الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

من الوجود الفارسي في الخليج (1)

بعد أن وحد الشاه1 عباس الأول بلاده2، قرر إنهاء الاحتلال البرتغالي لهرمز3 والبحرين بخاصة والخليج العربي بعامة، وقد عهد الشاه عباس مهمة طرد البرتغاليين من البحرين إلى حاكم شيراز الله وردي خان، الذي أرسل جيشاً إلى البحرين في عام 1602م بقيادة معين الدين فال4، الذي تمكن من طرد البرتغاليين من البحرين في عام 1602م، وكان ذلك مقدمة لطردهم من قشم وجمبرون (بندر عباس)5 وهرمز6 فيما بعد.
وكان الفرس قد اغتنموا وفاة ملك هرمز فرخ شاه في عام 1601م، وبعد أن تولى ولده فيروز شاه الحكم، استوزر شرف الدين لطف الله الذي عين أخاه ركن الدين مسعود حاكما على البحرين7، وعندما أبدى ركن الدين رغبته في الاستقلال عن هرمز لبعض الأعيان الفرس “معين الدين فال”8 رحب حاكم شيراز وردي خان بالفكرة وعرض مساعدته على ركن الدين، ثم دخلت القوات الفارسية البحرين في عام 1602م، وتمت لها السيطرة على البحرين بعد أن قتلت حاكمها ركن الدين مسعود.
عندما علم ملك هرمز “فيروز شاه” باستيلاء الفرس على البحرين، أرسل جيشاً بقيادة شرف الدين لطف الله. كذلك جهزت السلطات البرتغالية في الخليج العربي حملة بحرية ضمت عدداً من السفن، فاضطر حاكم شيراز الله وردي خان إلى فرض الحصار على القلعة البرتغالية في بندر عباس لتخفيف الضغط على القوات الفارسية المحاصرة في البحرين، ونجحت خطة الله وردي خان، حيث توجهت بعض السفن البرتغالية إلى بندر عباس لرفع الحصار الفارسي عنها. وبذلك تمكنت فارس من توطيد نفوذها في البحرين9، رغم علاقاتها الودية مع اسبانيا التي احتجت على ذلك. وكان رد الشاه عباس أنه أخذ البحرين من ملك هرمز وليس من الأسبان، واحتجت السلطات البرتغالية في الهند على غزو الفرس للبحرين، ولكنها لم تلجأ إلى الإغارة على البحرين حتى لا تعكر صفو العلاقات الأسبانية الفارسية10.
وفي عام 1626م وقع خلاف شديد بين شيوخ وأعيان البحرين، فأرسل حاكم شيراز إمام قولي خان11 قواته وألحق الهزيمة بشيوخها، ونصب عليها “سوندوك سلطان” أميراً عليها من قبله، ثم تولي حكم البحرين بابا خان، وفي عام 1666م اشتكى سكان البحرين من ظلم حاكمهم إلى الشاه الفارسي الذي عزله وعين مكانه سلطان بن قزل خان، وكان الحكم الفارسي على البحرين اسميا، حيث بقيت السلطة الفعلية في يد القبائل المحلية، وبينما كانت قوة اليعاربة في الخليج العربي في ازدياد مستمر كانت قوة الصفويين في ضعف شديد.
وفي نهاية القرن السابع عشر هاجم اليعاربة البحرين، مما أدى إلى هرب معظم سكانها إلى القطيف12 حيث استوطن فيها كثير منهم13. أما مهدي قولي خان فبقي حاكماً على البحرين حتى عام 1701م، ثم عزله الشاه لظلمه وعين هزاع سلطان حاكماً على البحرين بدلاً منه، وفي عهده انفصلت البحرين عن فارس بعد ثورة أحد شيوخها الجبريين14. فانتقلت السلطة إلى العرب الذي فرضوا سيطرتهم على البحرين، حتى استعادها الفرس في عهد نادر شاه15 في عام 1736م بقيادة ميرزا تقي خان، وعين نادر شاه عليها الشيخ نصر آل مذكور في عام 1739م – الذي سيأتي ذكره لاحقا-.

