الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (171): تيسير النحو (2/9)

نافذة لغوية (171): تيسير النحو (2/9)

هل صحيح أن العربي لايمكنه الإحاطة بالإعراب لاتساعه وتعقده؟ وهل صحيح أيضا أنه وإن ملكه عجز عن استعماله في حديثه ؟. يمكنني القول، بادىء ذي بدء، إن الاتجاه المعادي خَلَطَ بين النحو والإعراب. فالنحو هو الجانب النظري والإعراب هو الجانب العملي أو التطبيقي لصياغة الجملة العربية والبحث في أجزائها ودقائقها. وإنه لمن الغلط البالغ أن نبقى نتوهّم أن النحو هو الإعراب، وأن الإعراب هو النحو، وأن دراسة النحو تُغني عن دراسة الإعراب أو أنها وسيلة لدراسة الإعراب والإلمام بأصوله وقواعده. فعلى الرغم من أن الإعراب نشأ في حجر النحو، وأنه ابنه الشرعي، يبقى من الضروري وضع الحواجز الفاصلة بينهما، وتبيين الحـدود التي يبتدىء عندها أحدهما وينتهي الآخر. فبين النحو والإعراب عموم وخصوص كما يقول المناطقة، أو هما وجهان مختلفان لعملة واحدة. على أن الخلط بين مصطلحي النحو والإعراب لدى أتباع الاتجاه المعادي لا يُوهِّن آراءهم، لأنه خلط شائع لم يعن النحاة به تبعاً لكون النحو والإعراب ينتميان إلى علم واحد، وإنْ كان الإعراب أخصّ والنحو أعمّ وأشمل. ذلك أن الإعراب معنيّ بالعلاقات بين أجزاء الكلام في الجملة، والحركات التي تلحق أواخر الكلم نتيجة ما طرأ عليها من عوامل ومؤثرات، في حين يضع النحو الأصول التي تساعد على صياغة الكلام الصحيح، ويبسط القواعد التي تُمكِّن العربيَّ من الكتابة السليمة. وقد عرَّف عبّاس حسن الإعراب في كتابه ( النحو الوافي ) بأنه ” تغيُّر العلامة التي في آخر اللفظ بسبب تغيُّر العوامل الداخلة عليه وما يقتضيه كل عامل “. وذكر في الهامش أن هناك معنى آخر مشهوراً بين المشتغلين بالعلوم العربية هو التطبيق العام على القواعد النحوية المختلفة، ببيان ما في الكلام من فعل أو فاعل أو مبتدأ أو خبر أو غير ذلك من أنواع الأسماء والأفعال والحروف، وموقع كلٍّ منها في جملته، وبنائه وإعرابه.
وإذا جاوزنا الخلط بين مصطلحي النحو والإعراب لاحظنا أن أتباع الاتجاه المعادي يهجمون بقسوة على النحو بمعناه الشامل الذي (يُعْنَى بمهمتين: الأولى صحة تأليف الكلم للإبانة عما في النفس من المقاصد، والثانيـة معرفة أحوال الأواخر من إعراب وبناء، فيُطْلَبُ إليه أن يقوم بعصمة اللسان والقلم عن الخطأ في تأليف الكلم وأحوال أواخرها). وحجّتهم في هذا الهجوم أننا نُعلِّم الطالب النحو سنوات طويلة، فإذا طلبنا منه الحديث التوى لسانه ولحن في كلامه. ويجاوزون أحياناً هذا المثال إلى آخر يظنونه أشدّ إيلاماً، هو أن هناك نحاة لا تستقيم ألسنتهم إذا تحدّثوا. وقد عَدَّتْ عائشة عبد الرحمن هذا الأمر من ظواهر أزمتنا اللغوية ولم تره جوهرها. وهي محقّة في ذلك؛ لأن حجج أتباع الاتجاه المعادي يسهل تفنيدها.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى