الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مفازات “الفقير”.. و”عجوز القرم”

مفازات “الفقير”.. و”عجوز القرم”

إن أجمل الحكايات وأكثرها التصاقا بالذاكرة هي الحاملة لارتحالات الصدق إلى عمق “الإنسان”.. فكانت كذلك مع حمد الخروصي الصوفي الباذخ في الصُدف ومواعيد الرحيل.. حين لامس أسلات قلمه وغرس حبره عجوزا طاعنة في “التهميش” كانت تسكن أحد أرصفة (القرم) الغنية.. فصار لها البيت والابن والسقف حتى بعد مغادرتها “الغرفة الفزاعة” التي أزاحتها لاحقا عملية تحديث للمنطقة، جلبت معها “الانترلوك” الذي أخفى ملامح أرض بقي امتداد حضور سقفها إلى سماوات الدعاء..
كل ذلك كان قبل نحو 9 سنوات.. قبل أن يكون “الفقر” حياة.. والحياة “فقرا”.. حينها وردني اتصال هاتفي من الصديق محمد القرني.. وضع عبره حكاية “الوحي” على فم “الإصلاح” لمّا تلا عليّ قصيدة (عجوز القرم).. كنت وقتها أرفع قدمي الأولى على سلم “الزمن الصحفي”.. فكان ميلاد (عجوز القرم.. 80 عاما من الفقر) من إنسان حمد..
* * *
في السادس من أغسطس.. وحين طاب لــ “أبو عبدالله” الرحيل، تاركا خلفه كلمات يتصارع صائغوها مع حرف الرثاء.. تأتي (عجوز القرم) لتأبين بيتها وابنها وسقفها على ذات “الرصيف” الذي نمى وتفرّع من معايشته لهموم الوطن/الإنسان منذ البدايات العميقة لــ “الثبات” وحتى النهايات السماوية لــ “الحرف”.. كل شجرة غُرست وكل رقعة تجميل امتدت لاحقا على الأرصفة تسكن أسفلها قصيدة “تغيير” من حمد..
* * *
حين كان لــ “الزرع” حصاد.. كان هو الفلاح الذي جاب الأراضي التي ابتلعها “الإهمال” .. منطلقا من “ساحل الباطنة” حيث صحا شبابه مع موت عمة العمانيين (النخلة) معاتبا الجهل/البؤس/الملح، ممهدا معه “وعب” و”صوار” الفلج الذي روى حلم “الباحثين عن أمل”.. مُعرجا عبره إلى وصاية والده بــ “الفقر” الذي كان قصر “غنى” يسكن أكتاف أصدقاء “الجلبة” جمال الشقصي وخميس المقيمي وحكايات “شخبطتهم” مع “الكراس الأبيض” وصفحات “الافتراض” حيث سكنوا القلوب وارتفع غرسهم..
* * *
لأن الفقر جميل وأنيق مع حمد..كان معه حياة وتفاصيل عايشها مع أرصفة اللقاء والغياب.. ولأنه كان يعرف موقع “الخطأ” الذي يسكن المكان “الصحيح” حمل القصيدة إلى أبعاد النور الثائر على كل ما هو “ظلام” و”مُهمل”.. ولأن “الفقر” كما يقول أحمد الشحي “أكبر من حدود المرجلة والاسم” كان الشاعر..وكان البقاء لحمد.. حتى انتصر الحرف على “التهميش”..

* * *
إن شاعرا بحجم وعطاء وجمال حمد الخروصي لن يموت.. فقصيدته التي ضّمخها برائحة الأرض وزنرها بقيم الجمال سوف تصوح لتورق في صحاري أرواحنا فتنعشها كما ينعش الودق المفازات بعد جدب مع كل ذكرى.. وحده الشاعر لن يموت في زمن الفقد..
* * *

في الشارع الباذخ
الوارف بظل الأسئلة
اللي يمرونه
أغلى رجال ــ الحي ــ
وأرقى نساء ــ الحُلي ــ
وأطول لحى في الدين
شجرة بعمر الأرض
فكرة بعمر الرفض
تسكن (عجوز القرم)
في بيتها المهجور
في ساحة من بور
بيت بدون أي وجه
بيت بدون جناح
مثبت بمسمار
ومعلق في الشمس
ولا يمره نور
في غرفة من دون أي رجل شماعة
والسقف فزاعة
ثيابها ألواح
تخوف الأشباح
سكان نفس الأرض
هذا الوضع ألغاز
هذي اليتيمة غاز
والفقر ولاعة

حمد الخروصي

إلى الأعلى