هوامش :

1 – الشاه: نظام ملكي وراثي اختصت به بلاد فارس دون غيرها في الشرق، حيث كان الشاه وحده من يملك جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويقع تحت الشاه مجموعة من الولاة والمتصوفين ويتمتعون أيضا بسلطات واسعة في مناطقهم.
2 – الشاه عباس الأول (1587-1629م): تولى الحكم خلفا لوالده الشاه محمد خدابنده والذي أجبر على التخلي عن العرش بسبب عدم الرضا عن سياساته، فخلفه ابنه ميرزا عباس “عباس الأول” الذي يعتبر من أعظم ملوك الأسرة الصفوية، واتصف بالقوة والذكاء والحنكة السياسية، وقام بالكثير من الاصلاحات لتنظيم أمور دولته واقرار الأمن والاستقرار فيها والقضاء على الثورات الداخلية، وخاض حروب طويلة مع العثمانيين، واهتم بتطوير الجانب الاقتصادي وقرب إليه رجال الدين، وقام بنقل العاصمة من قزوين إلى اصفهان في وسط البلاد حتى يكون قريبا من أقاليم البلاد كافة وليبعد عن الخطر العثماني. انظر:عقيل، مصطفى: التنافس الدولي في الخليج العربي 1622 – 1763م، مؤسسة العهد للصحافة والطباعة والنشر، الدوحة، قطر، ص 26؛ الجاف، حسن كريم، حسن كريم: موسوعة تاريخ ايران السياسي من بداية الدولة الصفوية إلى نهاية الدولة القاجارية، المجلد الثالث، ط 1، الدار العربية للموسوعات، بيروت ، 2008، ص 42-52.
3 – هرمز: مشيخة عربية كبيرة، تأسست في القرن الثالث بواسطة (أردشير) أول ملك ساساني للفرس، وكانت الأكثر ثراء وازدهارا في الخليج العربي وعلى ساحل عمان عند وصول البرتغاليين إلى المنطقة في مطلع القرن السادس عشر، تمكنت من بسط سيطرتها وسلطتها السياسية على الساحل الشرقي من الخليج العربي وجزره، والساحل الغربي من القطيف شمالا وجزر البحرين، وحتى عمان جنوبا، وامتد سلطانها داخل الجزيرة العربية، وكانت مملكة ثرية تتمتع بالازدهار الاقتصادي وبكثرة سكانها ورفاهيتهم، وذلك بسبب تنوع نشاطها التجاري، وأطلق عليها لؤلؤة الشرق، وتعد من أهم حلقات نقل ومرور التجارة العالمية بين الشرق والغرب، خاصة بعد أن وصل التجار الأوروبيون من البدقية وجنوة عن طريق مصر والشام عقب سقوط الدولة البيزنطية، وأشاد بعظمتها الكثير من الرحالة العرب والأوروبيون، وبالرغم من مساحة هذه الجزيرة المحدودة والانعدام الكلي للموارد الحياتية كالخضار والماء فيها، فقد بلغ عدد سكانها في القرن الخامس عشر 40 ألف نسمة من فرس وعرب، وهو رقم كبير في ذلك العصر. للمزيد انظر: سجلات أفونسو دلبوكيرك: مرجع سابق، ص 18 – 19؛ الصالحي، عصام خليل محمد: السياسة البريطانية في الخليج العربي الأهداف والنتائج 1600 – 1843م، مجلة مداد الأدب، العدد الرابع، كلية الآداب، الجامعة العراقية، ص 443؛ تشارلز، بلجريف: ساحل القراصنة، ترجمة عيسى أمين، ط 1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 31.
4- Adamiyat: Fereydoun. Bahrain Islands, U.S.A. 1995, P.23.
5 – بندر عباس: بلدة مهمة على الساحل الفارسي عند مدخل الخليج، اطلق عليها هذا الاسم الشاه عباس في القرن السابع عشر، وقد كانت تعرف بإسم جمبرون خلال عهد الاحتلال البرتغالي لهرمز، وظل اسم جمبرون شائعا عند الأوروبيين حتى نهاية القرن الثامن عشر، ويعتقد بأن كلمة جمبرون هي تحريف لكلمة جمرك، وتقع بندر عباس على مسافة 280 ميلا إلى الشمال الغربي من مسقط. انظر: لوريمر، ج. ج، مرجع سابق، القسم الجغرافي، ج 1، ص 11؛ روسو، لوي جاك: رحلة إلى الجزيرة العربية سنة 1808، ط 1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2010م، ص 12؛ الفريجي، فاطمة بنت محمد بن سليمان: تجارة السلاح في الخليج العربي 1297 – 1333 هـ / 1879 – 1914، دارة الملك عبدالعزيز، الرياض، 1424هــ، ص 46.
6 – كان اسم هرمز يطلق في السابق على مدينة في البر الايراني، وربما كانت بالقرب من خور ميناب، ومع أن أهالي هذه المدينة هجروها حوالي عام 1315م، فإن حاكمها نقل مقره إلى الجزيرة التي كان اسمها منذ القرن التاسع الميلادي أورمز، وقد احتلت جزيرة هرمز في القرن الرابع عشر الميلادي المركز التجاري الذي كانت تتمتع به قيس في الخليج، مثلما احتلت قيس مكان سيراف التجاري في الماضي. انظر: لوريمر، ج. ج: المرجع السابق، السجل الجغرافي، ج 2، ص 940.
7- يذكر جيمس بلجريف، أن حاكم البحرين البرتغالي قتل أحد أثرياء البحرين في عام 1602م، وصادر ثروته فثار أخوه “ركن الدين” وقتل الحاكم البرتغالي، واحتل القلعة ووضع نفسه تحت حماية الفرس. أنظر: بلجريف،جيمس: البحرين ترحب بكم، تاريخ البحرين، دار المعارف، 1961، ص 139.
8- هناك تناقض في الروايات حول شخصية معين الدين فال، فبعضها يذكر أن من أقوياء ركن الدين مسعود البعيدين وأنه قاد الجيش الفارسي الذي غزا البحرين وطرد الحامية البرتغالية منها. انظر:
Faroughy, Abbas: Op. Cit. p. 63.
9- الخولي، بديع جمعة: تاريخ ساحل الخليج، دار المعارف، القاهرة، ج 1، ص 383 – 385، وانظر: بلجريف، جيمس: البحرين ترحب بكم، ص139.
10-Faroughy, Abbas: Op. Cit. p. 63.
11 – كان قولي خان يملك الكثير من القوة، وعندما مات الشاه عباس، خلفه في الحكم ابنه شاه صفي الذي اتصف بالضعف، فخشي من سلطة قولي خان الكبيرة خاصة وهو حاكم لشيراز فأمر بإعدامه. انظر: سلوت. ب. ج: عرب الخليج في ضوء مصادر شركة الهند الشرقية الهولندية 1602-1784، ترجمة عايدة خوري، شركة أبوظبي للطباعة والنشر، أبوظبي، ط 1، 1993، ص 150.
12 – القطيف: بها ميناء يقع على منتصف ساحل الخليج العربي الغربي، وتمثل النظير الساحلي للأحساء في الداخل، يحدها من الشرق الخليج العربي، وتلتقي جنوبا بالظهران، ويصل امتدادها 14 كم شمالا، و 14 كم جنوبا، وعمقها في الداخل حوالي 5 كم. يدعي البرتغاليون بأنهم قاموا ببناء مبنى الجمارك الواقع جنوب الركن الشمالي الغربي من المدينة. انظر: سجلات أفونسو دلبوكيرك: مرجع سابق، ص 662؛ لوريمر، ج. ج: مرجع سابق، القسم الجغرافي، ج 6، ص 160؛ خوري، ابراهيم والتدمري، أحمد: مرجع سابق، ص 55.
13- قاسم، جمال زكريا: الادعاءات الإيرانية في الخليج العربي- أصول المشكلة وتطورها – ( المجلة التاريخية المصرية المجلد العشرون، القاهرة، 1973)، ص 171.
14- من بقايا الجبوريين الذين حكموا الأحساء حتى عام 1591م، وعندما حدث خلاف بين الشيخ الجبري ووزيره، قتل الشيخ الوزير فحرصت زوجة الشاه عباس الثاني على احتلال البحرين. انظر: النبهاني، محمد بن خليفة بن حمد: التحفة النبهانية في إمارات الجزيرة العربية، بغداد، 1332هـ، ص 62-69؛ الجزائري، عبدالله: نبذة تاريخية عن البحرين، بيروت، 1955، ص 8-9.
15 – نادر شاه: ولد في مدينة دستكرد من خراسان سنة 1688م، وكان ينتمي إلى أسرة فقيرة تمتهن حرفة الرعي والدباغة، وعاش في ظروف صعبة في بداية حياته، ثم دخل الحياة العسكرية عندما أصبح عمره 25 عاما، وأبدى شجاعة فائقة في الدفاع عن ثغور وأراضي خراسان أمام هجوم قبائل الأوزبك، فذاع صيت شجاعته واقدامه، وكان طموحا شجاعا بارزا في الميدان العسكري. تم انتخابه شاها على فارس عام 1736م، ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسمه نادر شاه، وخاض حروبا كثيرة مع عدة أطراف وعلى مختلف الجبهات ضد العثمانيين والأفغان والعمانيين والروس والأوزبك، وتمكن من توسيع الدولة الفارسية، وتم اغتياله عام 1747م. انظر: عقيل، مصطفى: مرجع سابق، ص 45؛ الجاف، حسن كريم: مرجع سابق، ص 87-117.

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى