الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / زُجاجُ العوالم

زُجاجُ العوالم

*النص الفائز بالمركز الأول في الملتقى الأدبي 21 في مجال الشعر الفصيح .

مثقلٌ
كإلهٍ قديم
تقاعدَ من صرخةِ الليلِ في داخلي
وتهيأَ للموتِ من بعدِ طولِ انتظارٍ
ومن بعده..

وكأني على الدربِ أفتحُ درباً جديدا
هناكَ أرى في الرفوفِ قميصاً
تهيأ للعرقِ الساحلي
هناك على الوقتِ تفاحةٌ حيةٌ
تفتحُ الموتَ من جانبيهِ
وتطلقُ ذراتها في انحسارِ الدقائقِ
لو كنتُ طفلاً لكنتُ هنا جرة
تتثاءبُ عندَ مرورِ الحديقةِ
لكنني كنتُ طفلاً إلهاً
أدقُّ دمي في الجدارِ
لكي يهطلُ الموتُ قبلي
رأيتُ الملاكَ يمرُّ وراءَ الزجاجِ
ويقطعُ عينيهِ بالملحِ
مَن لا يرى في الرياحينِ قنديلَهُ
لن يرى..

شرفةٌ في الظلامِ تكثفُها
حاجةُ النسرِ للطيرانِ
وتقطعها الكلمات
كأنا خلقنا صديقين يا فكرتي
وكأنا خلقنا عدوين بعد الرحيل..

رميتُ الخُطى في صليبِ التشكلِ
حيثُ الحرارةُ دافئةٌ
قبلَ أن ترجعَ الكائناتُ إلى أصلِها

قبلَ أن ترجعَ النارُ للنارِ صافيةً
قبل أن يغرقَ الماءُ في الماءِ
والبرقُ يفتحُ أفقاً جديداً
لكي تتسنى لعالمِنا قفزة ثانية..

الهواءُ انحدارُ السلالمِ
صوتُ الخليقةِ في غابةِ الظلماتِ الكثيفةِ
والنفسُ زرقاء مثلَ الينابيعِ
ترقبُ نافذتينِ
وتنحازُ للنورِ للحسِّ
للموتِ بينهما..

تفتحُ الريحُ قمصانها للكلامِ القديمِ
وتفتحُ قافلة الموتِ
معنى الحياة التي تتعتقُ
في عتمةٍ قاتلة..

لا البصيرةُ تعرفُ كيفَ تكون البصيرة
في اللامكان
ولا الكائناتُ تراقبُ أشكالها

نقطةٌ واحدة
سوفَ تدخلُ كل العناصرِ
صفراءَ، زرقاءَ، خضراءَ، حمراءَ
والروحُ تعبرُ بئرَ الوجودِ
ترى خلفها عالما
وترى حولَها غيمةً تتثاءبُ
من فرطِ صمتِ الحقولِ الجديدةِ..

نردٌ على مقعدِ النورِ
بردٌ.. نبيذٌ يطيرُ
وطيرٌ تعتقَ في الكأسِ
ترشفهُ البيدُ

موجٌ تناسلَ من وردةٍ
والحقولُ تسيلُ على شفةِ الربِّ
غارقةً في الجرارِ البعيدةِ..

قافلة سوفَ تأتي قريباً
لتعبرَ نرداً
ولكنها تتكاثرُ في اللمحةِ

الآنَ خلفكَ ألف ملاكٍ
وتحتك بئرٌ جديدٌ
وحولكَ روح تحلقُ بين العبورِ
وبين احتراقِ البقايا من الشكلِ

تغرقُ شمسُ المعارفِ
ريحٌ من البرقِ تعبرُ خضراءَ
لا شكلَ عند التحولِ يرفقُ بي..

ذرةٌ تتكاثُرُ
يا قلبُ يكفيكَ موتاً
على البئرِ أصرخُ
أنت إلهي انتظرتكَ
إنْ شئت خذني
وإنْ شئتَ دعني
فإني أموتُ بطيئاً بطيئاً
على هذه الطاولة..

ذرةٌ تتكاثرُ
والقادمونَ من البيدِ أشكالُهم تتغيرُ
وفقَ ترابِ العوالمِ
صمتٌ يخيِّمُ
والجاذبيةُ ترفعُ نهرَ الخلودِ عن الآلهة..

تستقيمُ القوالبُ في القبضِ والبسطِ
حتى تغادر قمصانها

ذرةٌ تتكاثرُ
زرقاءَ زرقاءَ
والخمر يسكرُ في عرقِ الحورِ
نورٌ تكورَ في النورِ
زرقاءَ زرقاءَ

يا سيدي ومليكي
تجليتَ في كل شيء
فلستُ أرى الآن موتاً سواكَ
ولستُ سواك لكي لا أراكَ..

تجليتَ في النورِ في النارِ
في العتمةِ المستحيلةِ
في الفاتناتِ الأنيقاتِ
يجرحنَ صوتَ المكانِ
انحدرنا من الكونِ خمراً
على هذه الأرض
حتى نعمرها
واحترقنَا سريعاً على جرةِ الأسئلة

يا إلهي
أرحنا من البردِ
حتى نطير إلى سدرةِ المنتهى
ليسَ للموتِ ألا يعود..

هنا ساحةٌ تتثاءبُ في ساحةٍ
تفتحُ الأرض للراحلين
توسعُ صوتَ الكواكبِ داخلَ حبةِ رملٍ
وتنقذُ قافلتي من دمي

كلما سجدَ الظلُّ للظلِّ
قامَ الكلامُ
ورتبَ ما لا نقول على طللٍ باردٍ
تشتهيكَ الخليقةُ خلفَ الجسدْ
وردةٌ قدميك تنيران ليل الأبدْ

وردةٌ تتعتقُ
والواقفونَ على قدمي
لا ينيرون ليلَ الإلهِ الوحيدِ
يقطعُ في الحانةِ الموت
يعصره في الهواءِ
الوسائدُ تبكي من الظلِّ
كيفَ يرتبنا في التحولِ
راهبةٌ خلفَ صوتي تموتُ
وتوقظ أبناءها..

كالعصيرِ انسكبنا عليك
نبلل قمصانك
الآن قلْ لي تورطتَ فينا
أم الليلُ أطول منا ومنك
تجليتَ حتى اختفيتَ
صراخُ اليتامى من البئر يعلو
الكواكبُ تصرخُ في داخلي

منك أدخلُ
كالإبرةِ المخمليةِ في إبرةِ الكون
تفاحةٌ تستفيقُ ليهبط آدمَ
والبيدُ سوداءَ
لولا ارتفاع القناديلِ
كنت العدمْ
الدقائقُ أثقلُ من ريشةٍ
والسرابُ قِدَمْ

يا إلهَ المرايا
تعبت من الهيكلِ المستحيلِ
العناصرُ تحرقني
حجرةُ الكونِ باردةٌ
والظلالُ تشكلُ أجسادَها

كائناتٌ من البئرِ تعلو
لتطلق ذراتها
في دم التجربة

كلما انهدرَ الدمُ من نخلةٍ
قلت للراحلين..
رأيتُ الملاكَ يمرّ وراءَ الزجاجِ
ويقطعُ عينيهِ بالملحِ
من لا يرى في الرياحين قنديله
لن يرى..

أحمد حسين الفارسي

إلى الأعلى