الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الغائب الحاضر فينا

الغائب الحاضر فينا

حينما تود الكتابة عن شخص كنت قد اقتربت من كل تفاصيل حياته، وعشت مع إنسانيته، بكل ما تحمله عبارات الإنسانية من معنى، فإنك تقف عاجزا على أن تدون ولو جزءا بسيطا من تلك الحياة التي لامست ذلك الوجدان حينما تصل تلك المرحلة إلى “الفقد” .. ربما لا يشعر بك الآخرون لأنهم لا يدركون حجم العلاقة التي تربطك بمن تفقد (أو بمن فقدت)، وربما يتعاطف آخرون تجاه ذلك الشعور.. ولكن لن يصل أي أحد إلى العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بالإنسان في ذواتهم، لذا من الصعب جدا أن نوفِي مرحلة الفقد تلك (حقها) وأن نصل بها إلى الإحساس بالغياب .. أو ربما الإحساس بوجود من نفقدهم بيننا مهما كانت آثارهم باقية ..
في الأول من فبراير عام 1976 م شهدت منطقة “الصبيخي” بولاية السويق ميلاد طفل سماه والده عبدالله الخروصي “حمد” . هذا الـ”حمد” نما وكبر “الطفل” الذي بداخله.. عمل بجد واجتهاد ليصل إلى المنطقة المثلى التي فاخر بها أهله ووطنه. حمل في نفسه هموم الحياة وبساطة الناس. كان محبا للناس مطواعا للخيريين، مساندا للمعسرين منهم.. يقدم الآخرين على نفسه، ويقف دائما عند الحدود البيضاء ولا يتعدى الخطوط الحمراء في حياة البشر. صار ذاك الطفل شاعرا وكبر الطفل (العاقل) بداخله .. كتب عن الفقر والفقد والموت في أغلب نصوصه .. لم يكن الراحل يتطرق إلى الفقر والفقد لأنهما ملاذه، بل لأنه يلامسهما في معاناة الناس.. كان يؤمن بأن الملاذ الأخير هو الموت ـ لا شك ـ لكنه حينما يكتب فهو يكتب لغيره ، وحينما كتب وصيته في عام 2012 م فإنه لم يكتبها لشعوره بأنه على وشك “الموت” بل لأنه يدرك تماما أن الغياب بحد ذاته هو الموت. الغياب عن الأهل.. عن الأصدقاء.. عن ضوء الشمس.. عن كل ما يمكن أن يمنح الحرية والفرح للبشر .. هكذا كان “الفقد” بالنسبة له، فدوّن وصيته في نثره وشعره. عانق قلبه تلك الطفلة التي عادت مؤخرا من السعودية ليسقط على قدره ثلاث أبيات شعرية عظيمة يجسد فيها معاني الحب لهذا الوطن الغالي، ويؤكد فيها إيمانه بالقضاء والقدر حينما يحين الأجل حتى وإن كان خارج أسوار البلد ، مؤكدا أن الإيمان بالله تعالى هو السبيل الأمثل لبداية حياة جديدة يكون لها المآل إما على الأرض أو تحتها.. لذلك عبر “الخروصي” عن هذه الرحلة بأنها بداية النهاية ، أو ربما نهاية للشعور بالفقد إلى عالم أكثر رحابة، وأكثر رأفة من العباد إلى رب العباد.
كان الخروصي وفيا لكل الأصدقاء .. كان لا يفارقهم ، حياته مع الجماعة .. أن بقى لوحده أصبح كئيبا، ولكنه قوي لا ينهار في مقابل أن لا يؤذي من حوله .. كان رفيقا لدرب الخير حيث نشاء، يساند أصدقاءه في كل محنهم.. كنا في ذات برفقته والأصدقاء محمد الصالحي وصالح الريسي متجهين لتعزية الصديق الأديب عبدالله حبيب في وفاة والدته، وتصادف أن وقت وصولنا لحظة الانتهاء من مراسم الدفن ، كان محمد الصالحي يقول لعبدالله حبيب: إن شاء الله تكون آخر الأحزان ، فرد عبدالله حبيب بسرعة : لن تكون !! ، وأثناء العودة كنا نناقش هذه الجملة التي تؤكد فعلا أن لا نهاية للأحزان.. يؤكدها الراحل بهدوء، وبالفعل ما كانت آخر الأحزان ولن تكون ..
السادس من أغسطس من العام الجاري 2015 م .. رحل حمد الخروصي الإنسان، والأخ، والصديق، والشاعر ، والناقد … مخلفا حزنا عظيما على وطن بأكمله ، هذا الحزن لم يكن على الرحيل ذاته لأننا نؤمن بأن روح حمد ذهبت إلى بارئها .. إلى الله الرحيم الغفور الودود ، فهي في أمانته ، لكن الحزن على الفقد الذي خلفه ذلك الرحيل هو ما يقض مضاجعنا، حتى وإن قالها الوالد “عبدالله” (والد الراحل) : “انتو كلكم حمد”.. نعم يا والدي العزيز نحن لك حمد .. ولكننا للأسف لن نوفِي حقه “حمد” .. وحمد ليس مثله إلا حمد ..
لم يترفع الراحل على أحد فكان يقف بين الصغير والكبير.. بين المبدع والمبتدئ.. بين الشاعر والقاص والفنان . كان يقف على مقربة من الجميع، لا يتأفف لأحد، ولا يصد أحدا، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم أضداده فهو لا يسميهم إلا “الأصدقاء” .. كان “الراحل” يؤمن بأن الاشتغال على النقد هو السبيل الأمثل لبناء جيل متميز من الشعراء، لذلك عمد إلى أن تكون أهم أولوياته الاشتغال النقدي على تجارب الشعراء الشباب. كان لا يضع حدود “الرسميات” حينما يخاطبهم، وكان يطلب منهم دائما النقاش حتى وإن اختلفت الرؤى والنظرة تجاه النص، لأنه يضع في حسبانه أن النقد هو تقويم للنص، لذلك فإن الكثير من الشعراء المتأففين لحظتها كانوا في مصاف المبدعين عقب ذلك.. لقد اشتغل حمد الخروصي على تجربته بإخلاص لم تجره العاطفة أبدا سواء في المسابقات المحلية التي حكّمها أو في المسابقات الخارجية التي حاول إحياءها بالتوازن بين الطرح الجاد والهزلي المحسوب ليقدم لنا صورة حية للنجاح الذي نتوق له.
كان ـ رحمه الله ـ حريصا على أن يوثق تجربته النقدية أكثر بكثير من تجربته الشعرية، فكان يقول: ماذا نستفيد من قراءة نص بقدر ما نستفيد من قراءة نقدية تفكك النصوص وتحلل مفرداتها وبنيانها؟ وكان ـ رحمه الله ـ قارئا متميزا في كتب النقد وغيرها ، وباحثا في تفاصيل التراث غير المادي في عمق عمان.. فلم يتوان في أن ينطلق صوب المناطق الوسطى من السلطنة والالتقاء بالحفظة هناك، واستقصاء ذلك التراث من كبار السن وغيرهم، وتدوين وتفريغ تلك التجربة لترى النور، وكان ـ رحمه الله ـ قد اوكل الي إيصال “دراسة مقدمة لمشروع البحث الأدبي: حياة البادية المرويّة في محافظات الوسطى وجنوب وشمال الشرقية” إلى وزارة التراث والثقافة المعنية بمشاريع توثيق الأدب الشعبي بسلطنة عمان… وتهدف إلى توثيق الحياة المرويّة (غير المادية) لدى سكّان البادية قبل النهضة المباركة في المحافظات التي يشملها، في محاولة لجمع القصص والأحداث وطبيعة الحياة والمواضيع التي تحظى باهتمام الناس في تلك الفترة والعناصر التي يتشاركون فيها أو يتميزون بها أو يعتمدون عليها في حياتهم، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة التكوين القبلي لتلك المجتمعات؛ لذا كان الراحل يرغب من خلال بحثه في الابتعاد عن المواضيع السياسية أو تلك التي تنتصر لفئة على حساب الأخرى.. حريصا على أن يركز في الأحداث التي تعزز مشاعر التقارب والتآخي والمحبة بين جميع فئات المجتمع.
وكان يقول دائما: إن عمان هي سيرة حضارة الإنسان على هذه الأرض .. الأرض بصحرائها الشاسعة، وبحرها العميق، وجبالها الباسقة. ومن تلك النقطة انطلق “الخروصي” من ذاته إلى البادية، وجاب الوسطى برفقة المصور محمد القرني ليوثقا لنا سيرة من حياة الإنسان حيث “الصحراء”. هذا الفضاء المترامي الذي حلّق فيه، ووضع الراحل يوم الخميس الموافق الأول من أكتوبر المقبل هو اليوم الأول للبدء في البحث ولكن إرادة الله كانت أسبق.
لم يساوم الراحل حمد الخروصي أبدا على “عُمان”، فكان يقدم “الوطن” في كل تفاصيل شعره أو نثره.. أو في حياته. كان مخلصا لكل ذرة من تراب هذا الوطن ، وكان حينما يخط من أجل قصيدة للوطن لا يضع في مخيلته البطولات.. كان يرى أن إحساسه بمعاناة الإنسان البسيط، والانطلاق نحو عمان أفضل هو الأساس الذي يتمناه، لذلك لم تتوقف حدود عطائه عند نقطة سلبية من حياته، بل على العكس تماما كانت هذه النقطة هي الانطلاقه الحقيقية لمسيرة أكثر عطاء، كُللت جهودها بأن كان الراحل عضوا في العديد من لجان التحكيم المحلية والخليجية، وشارك في العديد من الملتقيات الأدبية لتقديم حلقات عمل، إضافة إلى قراءة النصوص المشاركة قراءة نقدية متخصصة كان لها الأثر الإيجابي في السمو بالكثير من النصوص للشعراء المشاركين، وتوّج الراحل مسيرته باختياره عضوا في لجنة تحكيم برنامج “البيت” الذي يبث من دبي تحت إشراف مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، وحاول “الراحل” أن يضع بصمته الخاصة في هذا البرنامج الذي استقطب من خلاله شريحة واسعة من المشاركات العُمانية التي عرّفت بدورها بالتجربة الشعرية العمانية الحقيقية التي يشار لها بالبنان، وعلى الرغم من الزخم المشارك من السلطنة إلا أن “الراحل” لم ينحز أبدا إلى جنسية المشارك، ورجّح كفة الإبداع في كل المشاركات في الموسم الذي شارك فيه ، وكان لدى “الخروصي” طموح في الرقي بالبرنامج نحو الأفضل في مواسمه المقبلة ولكنه كما قال: نحن أنهينا الموسم المقبل ولا نعلم ماذا سيكون مستقبلا !! ، وكأن الراحل يشعر بأن ثمة قدرا ما في انتظاره.
عشق الراحل الأسفار مؤخرا .. بدأ ينطلق من فضاء عمان الرحب إلى فضاء خارج الحدود ، وكان لـ “دبي” مكانة عظيمة في نفس فقيدنا الغالي، لذلك كانت الانطلاقة نقطة العبور إلى الفضاء الأكثر رحابة .. من هنا آثر “الخروصي” أن يرافق شريكة حياته في أول رحلة أوروبية وإلى أين .. إلى “سويسرا “.. هذا المكان الرحب الذي صعدت فيه روح الشاعر حمد الخروصي لتتوقف الحياة عند لحظة فرح كانت تملأ خلجاته في هذه (الجنة التي على الأرض) ويسدل بها ستار حياة مليئة بالعمل الشاق من أجل يوم كيوم مواراته الثرى .. حياة مليئة بتفاصيل الحب تجاه البشر زرعها الراحل في قلوبهم جميعا وكان لها الأثر في أن يكون هؤلاء المحبون: كلهم حمد .. رحمك الله يا صديقي العزيز حمد وأسكنك فسيح جناته يا رب العالمين.

فيصل بن سعيد العلوي

إلى الأعلى