الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة : تصريحات تحتاج وقفة

أضواء كاشفة : تصريحات تحتاج وقفة

التصريح الناري المستفز الذي أطلقه الرئيس التنفيذي لإحدى شركات القطاع الخاص مؤخرا وأثار الكثير من الجدل رغم أنه غير مسئول، ولا يجوز أن يخرج عن شخصية قيادية خاصة في مؤسسة عمانية إلا أنه فتح الباب لإعادة النظر في الكثير من الملفات المسكوت عنها.
لقد قال المسؤول في مقابلة مع إحدى الصحف الناطقة بالإنجليزية: “العمانيون غير قادرين على إنتاج جرام واحد بدون الأجانب” .. ثم عاد ووجه رسالة اعتذر فيها عن هذا التصريح المستفز، وعقب بأن كلامه تم ترجمته بصورة خاطئة، وأن هناك سوء فهم لثقافة العمل والحقائق التي أراد أن ينقلها.
ورغم الاعتذار .. هل سيمر هذا الموقف مرور الكرام أم أنه يعتبر بمثابة الجرس الذي يدق لينبهنا لموضوع شائك وخطير؟
لا شك أن معاقبة هذا المسئول بإقالته أو الخصم من راتبه أو حتى توجيه اللوم له ليس هو الحل، بل يجب أن ننظر للموضوع بنظرة أعمق من ذلك حول موقع المواطن العماني فيما يدور من حوله في البلاد من مشاريع تنموية ناهضة تستلزم أن تقوم على سواعد أبنائها.
إن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات يتابعنا أولا بأول بالإحصائيات الخاصة بنسب التعمين، ويثلج صدورنا بارتفاعها بصورة مستمرة، ورغم أن هذا النمو يرتفع بصورة بطيئة إلا أنه في النهاية يزداد مع الأيام حيث تصل نسبة التعمين في الوقت الحالي ما بين 92% و32% ونحلم جميعا باليوم الذي تصل فيه معدلات تشغيل الأيدي العاملة الوطنية إلى 100% في جميع القطاعات الحكومية والخاصة .. ولكن حكومتنا الرشيدة ماضية نحو بلوغ هذا الهدف طبقا لاحتياجات السوق.
لا شك أن هناك الكثير من المشاريع الناجحة والتي لها بصمة واضحة في اقتصادنا العماني تدار بأيدٍ عمانية .. فقد أثبت المواطن العماني قدرته على إدارة المؤسسات الحكومية جميعها تقريبا ونسبة كبيرة جدا من المؤسسات الخاصة .. والإنجازات تشهد على ذلك، سواء على المستوى المحلي أو الخليجي أو حتى خارج المنطقة بأسرها، وفي جميع المجالات الصناعية والتجارية والإدارية والسياحية وغيرها .. لذلك فإن تصريح هذا المسئول وإن كان يعبر عن رؤية صاحبه، ونحن في المقابل نؤمن بحرية الرأي ونقبل بالنقد البناء، إلا أنه ليس مقبولا ولا معقولا لأنه نابع من عدم فهم وإدراك لما حققه العماني من نجاحات شاخصة لمن لديه لب حكيم .. ولو درس تاريخ شركته التي يرأسها لعلم أنها قامت على أكتاف العمانيين وبنيت بسواعدهم وبدعم الحكومة العمانية.
إن هذه التصريحات يجب أن تنبه المسئولين لضرورة مراجعة سياسة التعمين ومحاولة الإسراع فيها؛ لأن هذا أبسط حقوق المواطن العماني، إلا أنه قبل ذلك عليهم أن يغرسوا في نفوس العمانيين ثقافة العمل المفقودة في كثير من الأحيان .. فهناك الكثير من الشباب يحتاجون للتدريب للحصول على المهارات اللازمة التي تؤهلهم للوظيفة .. كما أن هناك بعض الشباب يرفضون وظائف بحجة أنها بسيطة ولا تتناسب مع إمكاناتهم، متناسين أن العمل مهما عظم أو صغر فإنه في النهاية واجب وطني وشرف يجب أن يحرصوا عليه كي يعلوا من شأن الوطن .. إلى جانب أن هناك بعض أصحاب الشركات والأعمال يلجأون للأيدي العاملة الوافدة لرخص ثمنها، متناسين أن الاستعانة بالعماني واجب وطني يجب أن يؤدوه مهما كلفهم من تضحية لا سيما أن تزايد أعداد الخريجين كل سنة يتسبب في تفاقم مشكلة الباحثين عن عمل التي نتمنى أن نقضي عليها نهائيا، ويحصل كل باحث عن عمل على وظيفة تضمن له العيش الكريم في بلده ووسط أهله.
إن الإهانة التي شعر بها كل عماني من هذه التصريحات المستفزة للمسئول في هذه الشركة يجب أن تمنحه الإصرار على بذل الجهد والعمل والعطاء لهذا البلد، وإثبات لكل من لديه خلط في تفكيره أن العماني قادر على بناء وطنه من الألف للياء، وأن القوى العاملة الوطنية تتحمل مسئولية السير بالوطن نحو التقدم .. فمن حق بلدنا علينا أن نرعاه ونطوره بالجد والاجتهاد، وبذل الغالي والنفيس من أجله؛ لأن المواطن العماني أحق ببلده من أي شخص آخر مهما كان وهو قادر على تنمية بلاده والأخذ بيدها نحو التقدم والرقي والازدهار.

* * *
وداعا شاعر الشباب
“تاريخ أية حضارة هو تاريخ شعرائها وكتابها وأدبائها، هو تاريخ سيرة الإنسان في تلك الأرض، وإذ كان ما تم تشييده وبناؤه هو من الشواهد على أصالة أية حضارة فإن ما يتم تناقله عبر ذاكرة الناس الشفهية أو توثيقه في الكتب والمراجع يعد هو الوجه الآخر لمعرفة الحقيقة ..
إن عُمان هي السيرة الشيّقة لتاريخ طويل من حضارة عربية أصيلة، حضارة استوعبت تعددية بيئية فاتنة، شكلتها طبيعة الجغرافيا العمانية، فالتاريخ هو ابن الجغرافيا، حيث إن الجغرافيا التي تحدد ملامح الأرض تحدد وجهة التاريخ ومساره فيها” .. هذه الكلمات الرائعة للشاعر الراحل حمد الخروصي الذي ترك بصمة واضحة على ساحة الشعر النبطي، وأثرى هذه الساحة بكثير من القصائد الخالدة التي سيظل يذكرها التاريخ مهما مرت السنون رغم صغر سنه.
لا شك أن كل عماني حزن وتألم كثيرا لفراق ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ “شاعر الشباب” أو “شاعر الوطن” كما أطلق عليه إثر أزمة قلبية ألمت به وهو في سويسرا .. فقد اتسم بحبه وإخلاصه لوطنه، وتكللت حياته بالعطاء الوافر والإنجازات الأدبية الكثيرة والنصوص الشعرية المميزة التي تناولت القضايا الإنسانية كالفقر والغربة والظلم والسلم والحب والطبيعة، إلى جانب الكثير من القصائد العذبة التي عبر فيها عن حبه وعشقه لوطنه وغيرها .. كما شارك في العديد من الندوات وكان محكما في بعض المسابقات الشعرية محليا وعربيا أبرزها برنامجا “شاعر المليون” و”بيت الشعر” بالإضافة إلى أنه أحد مؤسسي مجلة “وهج الشعرية”، وعمل كمنسق للتحرير بها حتى توقفها وغير ذلك من الإسهامات الكثيرة التي تدل على أنه ـ رحمه الله ـ كان شعلة نشاط، ومن الشعراء المهمومين بتطوير الشعر والارتقاء به.. هذا بالإضافة إلى عمله كمدرس في كلية التقنية قسم الهندسة بالسلطنة.
الغريب أن هذه هي المرة الأولى التي يذهب فيها الشاعر حمد إلى أوروبا، حيث كتب على صفحته على “تويتر” قبل وفاته بثلاثة أيام تغريدته الأخيرة التي قال فيها “شكرا للكاتب الكبير تايلور الذي شجعني بكتابه القيم للذهاب إلى أوروبا لأول مرة”، وكأنه ذهب لقضاء الله، كي تصعد روحه إلى بارئها ويقضي نحبه خارج وطنه الذي حارب كثيرا من أجل إعلاء شأنه.
الجميل أنه ـ رحمه الله ـ كان حريصا على إبراز المفردات العمانية الأصيلة في أشعاره، بل كان يحث الشعراء الآخرين على ذلك، ويأخذ بيدهم حتى يصبحوا خير سفراء لبلادهم، ويسهموا في تعريف العالم بالأصالة العمانية والتراث الحضاري العريق، فيقول في أحد مقالاته “الصحراء الشاسعة اللامنتهية وآثار أقدام البدويّ المطبوعة على الكثبان المتحركة، والجبال السمر الشاهقة حيث نحت فيها العماني سكنه ومزرعته الصغيرة وقبره، والبحر الذي أصبح جسرا لنقل تاريخ من المجد والبطولات إلى أماكن قصيّة ومجهولة، كل هذا عُمان، عُمان التاريخ”.
كان يرى الخروصي أن الشعر الشعبي ظلمه التاريخ حين أسقط من ذاكرته الكثير من الأسماء الأدبية العمانية البارزة التي لم تحظ بالتدوين والتوثيق رغم أن أول قصيدة نبطية دونها التاريخ في شبه الجزيرة العربية في القرن التاسع أو العاشر هجريا كانت لشاعر عماني هو قطن بن قطن .. لذلك كان أعد كتابا وثق من خلاله شعراء عُمان الراحلين حيث جاب المناطق والمدن بحثا عن المعلومة الموثقة، فالتقى بكبار السن وتتبع حكايات الشعراء حتى لا يحتوي كتابه على معلومات مغلوطة .. وكان يقول عن الشعر “الشعر هو السفر الذي يطوي الطريق المار في وسط غابات الحياة المظلمة, هو عمود النور الهابط من شمس الأمل, هو الطفل الذي يتمرجح بالأغصان ويلعب بماء النهر, هو الحلم الذي لا يتكرر مرتين, هو الهواء الذي لا نستطيع القبض عليه ولا نستطيع العيش بدونه, نحبه حينما يتمرد علينا, يدهشنا حينما يثور ويغضب ويحطم أنخاب الوهم, وننزعج منه حينما يكون بسيطا” وطيبا وساذجا”.
أما عن رؤيته لوسائل التواصل الاجتماعي فقد كان يرى أنها أعادت الحياة للشعراء وأن كثيرا منهم ظهر عن طريقها نتيجة تواصلهم مع الجماهير من خلالها إلا أنه اعترض على أن تختزل الكتابة لتصبح شذرات عبر تويتر بل لا بد للكتابة أن تتطور.
إن الموت الذي غيب حمد الخروصي أصاب الكثيرين بالحزن والألم على فراقه، ورغم أنه لم يمر على رحيله سوى عدة أيام إلا أن الشعر اشتاق لعذوبة ورقة تعبيراته .. ولكننا في النهاية أمام قضاء الله وقدره لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة والدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدمه لوطنه من خير ويلهم ذويه الصبر والسلوان .. إنا لله وإنا إليه راجعون.

* * *
آخر كلام
قال برنارد شو: يسألونك عن الحب .. قل الحب هو نوع ثالث من الكرات الدموية يجري في الأوردة والشرايين.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى