والإغريق.
إنّ حياة “عنجر” لم تدم طويلاً بعد وفاة مؤسّسها، فقد دمرها الخليفة مروان الثاني سنة 744م
إثر انتصاره على منازعه إبراهيم بن الوليد في معركة دارت على مقربة منها، وما لبثت البلدة أن أخذت تتداعى حتى تحوّلت في القرن الرابع عشر الميلادي إلى تلال من الأطلال والتراب وسط مستنقعات، وظلّت على هذه الحال حتى بعد أن نال لبنان استقلاله عام 1943 م حيث بدأت المديريّة العامة للآثار أعمال تنقيب في قطعة أرض من سهل البقاع وهي “عنجر”.
وقد بدا الموقع أوّل الأمر متواضعاً إلى أقصى الحدود، لا سيّما بعد مقارنته بباقي الروائع الأثريّة في لبنان، ولكن لم يأتِ خبراء الآثار إلى عنجر بحثا عن الآثار فقط بل جذبتهم إليها المعلومات التي كانت بحوزتهم، وتوقّع الخبراء أنّه تحت طابع عنجر الرمادي تقبع آثار السلالة الأموية التي حكمت دمشق في القرن الثامن الميلادي والتي أخضعت إمبراطورية كاملة لسلطتها.
ورغم أنّ الحفريات الأثريّة قد تناولت “عنجر” منذ الخمسينات، إلا أن الموقع ما زال يحتفظ ببعض أسراره ولا سيّما من حيث علاقته بمدينة جرّا خاصة أنّ العديد من الباحثين يؤكدون أنّ 30 بالمائة فقط من آثار عنجر تمّ التنقيب عنها، وصنّفت اليونيسكو قلعة عنجر من التراث العربي.
أما اليوم، فتستقبل “عنجر” الزوار بصفة يومية، وتقع على مقربة منها مجموعة من المطاعم التي تقدم سمك الترويت الطازج إلى جانب المأكولات اللّبنانيّة والأرمنيّة. وقد أقيمت في بعض المطاعم أحواض السمك مباشرة ، ولا توجد فنادق في بلدة “عنجر” إنّما يمكن الإقامة في “شتورة” التي تبعد عنها حوالي 15 كيلومترا.

إلى الأعلى