الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ماذا بعد: تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (2-3)

ماذا بعد: تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (2-3)

“كلما زادت المعرفة زاد العجب”
الأديب البريطاني الراحل تشارلز مورجن (1894-1958) (1)

2. قوله(منذ أن ولدت أول لحظة من عمر الكون عند نشؤ ما يعرف بالانفجار العظيم Big Bang وبدأ معها تكون الزمان والمكان واستمر إلى حد هذه اللحظة في التكون والتوسع إلى ما لا نهاية طوال عشرات مئات ملايين السنين والذي يقدر ب 13,5مليار سنة تقريباً, تمخض عن ذلك خلق أعظم وأضخم الأجرام السماوية, كويكبات, كواكب, أقمار, نجوم.. من أدق وأبسط المكونات, جزيئات, ذرات, غازات, مركبات.. بما في ذلك الأرض التي بدأت قصة حياتنا نحن بني البشر عليها قبل أكثر من 200 مليون سنة عندما توافرت الظروف المعيشية الملائمة لبقاء جنسنا بعد أن شقت بذور الحياة طريقها إلى النمو والتطور نتيجة وجود المواد العضوية المتطلبة والماء على سطح كوكبنا وتحديداً على القارة السمراء إفريقيا, مسقط رأس أجدادنا القدماء كما تشير تتبعات شجرة العائلة البشرية جينيا).

التعقيب: أولا ليس هناك دليل علمي قاطع على ان الكون سيتوسع إلى ما لانهاية. هناك خلاف علمي حول هذه المسألة بين علماء الرياضيات الفيزيائية. ثانيا قوله ( بدأت قصة حياتنا نحن بني البشر عليها قبل أكثر من 200 مليون سنة عندما توافرت الظروف المعيشية الملائمة لبقاء جنسنا بعد أن شقت بذور الحياة طريقها إلى النمو والتطور نتيجة وجود المواد العضوية المتطلبة والماء على سطح كوكبنا وتحديداً على القارة السمراء إفريقيا, مسقط رأس أجدادنا القدماء كما تشير تتبعات شجرة العائلة البشرية جينياً) أقول ليس هناك عالم أحياء سواء من الماديين أو غير الماديين يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض أي كيف ظهرت الخلية الحية التي تستنسخ نفسها. لا احد يعرف حتى كبير الملحدين أنفسهم عالم الأحياء البريطاني الشهير ريتشارد دوكنز يقر بذلك. في الحقيقة انه كلما علمنا أكثر عن الخلية الحية كلما ازداد اللغز عمقا و آخر هذه المعرفة اكتشاف علماء الأجنة ما يسمى بالمحددات الوراثية فوق الجينية (غير جينية)epigenetic و اكتشاف ان لما كان يسمى جهلا سابقا Junk DNA ،الدنا البالي(أي الرميم)، ليس باليا أو رميما بل له وظائف عديدة لم تعرف إلا حاليا (صدقوني لقد مات خلق كثير و هم يعتقدون انه رميم حقا و بالتالي دليل على ارتقاء الكائنات الحية بآلية عمياء) ! و طبعا هناك الشفرة الوراثية نفسها DNA ، الدنا، في الخلية الحية التي هي بعبارة دقيقة نظام تشفير يخزن معلومات الوراثة في أبجدية من أربعة أحرف كيمائية تتم ترجمتها إلى العشرين حمضا امينيا amino acids اللازمة لتخليق البروتينات عن طريق نظام تشغيل هو RNA، الرنا. السؤال هو: هذه معلومات (بيانات مخزنة) تترجم بيولوجيا بترتيب غير عشوائي لتحقيق غايات غير عشوائية فمن أين جاءت هذه المعلومات (البيانات)؟ كيف ظهرت هذه الشفرة المعقدة؟ دعوني اضرب لكم مثلا لتقريب الفهم: ابني الصغير يوسف يبلغ من العمر تسعة أعوام. افترضوا أننا لما كنا في رحلة إلى سهل الجربيب (كما نفعل عادة) مر و هو يرتع و يلعب بصخرة قد نقش عليها هذا الرسم: يوسف. يا ترى ألا سيدرك من فوره ان هذا الرسم هو اسمه؟ فهل أول ما سينقدح في نفسه ان الرياح بطريقة ما خلال مدة طويلة من الزمن قذفت بحاصب مرارا و تكرارا على هذه الصخرة حتى ظهرت الكلمة يوسف أم ان أول ما سينقدح في نفسه أنها بفعل عاقل أي شخص كتبها و ليست الرياح تسف الحصباء؟ الجواب اتركه لكم. لكن أتدرون كم هو احتمال حدوث ذلك اتفاقا، أي مصادفة، بفعل الريح؟ نحو واحد من الرقم 28 يتبعه 28 صفرا: انه رقم لا يمكننا حتى تخيله بل انه اكبر حتى من عدد الذرات في الكون المنظور! لان الرقم 28 مضروبا في نفسه أربع مرات فقط يعطينا الرقم 614656! الرقم 28 لان عدد أحرف الأبجدية العربية 28 (2)، فما واحد عند هذا الرقم ؟ لكن هناك أيضا نكتة لطيفة أدهى و أمر:ما يسميه علماء الإحصاء و نظرية المعلومات بالفضاء الاحتمالي! هذا اترك تفاصيله لمقال آخر. لكن في جملة واحدة: عمر الكون الحالي أي 13,5 مليار سنة لا يكفي لاستفراغ عدد المحاولات أي الرقم واحد من الرقم 28 يتبعه 28 صفرا— نحتاج إلى مدة أطول بكثير من 13,5 مليار سنة!

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء:16-18)

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (الفرقان: 54)

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (النور :45)

3. قوله ( عندما توافرت الظروف المعيشية الملائمة لبقاء جنسنا بعد أن شقت بذور الحياة طريقها إلى النمو والتطور نتيجة وجود المواد العضوية المتطلبة والماء على سطح كوكبنا) تبسيط ساذج مفرط في سذاجته إلى حد التشويه العلمي إذا جاز التعبير و لا يقوله الآن إلا عتاة القائلين بالمنهجية الطبيعية. و ماذا عن قوله ( الأرض التي بدأت قصة حياتنا نحن بني البشر عليها قبل أكثر من 200 مليون سنة… وتحديداً على القارة السمراء إفريقيا)؟ تعقيب: أهم سؤال هنا هو كيف يحدد علماء الرياضيات الوراثية هذه المدد التي تظهر في الدوريات العلمية أحيانا تطول و أحيانا تقصر و أحيانا تتناقض مع غيرها من النتائج الرياضية؟ في الإحالة أدناه شرح مختصر للطريقة و عندما تفهمونها فهما وافيا فانه لا داعي إلى مزيد تعليق على هذا الاقتباس، على ان نتفق ان المقصود هنا ببني البشر هم تحديدا بني آدم (انظر 3 ). لكن يمكن القول أنها انتهت إلى نتيجة واحدة: الحلم بأن تقسيم الشفرة الوراثية DNA ، الدنا، سيؤدي إلى شجرة أو أشجار حياة واضحة المعالم clades قد فشل. و مع فشله انهار تنبؤ أساس من تنبؤات النظرية الداروينية.

4. قوله (لا يمكن لأحد أن يقلل من غريزة البقاء التي تحركنا وتقودنا إلى مواجهة أي خطر يهدد حياتنا والبحث عن أية فرصة للنجاة, فالطبيعة الأم التي تحتضننا عززت هذه الخاصية في جميع كائناتها بما فيها نحن البشر بهدف الحفاظ على جنسنا من الانقراض, وخلق توازن حيوي وبيئي مع باقي الكائنات الأخرى التي تشاركنا الحياة على هذه الأرض. الخوف من الموت يقف وراء مواجهتنا وتمسكنا بالبقاء).
التعقيب: هل يمكن ان يخبرنا الأخ سلطان هل للطبيعة الأم وعي أو إدراك بحاجة الإنسان أو قدرة على استشراف المستقبل أي هل الطبيعة الأم كائن عاقل مريد قادر؟ و كيف طبعت الطبيعة الأم هذه الخاصية في نفوس البشرــــ هل هناك جين أو جينات في الجينوم البشري تسبب هذا الخاصية إذ، كما لا يخفى على المطلع علميا، بدون ذلك لا يمكن توارث هذه الخاصية. إضفاء الوعي و الفعل على المفاهيم المجردة مثل مفهوم الطبيعة و مفهوم الانتخاب الطبيعي و مفهوم القدر و مفهوم الحظ و مفهوم الميم meme يذكرني بكتاب الفيلسوف الاسترالي الراحل ديفد ستوف Darwinian Fairytales ،حكايات الجن الداروينية، لأنها ببساطة مجرد حكايات لا حقائق ثبتت بالتحقيق العلمي.

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر:45)

5. قوله (ما من شك أن تجربة الاقتراب من الموت Near Death Experience تعد ضرباً من الخيال للكثير من الناس سواء من حيث ندرة حدوثها, أو القدرة على استيعابها؛ تتلخص ماهيتها في مرور بعض الأشخاص ممن تعرضوا لحوادث كادت أن تودي بحياتهم, بأحداث في أماكن مختلفة وغريبة, منهم من وصفها بالطيبة, ومنهم من وصفها بالشريرة والتي لا يقدم لها العلم حتى الآن تفسيراً معيناً ودقيقاً رغم محاولات بعض العلماء طرح العديد من النظريات حول ربط حدوثها فسيولوجياً بموت خلايا الدماغ وإفراز مادة الإندروفين المسؤولة عن تخفيف الألم وإعطاء الشعور بالتحسن والراحة, أو سيكولوجياً بالعقل الباطن وما يفتعله من ردود فعل نتيجة الاقتراب من الموت).

التعقيب: أولا أريد ان أهنئه على جمال الترجمة فترجمته (مشارفة الموت) أفضل من ترجمتي السابقة (الموت الوشيك). هذه الخبرة حقيقية و موثقة لكن التفسيران اللذان عرضهما هنا لا صلة لهما كما يتبين عند التدقيق العلمي بالظاهرة ألا و هما قوله(ربط حدوثها فسيولوجياً بموت خلايا الدماغ وإفراز مادة الإندروفين المسؤولة عن تخفيف الألم وإعطاء الشعور بالتحسن والراحة, أو سيكولوجياً بالعقل الباطن وما يفتعله من ردود فعل نتيجة الاقتراب من الموت) لان هذين التفسيرين لا يصمدان أمام النظر العلمي. فالظاهر أما انه لم يفهم الظاهرة فهما تاما بعد أو انه أراد عرض تفسيرات المشككين فيها أصلا و هم الماديون لان الماديين يقولون بتطابق العقل مع الدماغ و بموت الثاني ينتهي الأول (ضمن الجدل الفلسفي و العلمي الحالي حول ما يسمى إشكالية العقل-الدماغ، و ان تعجب فعجب قول الماديين ان ليس للعقل أي تأثير على الدماغ)! ما علينا ان ندركه هنا انه فيما يتعلق بدراسة هذه الظاهرة دراسة علمية فان الجانب الوحيد منها الذي يمكن إخضاعه للتحقيق العلمي هي المرحلة التي يرى فيها المرء نفسه خارج جسمه و يعطي بعد إحيائه سريريا وصفا للأشخاص و الأشياء في المكان حوله و بعض كلامهم لأنه يمكن التحقق من ذلك من طريق هؤلاء الأشخاص أنفسهم الذين كانوا عند الشخص لما توقف قلبه عن العمل و سجلت أجهزة موجات الدماغ توقف نشاطه أي موت الدماغ سريريا. الباقي كله خبره ذاتية لا يمكن التحقق منها علميا. (انظر الرقم 4 أدناه لموقعين علميين رصينين عن هذه الظاهرة للمستزيد). على أي حال فان هذا الجانب الوحيد من الموت الوشيك الذي يمكن إخضاعه للتحقيق العلمي هو أيضا دليل آخر على قصور التفسير الطبيعي أو المادي للوجود و ذلك انه يؤكد بقاء الوعي بدون عمل الدماغ البيولوجي أو ما يسمى بظاهرة الوعي غير الموضعي. كما ان ظاهرة الوعي بحد ذاتها فقط تشير إلى ان هذا التفسير الطبيعي من المؤكد انه خطأ إذ كيف برزت ظاهرة غير مادية و هي الوعي من شيء مادي و هو الدماغ ؟ هذا السؤال يسمى عادة بسؤال الفجوة المعرفية في التفسير المادي.

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )
(الإسراء :85)

هوامش :

(1) روائي و كاتب مسرحي بريطاني. موضوعات أعماله حسب قوله هي (الفن و الحب و الموت و العلاقة بينهم). موضوعات الروايات تشمل على سبيل المثال: مفارقات الحرية (رواية الرحلة، رواية خط النهر)، الحب كما تراه النفس (رواية صورة في المرآة) أو كما يرى من الخارج (رواية نسيم الصباح) ، صراع الخير و الشر (رواية قصة القاضي) و تخوم الموت الفاتنة (رواية سباركنبروك).

(2) يحتاج من يريد فهم هذا فهما كافيا شيئا من الإلمام بكل من نظرية الاحتمالات Probability Theory و مفهوم المعلومات Information و هناك كتب بالعربية في الموضوعين. تتيح لنا (نظرية الاحتمالات) حساب احتمال حدوث حادث ما اتفاقا أي بالصدفة حسابا دقيقا.

3. تحديد مدد تفرع الأنواع أو الشجيرات الوراثية cladesيعتمد على فرع من الرياضيات يسمى الرياضيات الوراثية. لكن لتبسيط الحساب تفترض هذه المعادلات بضعة افتراضات ما زالت مثيرة للجدل هي: ان معدل التغير في الشفرة الوراثية ثابت لا ينزع بقوة إلى الانتقاء غير المحايد، ان عدد السكان ثابت لا يتغير و انه لا احد يدخل إلى المجموعة السكانية و لا احد يخرج منها أي أنها مجموعة مغلقة، ان الأصل المشترك هو سبب التشابه في تقسيمات الشفرة الوراثية الدنا. و جميعها افتراضات لا يمكن التسليم بها مطلقا.

4. http://anesth.medicine.arizona.edu/research/consciousness-studies

* اهدي هذا المقال إلى أستاذي (تشارلز رسل) الذي درسني مساقين في اخطأ التفكير و المغالطات المنطقية (أبان دراستي الإعلام في جامعة توليدو الأميركية فترة 1982-1987) و ما زلنا نتراسل هو و أنا عن هذا العالم و أشياء أخرى; رجلان من دينين مختلفين و ثقافتين مختلفتين و لغتين مختلفتين و تاريخين مختلفين، لأن ” الحِكمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ حيثُما وجدَ المؤمنُ ضالَّتَه فليجمَعها إليهِ”.

* إعلامي عماني في إذاعة و تليفزيون سلطنة عمان منذ عام 1977، عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA ،عضو الرابطة البريطانية للكتاب العلميين BSWA

محمد عبدالله العليان

إلى الأعلى