الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حمد الخروصي، أو الباطنة التي لم تجد من يرثيها

حمد الخروصي، أو الباطنة التي لم تجد من يرثيها

مات حمد! كان هذا هو المانشيت الأكبر لعُمان التي صحت على فاجعة رحيل أنبل أبنائها وأشعرهم وأجملهم، قبل أيام، مضت علينا، نحن إخوة حمد وأصدقاؤه ومتابعوه، كأشد ما تكون السنون التي يصلي قاطعوها بصدق أن تنتهي في عُجالة وصمت. مات في سويسرا. ربما لم تطق جبال الألب صبراً على احتضان شاعرٍ من سلالة طرفة بن العبد ورامپو ولوركا ونيتشه أيضاً، فقررت استلاب روحه الشاسعة لتتسع بها، ولتزداد بها خضرةً وتدفق أنهار. كانت زيارته الأولى لأوروبا، أوروبا التي حملها كتابا وحملته جسداً. لم يذهب بنبوءة، لكنه عاد بنبوءة الأيام التي نسينا، في غمرة الذكرى، أنها تعدُّنا. كم متنا بموتك، وكم أنت الآن أشدّنا حياةً في قبرك بين ثنائية الغبار والاخضرار يا حمد. إنما موت الشعراء مسألة أخرى، إذ يقف الزمن ويتأبد الوقت، في انتظار مرور السلطة مطأطأة الرأس احتراماً لموت شاعر، لم يكن على وفاقٍ أو خصامٍ متضح المعالم معها. لكنها البروتوكولات التي يجهل إعلامنا أبجدياتها. مات حمد، وتوالت كلمات النعي والرثاء من داخل عُمان وخارجها، لشاعرٍ قال كل ما يمكن أن تقوله القصيدة للأحياء والأموات. لم ينتظر تكريماً، ولم يسع لمجدٍ. كانت الباطنة، ذلك السهل الخصيب الممتلىء بالخصب والجدب مسرحاً لانفعالات حمد وانفجاراته وتدفقاته النهرية. لا نهر في الباطنة سوى شعرائها ومغنييها. حمد الذي لم يبارح باطنته وسويقه وصبخته، أثبت العكس في رومانتيكياتنا الساذجة، حيث أنك لن تكتب شعراً حقيقياً سوى في بلادٍ تفيض نساءً وخضرةً وتمدناً. حمد كان معاكساً لكل متوقع وبداهة. قال ما شاء ورحل وقت ما شاء. يستلُّ من موت الآبار انبعاث النهر في الكلمات. اختار الأربعين عمراً للرحيل. الأربعين وقت النبوة والرسالة لنا نحن العرب، لكنه كان نبياً ورسولاً بطريقته الباطنية، وبلحظته المختارة. كان كأنه الجني الذي يقرأ الشعر على لسان الآخرين. ما زلت أُدَهْوِرُ في فمي مطالعه المنزّلة، وأحسب أنها هدايا السماء. إنه الشاعر الذي شطرنا نصفين، وعلّق دشداشته على مشجب السهر ونام، متعباً من سيارة أُجرته القديمة، وبلاده القديمة، وناسها القديمين، وتحجُّر الزمن القديم في محاجر أمه الباطنة. تلك الأم العاقر العانس الجافية. لم يرث سوى النخل والرطوبة والفلج الماحل. لكنه أصبح طبيعةً أخرى، طبيعة سويسرية لا تتبدل بتبدل الفصول. يغدق على الغريب والصديق والعابر محبةً وكرماً وشعراً. يفعل في قصيدته العجائب. كل قصيدة هي الأخيرة قال، يترك في مطالعها وقفلاتها بهجة الانتشاء وخصوصية الالتفات. هو سيد البدايات والخاتمة. عُمان كان سوقاً لقصيدته الفذة المتسيدة. لكن الغربة قدر الشعراء ومآل طموحهم. فلنجعل الآخرين، كما هي العادة يلتفتون لنا، فيما نكتب ونحترق ونخترق وتتوهج، أما نحن الساكنين أمام جثمانك المسجى المسافر أبداً من أوروپا لآسيا، ومن سويسرا إلى طائرة حملت جثمانك الأطهر من الحب، إلى عمان، ومسقط تحديداً. مررت على عاصمتك التي أحببتها وسكنتها وعبرتها كالغريب (مسقط حمامه، والبحر ريش) هكذا قلت في إحدى سورك المحكمات. بلى إن مسقط حمامةٌ، حمامة لا تحمل مرارةً كي تستحمل أو تحقد على منتهبيها ومغتصبيها كل صباح، وبحرها الأبيض بفعل الرطوبة تطاير كريشٍ في مهب الناتفين لجسدها الأبيض الطليق. كأنك يا حمد قصيدة أخرى، قصيدة خالدة عابرة للأمم والقارات والأيديولوجيات المحتكرة لصوت الشعر، سواءً كان ظلها أم نقيضها. مات حمد، وتلك هي الحقيقة القصيدة. لا قصيدة الآن سوى موته، وانقطاع الوحي عن كهوف التأمل والانتظار والمكون. كان حمد يستحق منا أكثر، وكنا نحن أطفال الشعر اليتامى الذين لم نعِ، ولن نعي، أي فقدٍ نحن فيه برحيله الصاعق الصادم العميق. وداعاً حمد وإلى لقاءٍ قريب في قصيدة من قصائدك المتناثرة في سماء الباطنة الشاسعة، كأنهن السحاب الذي تلى صلاة استسقاء أخيرة، وكأننا الباطنة الصابرة الممتدة من أول الفالحين لسهلها الخصيب الممحل، حتى آخر شبكة صيّْادٍ في شاطئها المتأهب للنهب والامّحاء.

محمد السناني

إلى الأعلى