الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من مذكرات عربي مهاجر ..

من مذكرات عربي مهاجر ..

ما قبل التعرف على منتدى الكوفة ومحمد مكية ” 3 ”

مع تساقط أوراق الشجر في لندن في خريف العام 1996، ومع تسلل البرد القارس وقرب انقضاء الفصل الدراسي الأول من التحاقي ببرنامج الدكتوراة في كلية (Bartlett) للعمارة للدرسات العليا بجامعة لندن، بدأت مرحلة نضال جديدة. في ذلك الفصل الأول قمت بإعداد مجموعة من الأوراق من متطلبات الدراسة أهمها كانت ورقة نظرية كان مطلوبا تسليمها مع ختام ذلك الفصل هي أهمها على الإطلاق. وخلال هذه الفترة تعرفت على زملاء دراسة من اليابان (ماساكي) الذي كان يسكن في منطقة مجاورة لمنطقتي والأغلى بلندن في شقة تمولها منحته الدراسية مع زوجته وطفله الذي رزق به ذلك العام. وكان هناك صديقي “رابيت” التايلاندي حيث عملنا سوية مع ماساكي على بحث مشترك قدمناه معا كورقة في منتصف الفصل.

في البرد القارس من الكريسماس في البيت عكفت خلالها على قراءة بعض الكتب التي استعرتها من مكتبة الجامعة منها كتب في الفلسفة والأدب لتشالز ديكنز ما زلت أذكر كتاب (Oliver Twist) الذي كنت أتذكره كثيرا حين كنت أذهب ماشيا لمدة ساعة للوصول إلى مسجد لندن المركزي حيث أخرج بعد الظهر لأصل هناك عصرا لأعود بعد صلاة العشاء ماشيا في البرد القارس الذي كان يلسع وجهي بشدة. كانت فترة عصيبة جدا من قدومي للندن. وزاد الأمر مرارة أن العمل للطلاب وغير البريطانيين يتطلب الحصول على رقم ضريبي أولا وبموافقة وزارة الداخلية. هذا شيء عظيم جدا!!!! فمعماري مارس العمارة ومؤهل تماما ويحمل شهادة ماجستير لا يستطيع العمل؟ وفضلا عن ذلك كنت قد طفت شارعا كاملا حيث تزخر المحلات التجارية والمكاتب ومنها المعمارية ساعيا للحصول على عمل دون جدوى، فالكل يطلب الرقم الوطني (NlN) وهو الذي تقتطع منه ضريبة العمل ويصدر عن وزارة الشؤون الاجتماعية – ولم أكن قدمت طلبا بعد والذي يستغرق عدة أشهر للحصول على الرقم الضريبي ويقدم عادة من قبل رب العمل الذي يود أن تعمل عنده، وغالبهم يفضل من عنده رقم أصلا فضلا عن أرتال الوظائف التي يملؤها العاملون البريطانيون أولا ثم المغتربون. حاولت السؤال في مسجد لندن المركزي عن وسائل للعمل وربما تدريس اللغة العربية ولم يكن هناك أيا منها. ولم تكن هيئات الأعمال الخيرية حول المسجد تعرف أية طرق للمساعدة في العمل. لم أمر بمرحلة عصيبة في حياتي كمثل تلك الفترة حيث كنت كورقة في مهب الريح بعد حياة معماري حافلة بالعطاء. لم أكن ممن شاءت الأقدار لهم أن يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، فقد نشأت صبيا يعرف قسوة الحياة وعشت حياة قاسية كعصامي. لكن ما كان يميز حياتي السابقة لتلك الفترة العصيبة بلندن، أنني كانت لدي همة فطرية، على تواضعها، لمقارعة شدائد الحياة. ففي صباي عملت بعد المدرسة في شتى المهن الشريفة لإعالة نفسي وأهلي ـ من بيع الكعك والعلكة إلى رفع الطوب والرمل في البنايات تحت الإنشاء. وكان تحصيلي اليومي كصبي يصل 7 دنانير من بيع الكعك في بداية الثمانينيات في عمان، أما في هذه البلاد فلا يمكنني تحصيل بنس واحد!! فالوضع في لندن فكان مقلوبا – معماري متسلح بشهادتين جامعيتين وخبرة 7 سنوات ولا يسمح له بالعمل!!

انتهى العام وبدأ شهر كانون الثاني من العام الجديد 1997 ثم فبراير وبدأ رمضان، وخلال هذه الفترة عكفت على التردد بين البيت والمسجد. بعد انقضاء رمضان وفي تلك الآونة شارف موعد الرحيل من البيت بعد أسبوع أو اثنين بدأت جديا بالتفتيش عن منزل آخر في المنطقة. وأثناء بحثي وجدت غرفا في بيوت مع عائلات هندية وطلاب وغيرهم مما لم يرق لي، وأخيرا عثرت على غرفة بمنزل كبير تدير تأجيره شركة أخوة إنجليز لهم 10 بيوت قاموا بشرائها وتأجيرها كغرف منفصلة ويقومون بجمع شيكات الإيجار التي كانت ـ بحسب العقود ـ تدفع كل أسبوعين.

البيت الجديد كان يحتوي على طابقين لكنه اكبر بكثير من المنزل السابق، ففيه 4 غرف ومطبخ وثلاثة حمامات بالطابق الأرضي الذي يطل على حديقة خلفية. أما الطابق العلوي فيحتوي على 5 غرف وحمامين. البيت قديم الطراز والذي بني قبل أكثر من خمسين عاما على الأقل يمثل نمطا من البيوت التي بنيت بالطوب الأحمر ويقبع مطلا على الشارع الذي يقع فيه في الطرف البعيد عن الشارع الرئيسي بين إخوانه وأبناء عمومته من البيوت المجاورة متماثلة الطراز. في اليوم الذي قمت بالاتصال برقم التليفون للبحث عن المنزل وجدت إعلانا في جريدة (LOOT) وضربت موعدا مع (Chris) الشاب الإنجليزي الأشقر ممثل شركة إخوته للقدوم للمنزل ومعاينة الغرفة. ولم أجد صعوبة في الوصول للبيت بمساعدة خريطة شوارع لندن (A-Z) حيث سلكت طريقا سهلا يصل بين بيتي الأول للوصول إلى منطقة البيت الجديد. دخلنا لمعاينة الغرفة – التي كان يملك مفتاحا إضافيا لها – في غياب صاحبتها المستأجرة الحالية. كانت الغرفة فسيحة جدا ومطلة من خلال نافذة متسعة على الحديقة الخلفية وتتميز كبقية غرف البيت بسقف مرتفع على نمط البيوت القديمة. كذلك تجولنا في المطبخ الفسيح وبعض أرجاء البيت العامة والحمامات وموقع التليفون الذي كان مخصصا لاستقبال المكالمات الهاتفية فقط والذي كان خارج المطبخ قريبا من المدخل الرئيسي. اتفقت مع (Chris) على استئجار البيت بمبلغ 72 جنيها أسبوعيا تدفع كل أسبوعين لا شهريا ـ وهو المتبع مع جميع الشقق والغرف التي يؤجرها. واتفقنا على موعد الرحيل للبيت بعد أن وعدته بإحضار أوراق الجامعة الرسمية التي تثبت أنني انضممت للجامعة للاطمئنان وتوقيع العقد. وفي يوم الرحيل خلصت أوراقي مع صاحبة البيت السابق وحملت أغراضي القليلة التي كانت لا تزيد عن حقيبة السفر التي قدمت بها إلى البيت الجديد ووقعت العقد ودفعت مبلغ الإيجار مع دفعة احتياطية بقيمة أسبوعين تتم اقتطاعها من الإيجار بعدم دفع الأسبوعين الأخيرين في حال نية الرحيل التي ينبغي الإعلان عنها قبل أسبوعين حسب شروط العقد. كل شيء كان يتم قياسه بأسبوعين لا شهريا مع (Chris) وشركته خلافا للدارج بلندن ولم أعرف لليوم السر في ذلك. لكن النقود كانت تتناقص بسرعة أكبر فما أن تنتهي من كتابة شيك حتى يحين موعد الشيك الآخر. ونظرا لأن بالمنزل 9 مستأجرين كل منهم وقع عقد إيجاره في يوم مختلف فقد كان من المألوف يوميا تقريبا أن ترى (Chris) داخلا الباب الأمامي للبيت ثم المطبخ الفسيح الذي يقع مباشرة على يمين المدخل لجمع المغلفات التي بها الشيكات والتي كان يتركها المستأجرون في مكان مخصص بالمطبخ كما درجت العادة.

استأجرت تلك الغرفة في ذلك البيت من شباط من عام 1997 وحتى آب من ذلك العام خلت تلك الأشهر الخمسة تقريبا وكأنها سنة، لا لشيء سوى حكاية الشيكات التي تكتب كل أسبوعين والتي توهمك أن الشهر أصبح شهرين. وفضلا عن ذلك فقد رأيت (Chris) خلالها أو سمعت صوته يدور حول المطبخ متكلما مع هذا أو تلك أكثر من أي صاحب بيت استأجرته لاحقا ولسنوات عديدة. فالشقة التي استأجرتها لاحقا لخمس سنوات بوسط لندن لم أر صاحبتها إلا مرة واحدة فقط حين قررت أن تحضر للتعرف على هذا المعماري المستأجر عندها ـ وهي امرأة انجليزية مهذبة جدا تمثل الطبقة الأرستقراطية في المجتمع الإنجليزي وكانت أفضل من استأجرت عندهم في لندن وكان اسمها (Chris) أيضا ولكنه اختصار لاسم (Christine) فيما كان (Chris) هذا اختصارا لاسم (Christopher). ولم تكن مفارقات تشابه اسميهما كصاحبي بيوت استأجرتها هي الوحيدة، فبخلاف الرجل الذي كان يتشابه بالاسم مع صاحبة البيت التالية التي استأجرت عندها كانت البيوت والشقق التي استأجرتها في لندن مملوكة أو تدار من قبل نساء فقط لا رجال. وجميع محاولاتي لاستئجار شقة أو بيت منيت بالفشل حيث أخلف صاحب البيت موعده أو دبر مقلبا، لكن هذا المالك كان ظريفا ولم يكن مزعجا بتاتا، وكنت أغتنم الفرصة للوقوف معه قرب المطبخ أحيانا لمجاذبة أطراف الحديث وتقوية حصيلتي اللغوية. كما كان يتواجد أيام تنظيف البيت الأسبوعية للإشراف على عملية تنظيف المطبخ والحمامات والمرافق العامة من قبل المرأة التي تقوم بذلك. كما كنت اغتنم الفرصة بسؤاله ـ كونه لندني ـ عن بعض الأمور التي تفيد في الحياة اليومية، ومنها مثلا شراء مستلزمات البيت حيث دلني على متجر (Argos) القريب لشراء مخدات جديدة وأغطية للفراش وغيرها.

الحياة الاجتماعية كانت رتيبة تقريبا كسابقتها مع تبدل الوجوه وزيادة عددهم. فعلى يمين المدخل تسمع أصوات من يتحاورون بالمطبخ فيما تطالعك غرفة الطبيب الصيني الذي لم أحفظ اسمه ـ فأسماؤهم تكاد تكون متشابهة- والذي كان غالبا ما يدور وفي يده زجاجة ماء يشرب منها باستمرار مدعيا أنها وسيلة للمحافظة على اللياقة ووسيلة لتنقيص الوزن حيث لا يكاد يجد وقتا للرياضة كما يدعي. وبعد غرفة صديقنا الصيني على اليسار كان هناك حمامان بهما مغطس ورشاش ماء لأخذ “دش” سريع. وبعدهما على اليسار كانت غرفة “سامانثا” الجنوب إفريقية التي كانت تتباهى بقدومها للندن بفيزا خاصة للعمل تحصل بعد أربع سنوات من خلالها على الجنسية البريطانية، وفضلا عن ذلك كانت تدور في أرجاء المطبخ في الصباح وفي قدميها “دبين” ضخمين من الصوف الناعم. وكانت في معرض غرورها الدائم وإعجابها بالثقافة التي قدمت إليها لا تتوانى عن طرق مسامعنا بأن أصدقاءها ينادونها “بالشبح” لشدة بياضها في محاولة منها لإبقاء حاجز “معنوي” عن الدولة التي قدمت منها والتي تعد مستعمرة إنجليزية. وهذه الفتاة ـ كمعظم الفتيات “اللي شايفات حالهن” دون داع أو مقومات تستدعي ذلك كانت لطيفة في البداية لكنها كانت تخفي أنانية منفرة. فقد جرت العادة في البيت أن يرن الهاتف القريب من المطبخ ويرد عليه أحدهم – غالبا صديقنا الصيني – الذي كان يقرع باب غرفة من تخصه المكالمة الهاتفية صائحا (تليفون!). وكنا نتبادل الرد على رنات الهاتف في حال غياب الطبيب الصيني، لكنها لم تكن تكترث بالرد بتاتا، وكأن الباقون هم خدم لجلالتها والرد على مكالماتها الهاتف فيما هي المبجلة لا يعنيها ذلك. بقية أهل البيت كانت تسودهم البساطة والتواضع باستثنائها حيث كانت تبدو تسيطر عليها جدا فكرة أنها خرجت من جنوب أفريقيا بملامحها الإنجليزية للعمل في انجلترا والحصول قريبا على الجنسية البريطانية، لذلك كانت تبدو أنها تهيء نفسها ونفسيتها للتعالي على من حولها – كما يحدث للكثير ممن تفتنهم هذه الفكرة وتجعلهم يتعاملون بخيلاء وتعال على من حولهم! وعلاج هذه الحالات المستعصية يكون في حل وحيد هو “التجاهل”، وهو ما مارسته وبعض أهل البيت في الأسابيع الأخيرة! إذ أن عندي حساسية مفرطة ضد التكبر والغرور.

أما على اليمين وبعد المطبخ فكان هناك درج يوصل للأعلى وبجانبه حمام آخر ثم غرفة لشاب وصديقته يشاركهما أحيانا شاب آخر (غير مستأجر رسميا). وكان هناك وضع غريب جدا إذ صديق الشاب ويحضر للمكوث معهما في غرفتهما (!) وهو كما علمنا لاحقا أنه مجند في الجيش. وقبل مغادرتي للبيت بأسابيع لاحظت كما لاحظ الجميع أن الفتاة بدأت تخرج كثيرا مع الشاب الثاني المجند في عدم وجود صديقها الذي استأجرت الغرفة معه. وعلمنا لاحقا أن صديقها ضبطها متلبسة مع صديقه المجند الذي اغتنم فرصة غيابه عن الغرفة لطعنه في ظهره. فانفصل عن صديقته التي انتقلت للشاب الجديد المجند رغم أن الأول أكثر وسامة ويملك عملا فيما كان الثاني يبدو كالمشردين (!). واللي يسافر ياما يرى العجب العجيب! فالمعايير مقلوبة عما نعرفه في بلادنا. فالفضيلة عندنا ليست كذلك بالضرورة عندهم، والشاب المتعلم ليس بالضرورة مطمح هنا، بل يفضله بدرجات القوة والفهلوة والشباب وفوق كل ذلك المال والشهرة والسلطة– وهو موضوع آخر للكتابة.

في نهاية الممر المقابل للمدخل وبعد انعطافه صغيرة تخفي باب غرفتي عن أنظار الداخل من الباب الخارجي وفي نهاية ممر على شكل (L) وبعد غرفة (سامانثا) وغرفة الشريكين اللذين كان لهما ثالثا أوقع بينهما وفصلهما، كانت تقع غرفتي. أما الدور الأول فكان مبهما لي إلى حد ما، فهناك كانت تسكن امرأة في مقتبل خريف العمر قلما نراها في المطبخ، علمت لاحقا أنها من أقدم المستأجرين في ذلك البيت حيث أستأجرت غرفتها به لسنوات طويلة – ولا نعرف قصتها! وكانت هناك أيضا فتاة في مقتبل العشرينيات (ماري) والتي كانت بسيطة جدا ومهذبة تدخل المطبخ وتشترك في حوار نسائي مع سامانثا غالبا حيث نترك المطبخ بعد أخذ ما نحتاجه لترك المجال لهما لممارسة الحديث والتفاعل الإجتماعي النسائي. هذه الفتاة البسيطة يبدو أن بساطتها الزائدة جلبت عليها البلاء ذات يوم. ففي مساء أحد الأيام عدت للبيت ودخلت غرفتي، وبعد الاستراحة قليلا توجهت للمطبخ لتحضير عشاء خفيف، الذي عادة ما كان يحتله صديقنا الصيني بحكم موقع غرفته مقابل المطبخ، وإذ بي أفاجأ بجمهرة من رفاق السكن في المطبخ فيما كانت تتوسط (ماري) الطاولة وقد اشتركوا في نقاش محتدم بعد أن استمعوا لقصتها ذلك المساء. فأثناء عودتها كالمعتاد من العمل نزلت في محطة قطار الأنفاق والتي كانت تبعد مشيا على الأقدام مسافة 7 دقائق عن البيت. وخارج المحطة تقدم منها شاب أسود سألها عن الوقت، وفيما رفعت يدها لتنظر لساعتها مد يده بسرعة ليخطف حقيبة يدها التي علقت بإصبع يدها أثناء محاولته لسحب الحقيبة فكسر عظام إصبعها وولى هاربا بالحقيبة. كانت المسكينة تجلس إلى الطاولة فيما إصبعها مربوط بعد أن ذهبت للمستشفى وعادت لتروي لنا حكايتها. في الطابق العلوي كانت هناك غرفة كبيرة يسكنها شاب وصديقته لم نر منهما الكثير طوال الأشهر التي سكنتها بالبيت، وكانا يبدوان أكثر تهذيبا ورقيا من “الرفاق الثلاثة” سكان الغرفة بالطابق الأرضي. كان هناك ساكن للغرفة الأخرى العلوية في خريف العمر لم نر منه الكثير أيضا. وللحديث بقية

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى