الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / بين حمد الخروصي ومحمود درويش

بين حمد الخروصي ومحمود درويش

عرفت حمد الخروصي بعد وفاته أكثر مما عرفته في حياته..
وكذلك محمود درويش..

لا أعرف وجه العلاقة التي جعلتني أربط أسم حمد الخروصي بـ محمود درويش، ولا الصورة التي قفزت لذهني في الساعة التي تلقيت فيها خبر وفاة حمد، حد أنني رحت أقلب في قصائده، وأعيد قراءة أبياته، أنا الذي انصرفت عن متابعة شعراء كثر في خضم الحياة ومشاغلها، لأكتشف بعدئذ وجه العلاقة بينهما.
عرفت حمد الخروصي منذ فترة ليست قريبة، من خلال الصديق فيصل العلوي، الذي كان كثير السرد عن صحبته لحمد، وأحاديثهما في الشعر والحياة، كان فيصل يستعيد أمامي حكايات حمد ومواقفه، ويستعرض بعضا من سجاياه ومحاسنه، وكان يفتخر بعلاقته القوية بهذه الشخصية، وما فتيء التواصل معها في كل حين.
كنت أشعر أن حمد قريبا مني، لكنني لم ألتق به إلا مرات قليلة جدا، كان بعضها أبان نشاط مجلس الشعر الشعبي العماني، الذي أجتمع حمد وفيصل في مجلس إدارته، وكانت المرات الأخرى في أمسيات شعرية، صحبت فيها فيصل العلوي، والشعراء صالح الريسي ومحمد الصالحي، كانت ابتسامة حمد وشخصيته المرحة تسيطر على اللقاء.
ولأنني “مقصر” في التواصل مع ما كان يكتبه حمد الخروصي من نصوص شعرية ونثرية، و”مقصر” أكثر في التواصل معه، ومعرفته عن قرب، فقد جاء “رحيله المباغت” ليعيدني إلى قراءة هذا الشاعر، فوجدته مرهف الأحاسيس، دفاق المشاعر، متوهج بالفرح والحزن، نابض بالحياة والأمل، ممتلئ عشقا وحبا للأرض والوطن، حد أنني تساءلت في قرارة نفسي: أكان لا بد من موت، كي أعرفك عن قرب يا حمد الخروصي.
أعود للتساؤل، الذي طرحته أول السطر، محاولا استعراض العلاقة التي ربطت أسم حمد الخروصي، بمحمود درويش، في نفسي على الأقل في اللحظة التي عرفت بها عن رحيل أبو سما إلى الرفيق الأعلى، والتي أجد أنها تحتاج إلى بحث أعمق، مما دونته في هذه السطور الوجيزة.
***
قبل يوم واحد من حلول الذكرى السابعة لرحيل محمود درويش، كان أصدقاء حمد الخروصي يودعون جسده، لا روحه، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي تفيض بمآثره وحكاياته، وحسابات الشعراء وصفحاتهم تمتلئء برثاء الراحل، وحكاياته وصوره، ووجدت الكثير من الذين لا يعرفون حمد الخروصي، يسألون عمن يكون، وما الذي قام به في حياته، حتى يجمع كل هذه القلوب على حبه.
وكنت ضمن الذين فتشوا في حساب حمد الخروصي على موقع “تويتر” واعدت قراءة تغريداته، على الرغم من معرفتي بها سابقا، كوني من متابعيه، كنت وكأني أقرأ حمد أول مرة، إذ رأيت الحضور الطاغي لمفردة الموت، في الكثير من تغريداته، وكان أكثر ما استوقفني، والتي أعدت تغريدها له بعد وفاته، قوله: “الموت، مسألة وقت !!.” مقاربا في ذلك قول محمود درويش في جداريته “لا شيءَ يبقى على حالِه.. للولادة وَقْتٌ.. وللموت وقتٌ”، كانت تغريدة صادمة، شعرت أن أبو عبدالله كان قد تأهب للموت، واستعد له، ووجدته في تغريدات أخرى يؤكد هذا القول:

“إتكدس الموت في عيني
وانسـلّــت الروح يامريم
واتبخر الماي من طيني
والدود حاصر سواقي الدم!!
ما عادت يديني / يديني
والكون في داخلي أعتم!”.

حتى في منشوراته على صفحته في الفيسبوك، كانت مفردة الموت والرحيل حاضرة في الكثير من النصوص، والكتابات التي قدمها، هذا بالإضافة إلى الكتابات والنصوص التي تنبض بحب الوطن، وتتخضب بقضاياه وهمومه، كان حمد معايشا لحيوات البسطاء، ومقتربا من همومهم، ومتحدثا بلسانهم، لذلك وصف “شاعر الوطن”، ليس كثيرا عليه، وهو الذي جرى الوطن في عروقه مجرى الدم، وحمله في جسده كما حمل روحه.
مثل حمد الخروصي، كان محمود درويش في حياته وفي ابداعاته، تقرأ محمود درويش فيقفز الوطن في الشطر الأول من القصيد، وفي قصيد أخر ترى الشاعر وهو يتجهز لاستقبال الموت، ويتحدث عن جنازته، وكيف يريدها.
يقول محمود درويش في قصيدته الجدارية:

أَيها الموت ، انتظرني عند باب
البحر في مقهى الرومانسيِّين . لم
أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي.
ويقول حمد الخروصي في إحدى تغريداته:
ما اشوف غير الموت قدامي
وبعدي على رؤياه ما أقوى!.

وفي نص آخر يكتب حمد الخروصي:

طاح الورق .. أنا شجر عاري
ليت السهر ينبت في عيني نور
فكِّيت لأجل الموت ازراري
وأخرجت روحي وخاطري مكسور!!.

وتتقارب قصيدة حمد “أرض الغياب”، مع قصيدة محمود دوريش “رسالة من المنفى”، فكلا النصين، ولدا تلبس الاغتراب، وقدم صورة الشاعر، بوجعه واشتياقه، يقول محمود دوريش في “رسالة من المنفى”:

أقول للعصفور
إن صادفتها يا طير
لا تنسني ، و قل : بخير
أنا بخير
أنا بخير
ما زال في عيني بصر!
ما زال في السما قمر!
وثوبي العتيق، حتى الآن، ما اندثر.

ويقول حمد الخروصي، في أرض الغياب:

من موطني أرض الغياب إلى غياب أرض الوطن
أنا بخير وصحتي من يوم سافرت احتضار
أنا بخير ومنتظر منك ولو قطعة كفن
أرفض أموت وداخلي لك يا وطن هالانتظار
انا بخير ولي اهل وأصحاب واحباب وسكن
بس أشعر بوحشة غريب وأشعر بضيق و حصار.

وكذلك الحال بين تغرودة حمد الخروصي ” من أمس والدنيا ظما يا ساري”، وقصيدة محمود درويش “ليتني حجر”.. كلتاهما تعبران، عن هموم الشاعر، وهواجسه تجاه الحياة والموت.. يقول درويش:

ليتني حجر
لا أَحنُّ الى أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضري يتقدمُ أو يتراجعُ
لا شيء يحدث لي!.
أما حمد فيقول في تغرودته:
من أمس والدنيا ظما يا ساري
والبحر غارق في سما أفكاري
لا سدرتي تلمس ظلال جْداري
ولا خطوتي تبقى بعد م الذاري
يمحي رسوم أشعاري وأثاري
يا ليتني صخرة جبل في داري ..!

وهكذا الحال في نصوص كثيرة، قفزت في اللحظة التي كان حمد الخروصي قد غادر الحياة، فلا يمكنني قول هذا له، أو التعبير عن إعجابي بتوارد أفكار قصائده، مع محمود درويش، وأجزم أن حمد لو كان على قيد الحياة، وسمع ذلك لأبهجه، وأسعده، لكننا جبلنا على تقدير الشخوص بعد رحيلهم عن الحياة، فنهرع إلى فتح الملفات التذكارية، وكتابة النصوص التأبينية، والإشادة بمآثر وحياة الراحلين، دون أن يتاح لهم ذلك، وهم على قيد الحياة.
لقد كان رحيل حمد الخروصي، فاجعة كبيرة، سنحتاج إلى فترة زمنية طويلة، كي نصل إلى لحظة يقين أن حمد لم يعد موجودا بيننا جسدا، وأن كل ما تبق منه هو روحه وذاكرته، هذه التي أتمنى أن تكون محلقة في سماوات الأصدقاء، وأن ينهلوا من حياته المعين، الذي يحفظ لهم الذكرى الطيبة بعد رحيلهم.
رحم الله حمد الخروصي، الذي حمل الوطن في صدره، وكتب القدر أن يموت بعيدا عنه، كما محمود درويش “الذي عاد في كفن”، ورحمني الله، أنا الذي لم أعرف نصوص درويش حق معرفتها، إلا بعد رحيله، وكذلك كنت مع حمد الخروصي.

خلفان الزيدي Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى