الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السوريون اليوم ومفردات خطابهم

السوريون اليوم ومفردات خطابهم

علي عقلة عرسان

منذ خمسين شهرًا، والرصاص، والصواريخ، والقذائف، والبراميل المتفجرة.. هي أهم مفردات خطاب السوريين فيما بينهم، وخطاب من هم على أرضهم، ممن يساندون كل فريق منهم، وممن يستهدفونهم جميعًا بأيديهم وبغير أيديهم، ومَن يريدون محاربة الإرهاب في العالم بالسوريين وعلى حسابهم، ومَن يطمحون إلى تحقيق توسع ونفوذ وهيمنة في المنطقة، وتعديل نظام العالم، ومَن يريدون ابتلاع وحماية ما اغتصبوه من وطن العرب، والمحافظة على حدودهم ومصالحهم.. وسوريا الوطن الواحد الموحد، ارتفعت فيها رؤوس، وجدت في الاحتراب، والضعف، والفوضى، والتدخل الأميركي.. فرصًا سانحة لإقامة دويلات على حساب الدولة السورية؟! وفي هذا الوضع المأساوي، لم يتردد ذوو المشاريع والطموحات والتطلعات المشروعة وغير المشروعة، في خوض معارك بالسوريين ومعهم، وعلى أرضهم، لتحقيق بعض ما يتطلعون إليه من مكاسب مادية ومعنوية.
فلا يَعجبنْ أحدٌ من ذلك الوضع، الذي أصبح شاذًّا، بل الذي يكاد يكون فريدًا في العالم.. على الأقل من حيث انعكاسه على وطن هو مهد الأبجدية، ومتحف كبير للحضارة البشرية في الهواء الطلق، وللثقافة في عهود الاستقار والعمران.. ومن حيث انعكاسه أيضًا على شعب عظيم، أصبح عرضة لانتزاع: هويته، وجنسيته، ومواطنيته، وأهليته لأن يكون له وطن، أي وطن، حسب أقوال معلَنَة، وعرضة لانتزاع أرضه وممتلكاته منه.. بينما تُنتَزع أرواح بنيه يوميًّا، ويغرق قسم كبير منهم في الفقر، والجهل، والبؤس، والمرَض، والكراهية.. ويضيعون عبر متاهات واسعة جدًّا، هي العالم الواسع، الذي أجبروا على الانتشار فيه، طلبًا للحياة وللأمن في الحياة..؟! لا يعجبنْ أحد من ذلك الوضع الشاذ، بل الفريد.. لأن سوريين: مسؤولين ومتطلعين للمسؤولية، ظالمين ومظلومين، جهلة تاريخيًّا ومتعلمين ومتغطرسين، أغنياء وفقراء، فاسدين ومفسدين.. لأن أولئك وغيرهم، ممن تفصلهم عن الجدارة الأخلاقية، والعقلانية، والعلمية، والمهنية، وعن المؤهلات المهنية الحقيقية، والأهلية، وسلامة الطوية مسافات.. لأن أولئك هم الذين حفروا للسوريين، ولسوريا العظيمة، قبورًا بأيديهم، وفتحوا أبوابها لمن يعيث فيها خرابًا.
وها هي سوريا العظيمة، قد غدت اليوم “مَلْطَشَة”، أبوابها بلا بوابين، وحدودها بلا حُماة ولا حراسات، وأجواؤها مفتوحة لمن يقتحم بلا خوف ولا مساءلة، اللهم إلا من احتجاج وتذكير بأن “ليس من حقه أن يعتدي على بلد ذي سيادة”.. ها هي سوريا الجميلة مضرّجة بدماها، معفَّرة بثراها، ممزَّقة، مهدَّدة .. وها هي قد أصبحت كلها، ساحة “داخلية، وإقليمية، ودولية”، لتصفية الحسابات على حسابها، وأرضًا للفتنة المذهبية البغيضة، المزدهية بالإثم، المرتدية أثواب الدم، تصرخ بشعاراتها وثاراتها، وتفرخ الحقد والبغضاء والموت؟! إن سوريا الجميلة اليوم، بؤرة لصراع المذهبيات، والقوميات، والسياسات، والاستراتيجيات.. وبيئة لكل نوع من أنواع مآسي المجتمعات في أثناء الحروب والنزاعات.. يقصدها، ويتوطَّن فيها، وعلى حساب شعبها وحاضرها ومتقبلها وماضيها، وعلى حساب كل العمران والتاريخ والقيم التي شكلت وجودها ونسيجها السكاني في حاضرها القريب وماضيها.. يقصدها ويتوطن فيها، كلُّ عِتِلٍ يراوده يراوده طموح، أو حلم من أحلام العظمة الفارغة من المعنى والقيمة، وكل من يريد أن يتعلم فن الحرب، وأن يتمرّس في التمترس في الخنادق، ويبدع في اصطياد الناس بالبنادق، ومَن تكتسحه شهوة عارمة إلى أن يقتل، دونما حساب أو تبعات؟! ويأتي إليها كل من له ثارات قديمة، يفترض أنها مع أهل الشام، أو تُستوفى في الشام، وبتدمير الشام..؟! ويتجرأ فيها وعليها كلُّ من يغريه أن يبيع ويشتري، بالأخلاق والدين والمبادئ والوطنية والناس، وكلُّ من يمتعه أن يفتك بكل ما هو روحي وأخلاقي وقيمي وعقلاني وإنساني، وإسلامي، وقومي عربي، ووطني وفق المفاهيم السليمة لذلك كله.. فيفعل ما يريد، من دون وازع أو رادع، حيث يلقى فيها مكانًا، ومستقرًّا، وممرًّا، وصحبة ورزقًا.. ويفتح فيها وباسمها، منها وعليها، أبواقًا لترويج بضاعته وما يريد، ولتشويه من يريد، وليقدم “حقيقته؟!” على حساب الحقيقة، ويمجدها ويعلي شأنها، حتى لوكانت مصبوغة بالدم، ملوثة بالإثم، فاقعٌ افتراؤها، وادعاؤها، وفجورها.
فيا له من مصير لبلد، ويا لها من كرامة لشعب وأرض، لا يجد فيها أكثر الأموات قبورًا أو أكفانًا، بلْه الحديث عن أن وكرامة.. ويا لهذا البلد العريق، سوريا العظيمة، بلاد الشام، أرض الرسالات، التي سأل الرسول الأعظم، محمد بن عبدالله، عليه الصلاة والسلام.. ربه سبحانه وتعالى أن يباركها، بالحديث الذي رواه البخاري: “.. عن ابن عمر قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا”.. الشام، بدمشقها، قلب العروبة النابض، مهد الحضارة العريق، ووطن التعدد والتعايش، وحاضنة أحلام أبناء الأمة وتطلعاتهم المشروعة.. يا لهذا البلد وقد جعلوه أرضًا نابذة لبنيها، ولقوميتها، ولقيمها.. ومهدًا لسفك الدم، ومكان استباحة للحُرَم، وموطن انعدام الأمن، وانعدام الثقة، وانعدام الأمل.. ومرتعًا للمقامرين، والمغامرين، والمجرمين، والفاشلين المدعين، الذين يتنطعون لما لا شأن لهم به، ولا قدرة لهم عليه، ولا مفهومية لهم فيه، وليس لهم صلاح أمر لا في ذواتهم ولا لذواتهم، فكيف يصلح الطالح أمر من يتطلعون إلى الإصلاح والصلاح؟! ها هي سوريا، الوطن العريق، وقد أصبحت مفازات للقساة، ومرابض للوحشية والممارسات اللا إنسانية.. يرتع فيها تجار السياسات، والمبادئ، والمذاهب الدينية. والعقائد، والأيديولوجيات .. وتجار السلع كافة، بما فيها الإنسان، الذي غدا فيها سلعة، بل من أرخص السلع.
تحار في أمر السوريين، حين تجدهم على ضفاف أنهر الوطن، وفي سهوله ووديانه، في جباله وصحرائه.. شقاقًا واقتتالًا وعداءً، وحين لا تجد أن مفردات خطابهم، خلال خمسين شهرًا، لم تخرج عن الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة والمفخَّخات.. وحين تجدهم يغوصون في دمهم، ويشاهدون جثث الأطفال والنساء والأبرياء من مواطنيهم.. وهم لا يتوقفون عن لغة القتل والموت، ولا عن الكراهية التي هي طريق من طرقهم إلى البؤس والموت.. وحين تجدهم أقسى وأصلب وأعتى وأعند، من أن يتزحزحوا من أماكنهم، وعن مواقفهم: “السياسية ـ المذهبية ـ الأيديولوجية ـ الـ.. إلخ”، وكل ما حولهم يصرخ بهم: أن هذا خطأ، بل إثم، بل جريمة، بل قتل للهمم والقيم، بل للوطن والشعب.. وهم في غيهم سادرون؟! نعم تعجب بلا حدود للعجب، لا سيما حين تقف على حقائق تعززها وقائع لا تحصى من هذا النوع الذي يدل على باطل وتشبث بالباطل القاتل.. ولا تكاد تطمئن إلى تفسير لهذه الحالة، ولا لهذا التدبير الذي تقوم به، وتتبعه أطراف التطاحن الوحشي حتى الموت الزؤام. ويزداد عجبك حين ترى كل الأطراف المنخرطة في الاقتتال المهلك، يتكلمون من منابرهم، وأحيانًا من متاريسهم، بلغة تقول: “الحل السياسي هو الحل، ولا يوجد حلول عسكرية للأزمة/ الكارثة.. السورية”، ومع ذلك يذهبون بلا أدنى تردد إلى الاقتتال، ويتمترسون بقوة وراء شواخص القبور التي يرونها رأي العين، وقد استعدت أو تهيآت للاستقبال، سواء أكانت لهم، أم لوطنهم ومواطنيهم. تُرى ما الذي دهاهم، ما الذي يجعل عقولهم تتحجر، وما الذي ينتظرونه، وهم ينظرون إلى ما آلت إليه أمورهم، وأمور البلاد والعباد على أيديهم جميعًا، أو بسببهم جميعًا؟! لو كان الوطن، والشعب، والدين، والحقيقة، والعدل، والحرية، والديمقراطية، و.. و.. إلخ هي الأهداف النهائية، والغايات الحقيقية، لكل أولئك المتراشقين بأدوات الموت.. لكان بعض ذلك يشفع للوطن والشعب والحقيقة، ولكل من/وما أصيب بسبب ذلك.. يشفع لهم لدى من “يملكون الوطن، ومن يتطلعون إلى امتلاكه، ومن تملكوا مصائر الناس، وقرروا عنهم وباسمهم، ما يهلكهم”؟!.. لأنهم، بفرض أنهم لا يشفقون على أحد، ويريدون “الانتصارات” بأي ثمن.. ألا يرون أنهم حينما يصلون إلى أهدافهم تلك، السلطة، والنصر، والثأر.. و.. إلخ ـ هذا إن هم وصلوا إليها سالمين ـ أنهم يفتقدون الشعب الذي يحكمون، والوطن الذي لا يحمون، وإنما بشعبه يكونون ويحتمون، ويثرون وينتفشون؟! أولا يرون أنهم يدمرون مستقبلهم ذاته حين يدمرون، في حاضرهم الدموي، وفي خطابهم الحربوي، ومواقفهم وسياساتهم وخياراتهم المتصلة بكل ذلك.. يدمرون شعبًا ووطنًا، يكمن فيهما كل مستقبلٍ لهم، بل وكل بقاء لحكم، وحاكم، وسلطة، وكل بقاء من أي نوع، يرثي له البقاء ذاته؟!
في الحوارات التي دخلها السوريون، سواء في جنيف١ و٢، أو عبر عواصم أخرى، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء.. كانت هناك أرضية ما، قد تكون وعرة، أو فيها ألغام، أو مشبَعَة بسوء النوايا والخداع والمكر والدهاء.. ولكنها أرض يمكن العمل فيها وانطلاقًا منها، حين تحسُن النوايا، وتكون توجهات الجميع نحو حال سياسي للأزمة/الحرب، حقيقية وجذرية وصادقة. ولكن أولئك المعنيين، أو من يقف من ورائهم، أي هم بالنتيجة، لم ينجحوا في جعلها الأرض التي يحرثونها، ويزرعونها، ويستثمرون فيها، ويقفون عليها جميعًا بثبات، ليستشرفوا منها وطنًا بلا حروب، ولا دماء، ولا جراح، وشعبًا آمنًا مطمئنًّا مستقرًّا بلا مشردين بالملايين، ونكبات تصغُر معها الكوارث والنكبات، مكتفين بهذا القدر الكبير من “القتلى” والجرحى والمصابين، والمعوقين، والأيامى واليتامى والمأزومين، ومن دون أن يزيدوا حجم المآسي، التي ما عاد يحتملها قلب بشر. إنهم لم يفعلوا ذلك، وعادوا للغة الخطاب ذاتها، ولرديفها القول الهذر الذي لا ينقذ ولا يسمن ولا يغني من جوع، بل يسوِّغ الفتنة والقتل وكل ما في ذلك الأفق الكالح من أسى وعجز وقصور وتقصير وبؤس. وهم في كل مساعيهم التالية لوجود تلك الأرضية، “أقصد وثيقة جنيف ١ التي توصل إليها كوفي أنان، ودعمها مجلس الأمن الدولي بقرار ذي قيمة..”.. هم في كل مساعيهم التالية تلك، ظلوا يقولون: “إن الحل سياسي، وعلى أساس جنيف١”؟! ولا يعملون بجدية ومصداقية تذكر من أجل ذلك. ولا تفسير لهذا الموقف، أو الحال، أو الوضع، أو البلبال.. كله، إلا بمراكمة سلبيات على سلبيات، والشك الذي يرجح اليقين، بوجود أقنعة فوق الوجوه، ونوايا سيئة مبيتة، غير معلنة، وبأشياء أخرى أكثر من ذلك وأبعد شأوًا.. تبدأ بالمراهنة على الحلول العسكرية، وبالانتصارات القاصمة لما تبقى من الشعب والوطن والثقة، وتنتهي بالاتهام الأقصى، لمن يخادع ويراوغ ويمكر المكر السيئ.. و.. إلخ، الاتهام بأنه: إما لا يحرص على الشعب والوطن، ويراهما ويرى الدم والدمار، مجرد مطية، لحالة ذاتية مستكبرة، مستعصية على الفهم والحل والإصلاح، وربما تكون حالة أكثر من مرَضية. وإما أن المعنيّ بذلك كله، من أي فريق كان أو من أي طرف في السياسة أو في الميدان، لا يملك قراره، ولا إرادة له فيما يُقرر له، وأنه ليس أكثر من واجهة، أو دريئة، أو ذريعة، أو قناع، أو أداة. وإما هي اللامسؤولية النهلستية، بكل درجاتها ومعانيها، تصرخ بأعلى الصوت: “إنني لا أقدِّر ما أنا هو، وأرانا كل شيء، ولا أريد ذاتي المسؤولة بمقدار ما أريد مسؤوليتي وسيلة لمسؤولية بلا حدود أو قيود أو ضفاف، ولا أكترث بأن يُقال عنى الشيء ونقيضه وهذا الأمر وسواه.. إنما أريد غاياتي، وطموحاتي، وإنِّيتي المتورمة، وأحلامي المعسولة.. وما أختاره وأتبعه هو بعض طرقي للوصول إلى ما أريد؟! وفي هذا الصنف يقع أشخاص كثر ممن ينخرطون في الوضع المأساوي السوري ويتسببون به، وهم رجْل لهم في الدار ورجْل فيما وراء الصحارى والبحار، وداخل الدار وسيلة أو غاية، وخارج غاية ووسيلة. وما داموا قد أمَّنوا أنفسهم، أو أنهم قادرون على تأمين أنفسهم.. فتلك لعبة يلعبونها بدم الآخرين وبمصائرهم وما يملكون، من دون أن يكونوا هم الخاسرين.. وعند اللزوم القرش لديهم وطن، ومن يحميهم من الوطن وطن، ومن يشجعهم على الوطن، حامٍ ووطن؟! وإما، والعياذ بالله من هذا الذي يبدو مهيمنا بشكل ما، وفاقعًا بصورة ما.. وإما أنها حالة الخيانة، والارتباط بمشاريع الآخرين، لا سيما أولئك الذين يعادون سوريا بكل مقوماتها، وقيمها، وأهدافها، وتاريخها.. وبما كانت عليه من قوة، قبل أن يدمروا فيها كل قوة.. ويريدون استكمال تدميرها، بمعرفة أولئك، وباستخدامهم أدوات، واعية لدورها ولما يترتب عليه من نتائج. وفي أيٍّ من تفاصيل تلك الحالة الأخيرة، نحن أمام حالة خيانة وطن، وعمالة لأعدائه، أو لمن هم في حكم أعدائه، ممن لا يريدون لهذا الوطن “سوريا”، وجودًا حرًّا، آمنًا مستقرًّا، ولا أن تكون بلدًا قادرًا على توفير الحماية والاستقرار لشعبها، ولا على القيام بما يستدعيه وضع الوطن صاحب السيادة، التي تُحمى بالقوة والتضحية والمعرفة والحكمة.
نحن السوريين في المأساة، ما زلنا نتراشق، في خطابنا، لغةً مفرداتُها الصواريخ، والقذائف، والبراميل المتفجرة، والمفخَّخات، والطلقات و.. ولا نريد لمفردات اللغة، ذات المفاهيم والدِّلالات والحمولات العقلية والوجدانية والوطنية والروحية، أن تحل محل المفردات النارية بأنواعها القاتلة، ولا نريد للكلام أن يلجُم الحقد، وينهي الحرب، ويفضي إلى الحلول السياسية الناجعة.

إلى الأعلى