الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / محمد الدعمي .. وتسعة مظاهر من رجوعية الشرق الأوسط في (إقليم المفارقات)

محمد الدعمي .. وتسعة مظاهر من رجوعية الشرق الأوسط في (إقليم المفارقات)

ــ الشرق الأوسط سمي بتسمية غير دقيقة ومهلهلة ومقلة من شأن دوله وشعوبه

ــ لعب غياب مبادئ أخلاقية وإنسانية صحيحة لتشكيل دستور دائم دورا قويا في رجوعية دول الإقليم

ــ هناك دوافع اقتصادية تكمن خلف ملاحم كرم الضيافة الأوروبية عند استضافة المنفيين من معارضات دول الشرق الأوسط والإنفاق عليهم

ــ أدت فوضى رجوعية الشرق الأوسط إلى السقوط في غياهب الطائفية والتطرف

قراءة: طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com
في كتابه الجديد (إقليم المفارقات)، الذي صدر مؤخرًا عن الدار العربية للموسوعات بلبنان، وضع الكاتب العراقي الاستاذ الدكتور محمد الدعمي، فرضية مفادها أن الشرق الأوسط هو إقليم إشكالي ليس فقط بسبب تهديده للسلام والاستقرار الدوليين، وإنما بسبب غيمية مستقبله ومستقبل شعوبه كذلك.
يقع الكتاب في مائتي واربع وعشرين صفحة من القطع الكبير، تضمنت احد عشر فصلا بالاضافة الى تمهيد ومقدمة، كما تضمن اهداء لزوجة الكاتب التي يدين لها بالشكر والعرفان على دعمها مشاريعه الفكرية، وهوامش مهمة تفك رموز الإشارات التي حملها الكتاب بين طياته.
يقدم الدعمي في كتابه (إقليم المفارقات)، الذي جاء غلافه عبارة عن صورة تحاكي باختصار واقع الشرق الاوسط وهي لناقتين يتوسطهما صاحبهما الذي يرتدي جلبابا وغترة ويحيط بهم عدد كبير من المباني ذات الارتفاعات الشاهقة (البداوة وسط التمدن)، دراسة وصفية تحليلية ونقدية لبقاء وتواصل قيم وأنماط سلوك وطرائق حكم وبني مجتمعات القرون الوسطى عبر أغلب دول الإقليم المعروف بـ “الشرق الأوسط”.
وعلى سبيل التحقق من الفرضية أعلاه يضع الدعمي لقرائه تسع مفارقات تمثيلية أساس تجسُد السلفية المتعامية المهيمنة على “إقليم المفارقات” هذا، اعتماداً على استلال مناقشة موضوعات ومحكات، تم توزيعهم على تسعة فصول بجانب فصلي المقدمة والخاتمة.
تبقى الاشارة هنا الى أن الكاتب طعم الكتاب، بأقوال مأثورة لفلاسفة عالميين وبعض من أبيات الشعر لأشهر الشعراء في تاريخ الأدب العربي، وضعها في مقدمة كل فصل من فصول الكتاب، تمهيدا له.
قبل الشروع في قراءة ملخص ما تحويه فصول هذا الكتاب، يشير الدعمي في تمهيده إلى أن فصول بحثه تشكل تحديا للقناعة التى تفيد بأن أشكال التمدن والمكننة المؤثرة بصريا على أعين الناظر عبر حواضر الشرق الاوسط ليست مرايا تعكس تغيرا اجتماعيا أصيلا، لأنها تغلف بكثافة محركات رجوعية لم تزل تدور على أقصى سرعة في مجتمعات الشرق الاوسط، بالظبط كما كانت عليه حالها عبر القرنين الأخيرين.
كما يشير الى نقطة مهمة اخرى وهي كيف أنه تتبع أسباب إخفاق هذه المجتمعات إلى الادوار المركبة للبترودولار الذي بدوره يغذي أنشطة جماعات الاسلام الجديد الذي يعرف بـNeo- islam)) اي الايديولوجيات الدينية والراديكالية، بوصفها روافد تغذي الذهنية الرجوعية التى تتحكم بمجتمعات دول الاقليم على نحو حكومات أبوية ترعى وتعزز هيمنة “الاكبارية” من كبار السن والفئات المحافظة من سدنة التقاليد القبلية والدينة المتوارثة، لذا فإنه من الصعب ان تزول تلك الذهنية الرجوعية الوسيطة السائدة عبر الاقليم لأنها تمثل وتد التواصل، وهي المسؤولة عن صنع وتشجيع ما يسمى بـ “المجاهدين” من الاسلاميين الجدد الذين ردوا جميل الفئات الرجوعية عليهم عن طريق التجحفل من جميع بقاع العالم للإسهام في الزحف الكبير لتحطيم الحضارة الحديثة التى لا تبدو لهم حضارة سليمة.
يصف الدعمي المفارقات التسعة بالمضحكة احيانا واللا معقولة ايضا، ولكنها لا ينبغي ان تنسي القارئ حقيقة أن دراما الرجوعية الاقليمية انما تصنف ضمن جنس “الكوميديا السوداء” في نهاية المطاف.
ــ الفصل الأول من الكتاب جاء بمقدمة حملت عنوان “أم المفارقات: على أعتاب حلم عبثي” وتحدث فيها الدعمي عن حلم معيق مستوحي من القرون الوسطى يهيمن على دول الشرق الاوسط، حلم يحظى بإدامة الفئات المستفيدة من بقائه وتواصله على نحو لا نهائي درجة قرنه ببقائها وتواصل نفوذها.
وعن هذا الحلم الذي له تأثير التنويم المغناطيسي، يقول الكاتب انه اذا لم تحرر اقوام الشرق نفسها منه، فإنها ستبقى حبيسة بدائرة لعنة سحر أسود مغلقة، كتلك اللعنة الأبدية التى وقعت على سيزيف في جهده العبثي لانجاز مايستحيل انجازه.
يتحدث الدعمي بعدها عن استيحائه لفكرة البحث عن طريق استذكار وفحص عدد من المحكات والمحطات المهمة والمفارقات المشحونة بالمعنى ذات القيمة الخاصة من أجل التحقق من “افتراضية الحلم” التي أرقت وأربكت أساطين النهضة العربية الاسلامية قبل أكثر من قرن ونصف.
يشبه الكاتب رجوعية الشرق الاوسط بكثبان رمال صحارية في كونها دائمة الحركة، لا تحسن عملا، اللهم سوى التصحر الثقافي الذي يتبلور على نحو منظومات من المفارقات التي تفاجئ الرائي الاجنبي فتقدم له صدامات عنيفة.
يختتم الفصل الاول برصد بعض من المفارقات التى يبرزها الكاتب كونها تتعلق بالشرق الاوسط، احداها تنافسات القوى العظمى للهيمنة على الإقليم، والاخرى تجسدت في العلاقة المكهربة بين الدولة والنخب الثقافية. وعن المفارقة الاكثر احباطا واثارة للهواجس، فتجسدت في شراكة المنظورات وأنماط السلوك بالحكومات والمعارضات، اي في الخلل الذي تشترك به الحكومة مع أحزاب وجماعات المعارضة في آن واحد. واخيرا يأتي رهاب الاجنبي والحساسية المفرطة منه عائقا، خاصة التحسس من التأثيرات الغربية، وهي حال يمكن أن تبرر إخفاق رؤيا تحرير أمم الشرق الاوسط من الغلاف القديم المتكلس الذي يلفها.
ــ وعن الفصل الثاني من الكتاب فقد وضع به الكاتب مفارقته الاولى وجاء بعنوان ” التسمية: زي أوروبا الموحد”.
تحدث فيه عن التسمية غير الدقيقة والمهلهلة، المقلة من شأن دول وشعوب الإقليم بعد مرحلة الاستقلال ، حيث فُرضت هذه التسمية على أقوام متنوعة تقطن أراض شاسعة تمتد من أفغانستان، شرقا الى ليبيا، واحيانا الى المحيط الاطلسي غربا زيا موحدا، يتجاوز الخصوصيات الديموغرافية والطوبوغرافية.
فعنوان الشرق الاوسط ليس تاريخيا ولا جغرافيا دقيقا بدلالاته، وصفه الكاتب على أنه عنوان ” كولونيالي” بامتياز، يخدم عين المستعمِر، فالاقليم يشمل أقوام ولغات واديان وثقافات لا يمكن ابدا ان أن تنبع من أصل إثني أو ثقافي واحد.
إن مفارقة التسمية الغير دقيقة للأقليم، تنبع من حقيقة أن الامبراطوريات الحديثة قد تجاوزت الحضارات القديمة العظيمة مثل السومرية والأكدية والبابلية والاشورية والمصرية، لأن الاخيرة حضارات طللية مندثرة ومنسية ولأنها غدت موضوعات تواريخ جامعة لغبار الزمن. وهكذا طمس العنوان التعميمي الدوني “الشرق الاوسط”، أسماء جميع هذه الحضارات.
يقول الدعمي إن الحرية التى منحها العقل الاوروبي لنفسه عندما أطلق عنوانا مهلهل وتجحيمي على هذا الاقليم الشاسع، مشحونة بدلالات ذات صفة أبوية سلطوية متعالية على نحو يذكرنا بما يفعل الاباء عندما يمنحون أطفالهم أسماء عند ولادتهم. ويستشهد بإدعاء المستشرق برنارد لويس حينما قال بأن “التأثير الاوروبي والسلطة الاوروبية واخيرا البحث العلمي الاوروبي، وحدهم الذين اقنعوا سكان آسيا وافريقيا بأنهم آسيويون وأفارقة”.
إن هذه اللغة المتعالية تعني انه ما دامت شعوب الشرق الاوسط بلا شخصية مميزة واعية بذاتها فإن للأوروبيين حرية خلط هذه الشعوب ومنحها عنوانا عاما كـ”الشرق الاوسط”، تذكيرا بالمدخل البايولوجي لفصيلة “الثدييات” مثلا، حيث تشمل الفصيلة الحيتان والقطط والبشر ايضا، من بين سواها من المخلوقات الثدية.
يستنتج الكاتب في نهاية الفصل الثاني مدى تأثير تلك التسمية على عدد من مفكري الشرق الاوسط، حيث انها جاءت امتدادا لاراءهم أنفسهم، ويدلل الدعمي بعدم قدرتهم على تحديد هوية مايسمى بـ”النهضة” فيما لو أنها كانت عربية ام اسلامية، قومية أم دينية.
حتى ان الحركة القومية العربية عندم تطلعت لمحاكاة تجارب دول أوروبا القومية آنذاك وقعت تحت تأثير التعريب من اللغات الاوروبية لانها لم تكن متيقنة مما تريد، فكان السؤال: هل نسير على طريق العروبة ام الاسلام؟، بل كا الاكثر ارباكا: أي عروبة وأي اسلام ؟
يرى الكاتب في نهاية الفصل أن القوميين العرب اقترفوا خطأ مشابها لذلك الخطأ الذي اقترفته اوروبا التى ابتكرت عنوان “الشرق الاوسط” الموازي لعنوان “الوطن العربي” في هذه الحال، وذلك نظرا لتجاوزه الاقليات الدينية في اقليم يمور بمثل هذه الاقليات. وهكذا أصبح في المتناول أن يفترض المرء أن تفوق الروح القومي العربي محليا وازى وعزز مدخلا تحجيميا كولونياليا عبر فرضه “بدلة جاهزة” أو “زيا موحدا” على كامل أقوام الاقليم، الناطقة بالعربية خاصة.
ــ الفصل الثالث جاء بعنوان “أي الطرق للشرق الاوسط” وهي المفارقة الثانية التى يتحدث فيها الدعمي عن بقاء أعباء التراث العثماني ضاغطاً، وخيارات شعوب الإقليم، ويوضح لنا كيف حدث الانزلاق السريع الذي شهده الشرق الاوسط منذ سقوط بغداد العباسية 1258م، وماتبع من توالي الظروف المحبطة التي قادت الى سقوط الامبراطورية العثمانية، وكيف ذوت قدرتهم على الابداع والابتكار، حتى وجدوا أنفسهم ضحايا سهلة الاستغلال من قبل المغول والتركمان البدوية الجوالة التى اكتسحت الاقليم بحثا عن الغنائم والنهب، ثم من قبل الانتهاكات العسكرية التى راحت تنطلق من الامبراطوريتين الناشئتين آنذاك، العثمانية والفارسية.
يضيف الدعمي انه فيما بعد رغبت دول الاقليم الفتية، بالنوع الجديد من الانظمة الذي اختلقه المنتصرون الاوروبيون وقدموه أنموذجا، كي لا يبقى شيئا يذكر بـ”الخلافة العثمانية” التي بقيت رهن العصر الوسيط مع ماينطوي عليه من سلطة شمولية عانى منها العرب لقرون عدة، برفقة سواهم من المسلمين غير الاتراك. ولنا أن نلاحظ بهذه المناسبة أنه في السنوات الاخيرة من هذا القرن نشط إهتمام جديد من اجل استعادة واحياء الخلافة الوسيطة التي تؤيدها وتشيع لها جماعات الاسلام الجديد التى أشار اليها الكاتب سابقا (Neo- Islam) والتى اخترقت كتلا شعبية وشبابية كبيرة عبر الاقليم حتى اعلنت ما تسمى بـ” دولة العراق والشام” الخلافة على الاراضي الممتدة بين العراق وسوريا عام 2014.
مرة اخرى يعود الكاتب في نهاية الفصل الثالث ويتحدث عن سلبيات الحركة القومية العربية ومالعبته من دور مهم في تشكيل الاقليم وشرذمته كما يبدو لنا اليوم، ممزقا بين الماضي والحاضر، مفككا وعاجزا عن جسر الفجوة النفسية والثقافية التي تفصله عن بقية أجزاء العالم.
ــ في الفصل الرابع تقع المفارقة الثالثة باسم “لعنة حلاق بغداد” وكيف ينطبق حال هذا الحلاق المتدرب المبتدئ في المهنة الذي يحتاج للوقت والتدريب الكافيين لاكتساب المهارات الاساس لقص الشعر، بشكل دراماتيكي على الحكومات التى تعاقبت على الحكم في دول الشرق بعد سقوط العثمانيين حتى يومنا هذا.
كما لعب غياب قانون أساس (دستور دائم) ومعه غياب مبادئ أخلاقية وانسانية صحيحة لتشكيل هذا الدستور، دورا قويا في رجوعية دول الشرق الاوسط، فالحكام المتعاقبين الغير متمرسين تراهم يغيرون القوانين من آن لآخر تناغما مع ذبذبة الحكام القادمين والحكام المغادرين الذين تتابعوا على افتراس شعوبهم السيئة الحظ والمستضعفة.
يقول الدعمي في نهاية الفصل، ان تتابع هؤلاء الحكام على نحو متوال قاد الى عدم الاستقرار والتقلبات المتواصلة التى منعت البناء التراكمي في مثل هذه الدول الفتية، كما تبلور ذلك في كل حقل حيوي من حقول الحياة المهمة، بالظبط مثل الرمال المتحركة في الصحاري العربية والاقاليم الجافة المحاذية لها، تواصل خضوعها لعواصف التعرية المنطلقة من الربع الخالي في هذا الاقليم غير المستقر.
ــ “أي إله للشرق الأوسط : الطاغية ظل للألوهية”، هو عنوان المفارقة الرابعة بالفصل الخامس، حيث يشرح الكاتب فيها كيف أستمرت تقاليد الخلافة الإسلامية القديمة في مضيها بالاقليم، وهي التقاليد التي أرست أسس الانصياع الاعمى لإرادة الحاكم مادام يدعي الاسلام، بغض النظر عما إذا كان ادعاؤه اسميا أو حقيقيا. مستعرضا بعض نماذج لرؤساء الاقليم السابقين الذين قدموا أنفسهم لرعاياهم آلهه أو تجسيدات للآلهه على نحو صريح مباشر.
يتحدث الفصل عن بدايات الصراع الطائفي مع التدهور السريع الذي انتاب مؤسسة الخلافة الاسلامية بعد صعود السلالة الاموية في دمشق 661م وصعود مؤسسة “الامامة”، بعدها بدأت الحروب الدينية لدولة الخلافة تشق طريقها عبر الاقليم ضد الدول غير المسلمة المجاورة (غزوات الثغور). ويشير الكاتب هنا الى أن الدين كان المحرك الاساسي لتلك الحقبة الوسيطة الذي يدور الآليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث كانت سلطة الدين أهم بكثير من سلطة الدولة الزمنية من الناحية العلمية.
ــ تتضمن المفارقة الخامسة للكتاب، الحديث عن التنافر بين سلطة الدولة وسلطة الثقافة، حيث جاء الفصل السادس منه تحت عنوان ” الدولة نقيض للثقافة”.
توضح تلك المفارقة كيف يدعى حكام الاقليم معرفتهم الكاملة بكافة الامور، وأنهم فقط من يتفوقون على الجميع في كافة المجالات، والاهم كيف تصل تلك المعرفة للجمهور.
وكما عودنا الكاتب في الفصول السابقة، فإنه يستحضر امثلة عدة لرؤساء قد أكدوا لمواطنيهم على قوة مشاعرهم الوطنية من خلال تأدية بعض”الحركات” الاستعراضية في مناسبات مختلفة.
ويستكمل الكاتب مفارقته بالحديث عن الفكرة الجوهرية التي هيمنت على الحاكم العربي وهي الجمع بين الحرب والسلام في آن واحد، ويقول ” أضحى النموذج المفترض للحاكم العربي المسلم، رجلا له الهيمنة المطلقة على شؤون الحرب وشؤون السلام في آن واحد، وهي الفكرة الجوهرية المهيمنة على هؤلاء الحكام، هذا النموذج الشمولي يضم نموذج “الآمر”، آمر رجال السيف ورجال القلم في آن واحد.
الحاكم العربي، أراد ان يكون “فلتة” زمانه التى لا مثيل له، اذ بينما هو يحصل على أرفع المراتب والنياشين العسكرية فجأة بوصفه مخطط استراتيجي ومحارب مغوار عبر البث التلفزيوني المحلي، فإنه يحاول في الوقت ذاته عرض طبائعه الاكثر رقة على الجمهور كمساعد الفقراء والعناية بحقوق المرأة.
لقد أصبح حكام الاقليم يجسدون فروسية القرون الوسطى، ولأن الفارس كان يحاول دائما أن يكمل ديكوره المبهرج عبر رعاية الشعراء والكتاب، تراهم يثابرون على إظهار مراحل حكمهم بوصفها مراحل ازدهار ثقافي شهدت تشجيع الانشطة الثقافية، ومن هنا جاءت المهرجانات الثقافية والمراكز البحثية والجوائز الكبيرة المحلاة باسم هؤلاء الحكام الذين يتكرمون بإطلاق أسمائهم الشخصية على الجامعات والمهرجانات والمكتبات..إلخ، من بين سواها من المشاريع والشواخص الثقافية أو التربوية التي ىتشهدها عهودهم السعيدة.
وهكذا، فإن ادعاءات الحكام بالتفوق الثقافي وبالاستثنائية الفكرية يثير أعصاب نخبة المفكرين، وتزداد التوترات والشكوك المتبادلة حتى تهيمن فتشكل العلاقة بين الحاكم الديكتاتور والنخبة الفكرية، خاصة وأن دولة الاول دائمة الوعي بأن أهمية صلتها بالثقافة تنبع من الاجابة على سؤال:”معها” أو “ضدها”؟ بدون خيار ثالث. هذا هو سبب الانشقاقات المتكررة زغير المتوقعة للكتاب والفنانين الذي يختفون فجأة، ثم يظهرون على حين غرة في مقاهي المدن البعيدة، حيث يبقون هناك منفردين في فضاءات غير مأهولة.
يختتم الفصل السادس بتوضيح الصدام والاشكالية بين النخب الثقافية وأنظمة الاقليم التى عملت على “مأسسة” الثقافة، ولأن النخبة الاخيرة غالبا مالا تستجيب للصيغ المفروضة من الأعلى، كان لزاما على الانظمة الشمولية أن تراقب وتخترق النخب الثقافية، بطرق مختلفة منها التجسس والرشوة، وهو ما أدى الي توتر متواصل بين سلطة الدولة وسلطة الثقافة في دول الشرق الاوسط، حيث عملت الاولى في العصر الوسيط، على ترويض واستخدام الثانية لأهداف سياسية. تبقى الاولى متشبثة بمظهر رعاية الثقافة، ولكن رعايتها ليست رعاية لا مصلحية، لاعتبارات بقاء السلطة.
ــ في الفصل السابع من الكتاب تقع المفارقة السادسة بعنوان” لصوص بغداد:الدولة مضاد المعارضة”. فيها يتحدث الدعمي عن غياب أو محو أغلب أشكال الممارسات الديمقراطية الحقة تأسيسا على إساءة الحكومة رؤية السلطة التي تمارسها كنوع من “غنائم الحرب” التي تستثمر وتحتكر بطريقة ليستمع بها القائمون على الحكومة الشمولية بشكل مطلق.
القضية الثانية التي يشير لها الكاتب، هي القوة وكيف مارست دول الشرق الاوسط، السياسة كلعبة قوى ولم تمارسه كعمل مدني سلمي، حيث يسود قاون الغاب”البقاء للاقوى”. وعن الامن في هذا السياق الاستثنائي للإقليم، فإنه يعني أمن السلطة ومهيمنيها (الحكومة)، وليس أمن الدولة أو الشعب كما هو معروف في الديمقراطيات الحقة. واستكمالا لما سبق عرضه من مفارقات وربطها جميعا وترتيبها لمعرفة أسباب رجوعية الاقليم، يستحضر الكاتب مفارقته الرابعة التى جعلت من الحاكم آله على الارض، وكيف تقود معارضته ومخالفة رأيه “الاقدر والأكثر حكمة”، الى نتائج خطير، خاصة عندما يقتنع هؤلاء الحكام أنهم ملهمون، يستخلصون سلطتهم وحكمتهم من ينابيع الآلوهية أو بتخويل السلطة الدينية، لذا يغدو الاعتراض على ما تفعله السلطة ضربا من “الكفر”.
واذا ما ربطنا الفقرتين اعلاه، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها، أن الخوف والعنف هما أكثر الادوات فاعيلة للإبقاء على السلطة بأيدي هؤلاء الذين يهيمنون عليها في دول الاقليم، فالخوف من السلطة نصف المؤلهة، يعد السور الأول لحمايتها من المنافسين والمتسابقين والمحتجين، بينما يعد العنف السور الثاني، باعتباره أنجع الوسائل المبائرة للقضاء على المنافسين والمعارضين ولتهدئة المحتجين والشكائين للإقلال من غلوائهم.
وبعد ان يستعرض الدعمي عدة أمثلة وشواهد تاريخية لما حدث ويحدث من إسكات وتهدئة لجماعات المعارضة، يشير الى قضية في غاية الاهمية وهي نزوح تلك الجماعات من بلدانها في الشرق الاوسط إلى دول أوروبا خاصة، وكيف تناضل تلك الجماعات، من حيث تموضعت في الفنادق أو المساكن والشقق الفاخرة في ضواحي المدن الاوروبية، حيث تم تجهيز أفرادها وعوائلهم بجوازات سفر جديدة، اضافة الى تلك الاصلية التى حصلوا عليها من أوطانهم. وهو مايستدعى القارئ لمساءلة الطرائق التى تأملتها ووظفتها هذه الجماعات لانقاذ أوطانها من قبضات الانظمة الشمولية.
وقد برهنت الجنسيات المزدوجة على اتاحة امتيازات لا محدودة لهؤلاء مايسموا بـ “الوطنيين”، حيث يمكن لكل منهم أن ينتزع جلده ويغيره في مطار بلده، حيث يمكن أن يعين وزيرا أو سفيرا بعد سقوط النظام السابق، بينما يمكن أن ينقلب فورا الى مواطن بريطاني أو هولندي ذي اصول ارستقراطية قادر على ابتياع أفضل الاملاك في الاحياء الغنية من تلك المدن.
وهو ما يضطر المرء للشك بإمكانية وجود دوافع (مطامع) اقتصادية تكمن خلف ملاحم كرم الضيافة الاوروبية عند استضافة المنفيين من معارضات دول الشرق الاوسط والانفاق عليهم، توقعا لإمكانية استلام هؤلاء المنشقين يوما للقيادة المستقبلية في دول المنشأ الذي هجروه، ويبقى الولاء لتلك الدول التى ساعدته خلال فترة استضافته.
يضرب الدعمي مثلا لما حدث في العراق ما بعد صدام حسين(2003 والسنين التالية)، حيث جسد هذا النوع من السياسيين المعارضين، سابقا، نموذج الـ” علي بابا”، نموذج جديد من اللصوص والمختلسين أطلق عليهم “لصوص بغداد”، تجاوزت اختلاساتهم مليارات الدولارات الاميركية. اللصوص أصحاب الجنسيات المزدوجة، كانوا من قادة المعارضة السابقة الذي بقوا تحت ضغط نفسي انتقامي طوال عقود فقاموا بالتعبير عن هذا الضغط على نحو ثأري من خلال استحلاء السحت الحرام.
وفي النهاية تؤشر تجربة العراق المريرة الاخيرة (بعد استبدال الدكتاتورية بديمقراطية المعارضين السابقين)، أن الخيارين كانا مرّين بالنسبة لشعب لا حول له ولا قوة، شعب أعمته معاناة القرون واذلة غياب الثقافة الديمقراطية. لقد دل غياب النضوج السياسي وعدم الاخلاص في العمل بالسياسة عند قطبي العمل السياسي، الحكومة والمعارضة عبر دول الشرق الاوسط على أن القطبين ليسا سوى وجهين لعملة واحدة، خاصة بعدما تم امتطاء الديمقراطية من قبل شكل من أشكال الرجوعية والتخلف، في الاشارة الى ما يحدث بدول ما يسمى بـ”الربيع العربي” اليوم، حيث تم تتويج البترودولار ملكا، بينما تسلطت الفوضى ، قانونا، وتنكر الارتداد الرجوعي بقناع الدين والتدين.
ــ إخفاق نظم التربية والتنشئة، والاقلال من شأن اللغة العربية والتوهم الذي قرن التقدم باللغات الاوروبية (تقديس كل ما هو أوروبي)، بينما خفض القيمة الحقة للبرامج التربيوة والأكاديمية، محور ما جاء به الفصل الثامن المعنون بـ”مسيرة العقل المتعرجة”، وهو المظهر السابع من مظاهر رجوعية الشرق الاوسط.
ويوضح الدعمي أنه تم عد ما هو بريطاني وفرنسي موازيا لتفوق بريطانيا وفرنسا، خاصة عبر سنوات الهيمنة والانتدابات مابين الحربين العالميتين، حيث لم تكن اميركا تلعب دورا رئيسيا على نحو مباشر، في الاقليم الذي وصفه الكاتب مرارا بـ”الاشكالي”. وفي تلك المرحلة تطورت قناعة راسخة بين أقوام الاقليم يمكن اختزالها بإيمان قوي بتفوق، ليس فقط الثقافات الاوروبية، ولكن كذلك بتفوق الانظمة التربوية الاوروبية. ومن هذه القناعة جاء الخضوع الذيلي الذي أبدته المؤسسات التربوية الشرق أوسطية للنماذج البريطانية والفرنسية على نحو متعام وعام. قاد هذا الغزو الثقافي الاوروبي الى بلوغ “غسيل دماغ” جماعي مهول عبر الاقليم، فقد راح النمو والتطور يقاسان في هذ الدول النامية بعدد خريجي جامعات اوروبا، وهو معيار خاطئ تمت إدامته لعقود، ليس فقط بمفاهيم الشرق الاوسط غير الدقيقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وانما كذلك بأفكار المتبصرين من الاداريين الغربيين الذين فطنوا للفوائد الاقتصادية لمواشجة برامج التنمية في هذه الدول الناشئة بالمؤسسات الاكاديمية الاوروبية منذ وقت مبكر. صار المهم عند المسؤولين عن نظم التربية والتعليم العالي هو الكم وليس النوع بقدر تعلق الأمر بالبرامج التعليمية في دول الاقليم، وهي حال قادت الى تدهور مخيف بمستويات التعليم الناشئة التى كلفت حكومات الاقليم أثمان باهظة. هكذا صارت الشهادات الجامعية “ديكورا” يشكل عبئا حقا على دوائر الدولة التى توجب عليها الاضطلاع بتوظيف اصحابها.
الطريف في تلك المفارقة، هو حقيقة صادمة يوضحها الكاتب، مفادها أنه بالرغم من فائض شهادات الدكتوراة في هذه الدول، فإنها بقيت توظف الخبراء الاجانب (خاصة الاميركان والاوروبيين) لإدارة الجامعات والمراكز العلمية التي تفتح هناك من آن لآخر.
وفي النهاية يقود استيعاب اندفاع العمالة الاجنبية الى تهديد الهوية الوطنية لدولنا، بل حتى الى تهديد اللغة العربية، وسيلة اتصال، ومن ناحية اخرى، حل الدولار الاميركي محل العملة الوطنية في اجزاء واسعة من سوق التداول النقدي.
ــ في الفصل التاسع جاءت المفارقة الثامنة وقبل الاخيرة تحت عنوان “قلب رحلة كولومبس”، حيث تتحدث عن ردود الأفعال الإنكماشية المتحسسة، المضادة لكل ماهو اجنبي أو وافد من العالم الغربي بوصفه تهديدا للأساس القديم للإستقرار فيما، سيادة وتشجيع حكام الاقليم لمواقف تقلل من شأن وتقدير مبادئ كونية، معتمدة عالميا، من نوع الحرية والمساواة وحقوق الانسان والديمقراطية.
في البداية يوضح الدعمي، العلاقات بين الشرق الاوسط وأميركا منذ أقدم مراحلها، أي منذ كولمبس. حيث يقول أن الاميركيين الاوائل لم يهتموا براكبي الجمال، بقدر ما كانوا يهتمون بالحيوان الصحراوي ذاته في سياق الحرب الأهلية. حيث يفسر هذا واحدا من المحكات المبكرة للبراغماتية النفعية الاميركية التي تركت بصماتها على المدخل الاميركي لتلك العلاقات بالشرق الاوسط. وبرغم إخفاق الرؤيا الرومانسية المتصلة بالاقليم، فإن اميركا بقيت تهتم بطرق متنوعة.
ينوه الكاتب هنا الى نقطة مهمة يجب على القارئ ملاحظتها، وهي بأن الصورة المشوهة للولايات المتحدة في الشرق الاوسط بقيت حبيسة نفاق الانظمة الرجوعية التي كانت تبدو صديقة لواشنطن على السطح، بينما كانت هي المسؤولة عن انتاج وتشويه صورة أميركا أمام شعوبها عبر الاقليم بتعمد، لئلا تطالب تلك الشعوب بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان التي لا تستطيع الانظمة الرجوعية المعاقة أن تقدمها لها.
يتحدث الجزء الثاني من الفصل التاسع عن ماسببته تلك العلاقات المتوترة، بغزو العراق، وما كان يحمله الرئيس بوش الابن من نوايا خبيثة بإعادة تشكيل الشرق الاوسط ابتداء من بغداد، على سبيل تشكيل مايسمى بـ”الشرق الاوسط الجديد” الذي يراد له أن يحل محل الشرق الاوسط الذي يتفكك كما نرقبه الان.
ينتهي الفصل باستعراض ماسببه الغزو الاميركي على العراق، ومع اخفاق رؤيا الاخيرة، حديقة للديمقراطية في قلب صحاري الاقليم، تصاعدت أعباء الوجود العسكري الاميركي وتكاليف بقائه ماديا واعتباريا لأن العراق الجديد وقع هذه المرة ضحية للارهاب وللفساد الحكومي اللذين اقفلا كل الطرق نحو التقدم. أما الذي تلا، فقد شكل متوالية مؤلمة من نمط”حلاق بغداد” و” حراميها” اللتين رصدهما الكاتب فيما سبق من فصول، وهي مفارقات تشق طريقها ترادفا وموازاة نحو مستقبل مظلم.
ــ في الفصل العاشر من الكتاب تقع المفارقة التاسعة والاخيرة، التى عنونت بـ “احتلال العراق والثقافة المحلية: إسلاميون وقوميون وليبراليون”. وتتحدث عن صناعة وإزالة الأعداء، من آن لآخر وعلى نحو متواصل بهدف التعبئة واحيانا ، بهدف العسكرة والتعبئة الاجتماعية على نحو لا نهائي، كما يتحدث عن حال الثقافات العربية والعراقية بالذات، تجاه الغزو الاميركي للعراق وأوجه التشابه والاختلاف بين النظرة الاسلامية والقومية والليبرالية، للولايات المتحدة، في الاقليم، وأخيرا ما أدت اليه حالة الانقسام التى اصابت جمهور العراق عقب غزوه.
في البداية، يوضح الدعمي عدة أسباب أو مصالح، وراء اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الاوسط، حيث يقول” إن المصالح الاميركية تضاعفت بالشرق الاوسط في مرحلة نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى غزو العراق 2003 لأسباب عدة، من بينها، الصراع العربي الاسرائيلي، إلتزام أميركا بأمن اسرائيل، الانشطة المتصاعدة للاحزاب اليسارية والاسلامية في العالم العربي، و الحرص على تأمين مصادر البترول. حيث تبلور هذا الاهتمام وزاد نتيجة تنافس القوى الكبرى خاصة اميركا والسوفيت على النفوذ في هذا الاقليم، كما مثًل الدور المتنامي الذي لعبته الحركات اليسارية والقومية العربية خاصة (الناصرية والبعثية)، خطرا على تلك الدول وبالاخص اميركا التى وصفت في الخطابات السياسية تلك، بالشيطان، وتقديمها على نحو وحيد الجانب، حليفا وحاميا للكيان الصهيوني فقط.
استقطب التياران اليساري والقومي (برغم تنافرهما) الرأي العام في العراق، عبر حملة واضحة المعالم لتشويه وشيطنة السياسات الاميركية في الشرق الاوسط.
وفي يوم 9 ابريل 2003، اصابت جمهور العراق حالة من التخبط، عند مشاهدة الاميركيين، جنودا واعلاميين داعمين لبغداد، نظرا لوجوب ان يتعاملوا مباشرة مع أناس تم تصويرهم “اعداء” عبر 35 سنة مظلمة من الحكم الشمولي الذي كان يصنع الاعداء ويسوقهم حسب رغباته وتذبذب مصالحه. ولكن مع هذه الصدمة، بدا “الفاتحون الاميركيون” وكأنهم يعرضون شيئا بالمقابل فقد ازاحوا نظاما ديكتاتوريا. وهو ماقاد الى نوعا من المشاعر المختلطة من الخوف واللايقين بطبيعة الحال، الى انقسامات وأنواع الجدل، الامر الذي انعكس بعدئذ من خلال عدد من الاعلانات الفكرية الت أطلقها كتاب وصحفيون عراقيون.
يستعرض الدعمي قراءات، لكتابات احد عشر كاتبا في عراق مابعد حرب 2003، ما بين اسلامي وقومي وليبرالي، يقول عنها إنها تبقى ذات دلالة في تأشير تواصل أطر تفكير العقل الرجوعي.
ــ يختتم الكتاب فصوله بالفصل الحادي عشر، تحت عنوان” إنتصار الماضي: تفاعلات البترودولار والإسلام الجديد”. وفيه وضع الدعمي خاتمة بحثه بتفاعلات البترودولار(دولار الولايات المتحدة التي تحصل عليها أي بلد من خلال بيع نفطها إلى بلد آخر)، والسماح لشكل مشوه من “السوق الحرة” بإمتطاء الاقتصاد المحلي على نحو يتوافق مع المصالح الضيقة ومع الاستغلال العشوائي الأناني وغير المخطط لثروات الدولة من قبل الانظمة الشمولية، فيما تشجيع روح الغوغاء والاستخدام الخاطئ لها.
يلقي الدعمي الضوء على حركتي “الاصولية” والسلفية” وهما اصلا موقفان فقهيان فكريان تشبثا بفكرة التجديد، ثم تحولا الى مواقف سياسية قادت الى السقوط في هوة الارهاب في نهاية المطاف. الحركتان يشكلان في نظر الكاتب، محرك النزعة الرجوعية في الشرق الاوسط، تلك النزعة التي ترنو لعزل الاقليم عن مسيرة شعوب العالم الاخرى عبر دفع شعوب الاقليم للسير باتجاه معاكس، كما أنهما يؤشران انتصار الرجوعي على التقدمي والاندفاعي على الهادئ والعقلاني.
يوجه الدعمي القارئ لمراجعة الاحداث الساخنة التى حدثت بين 2011 و2013 ، لكي يقارنها بوجهة نظره اعلاه ، تلك الاحداث المسماة بـ”الربيع العربي”، تعسفا، عندها سوف يلاحظ تفاعلات تيارات التقدم والتراجع التي تصاعدت حد الهيمنة الكبرى على شرق أوسط عالق بحلم وسيط. كانت النتيجة النهائية هزيمة واضحة للجمهوريين “التقدمييين” اسميا والعلمانيين نسبيا، أمام الانظمة المعروفة بالرجوعية التي أدارت عجلة التغير بحماس، مستخدمة “البترودولار” المستحصل من الدول الغربية مقابل النفط الخام في سبيل تمويل وتسليح الغوغاء المتعامي المضاد للغرب، ذلك الذي إغتال السفير الاميركي بليبيا في 2012.
وفي نهاية المطاف، أدت تلك الرجوعية الى فوضى يؤديها شبان جياع سهلي الاقناع والانصياع، حيث انهم اعتادوا الرجوعية والخنوع أصلا بسبب أصوليتهم العميقة الجذور المرتكنة الى تنشئة رجوعية بواسطة الانظمة التربوية وأدبيات الاحزاب التى لا تقل رجوعية لتقودهم فرادى وجماعات نحو السقوط في غياهب الطائفية والتطرف. لذا ظهرت التمايزات والضغائن الطائفية التي مافتئت تخرب كامل الاقليم وتحطم حاضره ومستقبله.
يقول الدعمي ” لو راجعنا الاحداث الجارية الان والآيدولوجيات المتنافرة التي تبتلع كامل أقوام الشرق الاوسط اليوم، فإننا لابد ان نصدم باكتشاف مفاده أن المحرك الاساس الذي يدور آليات السياسة الاقليمية البينية انما هو صراع طائفي، مستوحى من معطيات العصر الوسيط الذي يمتطي فوضى التغير الاقليمي المستطيل وغير المتوقف منذ اشتعال الحرب العراقية الايرانية 1980.
ينتهي البحث إلى خلاصة تحدد عمق وشائكية معضلة رجوعية، يحياها الإقليم عبر وضع المفارقات أعلاه إزاء خلفية قوامها عدد كبير من المفارقات والعقبات الكأداء القادرة على التناسل والتوالد الى ما لانهاية.

إلى الأعلى