الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار :حزب الله المتواضع

باختصار :حزب الله المتواضع

زهير ماجد

ما من حزب انتصر سواء ديمقراطيا أو بالعنف الثوري إلا وأمسك السلطة وفرض شروطه ما عدا حزب الله .. الأمثلة كثيرة من فرنسا إلى ألمانيا إلى الولايات المتحدة إلى كوبا وإلى معظم أميركا اللاتينية وحتى العربية كمصر يوم وصل الإخوان.
الحزب اللبناني حمل على أكتافه تجربة نضالية مرة لم تكن سهلة دامت ثمانية عشر عاما من العمليات العسكرية والخسائر البشرية وردود الفعل الإسرائيلية المدمرة .. ويوم انسحب الإسرائيلي من البقعة الجنوبية التي ظن أملا دائما فيها، جاء انسحابه شبيها بالانسحاب الأميركي من فيتنام عشية الانتصار الفيتنامي الشامل والكامل والذي كان هروبا حقيقيا. وإذ لم تتعظ إسرائيل لأن القوة المفرطة تؤدي إلى جنون في التصرف والتصور، فقد ظنت أن تصفية الحساب مع حزب الله بتصفيته في حرب يوليو من العام 2006، قد تحقق، فإذا بها تصطدم بقوته وإمكانياته ومهارة مقاتلية وتدريبهم العالي وتضحياتهم وصمودهم، فهزمت مرة أخرى.
لم يدر الحزب وجهه إلى الداخل اللبناني بطريقة الأسد الجريح وهو المنتصر في الميدان، وبالتالي لا بد في السياسة .. ظل يتأمل المشهد الداخلي هازئا من القوى التي تتحداه، وتسعى للاحتكاك به ولمنازلته إن هو أراد ردود فعل .. لكنه ظل عفيفا، يعرف بقلب أمينه العام الطيب أن وطنا كلبنان لا يمكن لأحد أن يفرض شروطه السياسية، وأن يقلب الطاولة على رؤوس الجميع، وأن يأمر فيطاع .. ظل متواضعا، يتصرف بتساهل، وباحترام، لكنه حين وصلت الأمور إلى خطها الأحمر ضرب بقوة ولم يسمح للضربة أن تتجاوز الساعات القليلة، فكان أن أنهى مؤامرة كبرى تريد جر لبنان إلى أحداث كبرى.
ولأنه الأقوى والأكثر تجربة والأكثر فهما ووعيا، ظل على تواضع الكبار الذين يسامحون الغباء اللبناني السياسي، ويستعلون على صغائر الأمور، ويتعاملون مع بعض التيارات المستفزة بمرونة، وكان يعرف بقدراته المعلوماتية أنها تريد تحويل لبنان إلى صراع مذهبي، وهو ما كان مطلوبا منها أن تفعله. ومع ذلك ظل مسامحا كريما في مد اليد حتى لأولئك، صبورا حتى انقطاع النفس، وجل ما كان يطمح إليه أن تظل الساحة نظيفة، فهو حزب مقاوم، هدفه مقاتلة إسرائيل أولا وآخرا.
ويوم نادى المنادي بالذهاب إلى سوريا لمؤازرة الشقيق السوري في حربه ضد الإرهاب التكفيري، إضافة إلى ما يعنيه بالدرجة الأولى درء المخاطر عن لبنان، لبى فورا، وقدم شهداءه، واعتبر أن ما يفعله هو قتال للعدو الإسرائيلي أيضا بثوب الإرهابيين التكفيريين. ورغم الحملة عليه لاشتراكه بذلك الصراع، ليس من باب الود لسوريا فقط، وإنما من خلال قراءة استراتيجية عميقة ومتفهمة، فقد كان يهزأ من مهاجميه، ضاربا عرض الحائط بأفكارهم التي لا ترى ما هو خلف الصورة الحقيقية.
بات حزب الله رقما صعبا في المنطقة والعالم .. لكن صغار السياسة في لبنان ما فتئوا ينظرون حول مساهمته في سوريا الشقيقة .. إلا أنه كقادر ظل على تواضعه يتأمل انحسارهم لأنه لم يلب رغباتهم بجره إلى معارك قد تصل إلى رفع السلاح داخليا. ظل حزبا يتواضع كلما كبر، ويكبر كلما صغروا، وهو الآن يرى فيهم نبتا شيطانيا لكنه حريص على أن تظل الأخوة المواطنية قائمة، فما زال مرابطا في الجنوب، ومقاتلا في سوريا وغيرها، ومع ذلك فهو سيد الساحة لأنه يمسك بتفاصيل خيوطها مانعا وصولها إلى درجة الغليان.

إلى الأعلى