السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب النفسية وأدوات الانهزام الوطني

الحرب النفسية وأدوات الانهزام الوطني

محمد بن سعيد الفطيسي

كذلك ومما يجب الحرص عليه، هو أن يعي كل ابن بار مخلص لعُمان العزيزة الغالية وقائدها المفدى أنه جزء لا يتجزأ من أمن وطنه واستقرار بلده، وأن عُمان غالية تستحق كل التضحيات مهما بلغت، ومهما اختلفنا حيال العديد من القضايا الوطنية الداخلية حولها، فذلك ليس مدعاة أبدا لإعلاء الخلافات والمصالح الشخصية الرخيصة، وشق لحمة الصف الوطني أو الوحدة الوطنية الداخلية، أو العبث بكل ما يمكن أن يتسبب لهذا الوطن العزيز وشعبه الكريم بالأذى والسوء والشر.

يطلقون عليها اسم حرب تحطيم المعنويات والإرادة الوطنية الداخلية, وحرب الإرهاب النفسي والاستنزاف العصبي, وحرب العقول والأفكار وغسيل الأدمغة، كل هذه الأسماء والصفات تطلق على أخطر الحروب التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ، وهي الحرب النفسية، والتي يطلق عليها أيضا، بفن تحطيم العدو دون حرب، وإنزال الهزيمة به دون قتال، ولتلك الحرب وسائل وأدوات وفنون ومخططات كثيرة تستخدم للوصول إلى أهدافها التكتيكية او الاستراتيجية منها، يقع على رأسها تفتيت الوحدة الوطنية وتلاحم النسيج الوطني الداخلي.
وقد عرفت الحرب النفسية قديما بين صفوف العسكريين، لأنها كانت موجهة بشكل رئيسي لتحطيم إرادة الجيوش النظامية وكسر إرادة أفرادها وشق صفوفهم، إلا أنها اتخذت مع تطور علم النفس والتكنولوجيا والعولمة العابرة للقارات والاستراتيجيات الاستخباراتية والأيديولوجيات السياسية والإعلامية منحنى أكثر خطورة وفتكا بالأمم والشعوب، وفي نفس الوقت أقل كلفة بشرية وخسائر مادية وأشد قوة واتساع جغرافي وفتك نفسي.
فإذا كان الثابت في الحرب النفسية التقليدية الموجهة للجيوش النظامية قديما بشكل رئيسي والهادفة لإجبار الخصم العسكري على الرضوخ، وكسر إرادة الصمود لديه وقيادته، وإجباره على الاستسلام الكامل غير المشروط، أي تجريده من الإمكانات والقوى المادية والمعنوية، وجعله لا إراديا يتراجع في موقع حاملا معه خسائره الكبيرة، فإن الثابت في الحرب النفسية الحديثة، أنها توجه للطرفين، أي العسكريين والمدنيين معا، مع تركيز واضح في وقنا الحاضر على المدنيين، وخصوصا فئة الشباب والمثقفين منهم، ودون تمييز لأطفال أو نساء، وتحديدا البسطاء والفقراء قبل الأغنياء، أي أنها تستهدف كل مدني قادر على إذكاء نارها، وإشعال فتيلها, والمساهمة في نشرها وانتشارها من خلال استغلال نقاط الضعف الموجودة في ذلك البناء الوطني والنسيج الاجتماعي الداخلي.
ويعد الإعلام اليوم على اختلاف أنواعه المقروءة والمسموعة والمرئيـــة والإلكترونية، وعبر وسائطه الاجتماعية ـ تويتر والفيس بوك والواتساب ـ وهي على سبيل المثال لا الحصر، من أبرز الوسائل والأدوات المستخدمة في هذه الحرب، واللافت للنظر أن هذا النوع من أشكال الحروب القديمة المتجددة قد تطورت بتطور الجنس البشري وأفكاره وتقدم حضارته العلمية والمدنية، مستخدمة وسائل التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، كما لم تعد حكرا على الحروب والصراعات بين الدول بعضها البعض، أو موجه لتحطيم إرادة الجيوش النظامية ومعنويات المقاتلين والعسكريين فيها كما سبق وأشرنا، بل تحولت إلى أوراق رابحة وقوة ضاربة بيد العصابات الإرهابية والجماعات المتطرفة والراديكالية، وكذلك في يد الأنظمة السياسية التسلطية والقمعية، والحكومات الدكتاتورية ضد المخالفين والمعارضين لتوجهاتها وسياساتها في الخارج ومن مواطنيها وأبناء شعبها، وفي يد دول تحاول تحطيم إرادة شعوب دول أخرى لأهداف اقتصادية وسياسية واجتماعية وغير ذلك.
نعم، إنها حرب يستخدمها الشقيق على شقيقه والصديق على صديقه قبل العدو لتغليب مصالحه الشخصية بكل هدوء وخسة وبرود أعصاب وابتسامة ساخرة، فهي من أدوات القتل الرحيم، والشيطان الرجيم، والتسلل الجميل الهادئ كالقطط في آخر الليل إلى دور الطين وقصور الرخام، إنها حرب العدو الحاقد والخائن الكائد والمتربص الحاسد والطامع الفاسد في الداخل والخارج، إنها حرب لا مكان للأخلاق والصداقة والفروسية فيها، فهي حرب الأزرار والثلاث ثوانٍ وسرقة الإنسان من نفسه وأهله ووطنه، إنها السلاح الصامت الذي يستطيع تدمير أمة بأسرها وإنزال الهزيمة بها وبهم دون أن يطلق رصاصة واحدة.
والمتتبع لأساليب الحرب الإعلامية النفسية يجد أنها ترتكز بشكل رئيسي على الوعي الجماهيري، والذي غالبا ما تشابه في ذلك أساليب ومناهج الطب النفسي للتأثير على المريض (ويُمارس مثل هذا التأثير على خلفية الضجة الإعلامية أو عند حلول فراغ إعلامي وتلجأ الحرب الإعلامية في عمليات هجومها إلى أسلوب التنكر وعدم المباشرة، وهذا ما يميزها عن الدعاية العادية، وتتخذ الحرب الإعلامية جميع وسائل الإعلام كأدوات لها، وينطوي التأثير الإعلامي على تشويه الحقائق أو تأجيج المشاعر لتصب في صالح الطرف الذي يخوضها، وتعتمد الحرب الإعلامية أساسا على وسيلة التضليل المعلوماتي، أو نشر معطيات تخدم أهدافها، تتيح تغير وعي مجتمع الخصم لتقييمه للتطورات الجارية في بلاده، وترسيخ روح ومشاعر الهزيمة في وعيه).
من ناحية أخرى فقد تقلص الدور الميداني والجسدي لما يطلق عليهم بالطابور الخامس في هذا النوع من الحروب كما هو في العقود السابقة، حيث لم تعد الدول بحاجة إلى أن تبعث جيوش جواسيسها للدخول إلى البلد الذي ترغب في اختراقه، بل يكفيها لعمل ذلك جلوس عدد قليل من أفراد ذلك الطابور في غرفة مكيفة ووراء شاشة حاسوب صغيرة، وهم يحتسون كوبا من الشاي أو القهوة لبث الرعب والخوف ونشر الإشاعات التي تتسبب بالسخط والامتعاض الداخلي بين أبناء المجتمع على حكوماتهم، ونشر الفتن والقلاقل وأسباب الفرقة والنزاع والشقاق الوطني، وتحطيم المعنويات وكسر إرادة الجيوش وتحطيم الوحدة والمشاعر الوطنية لشعوب ودول آمنة مستقرة.
وباختصار، فإن الحرب النفسية في العصر الرقمي الجديد والهادفة لاختراق الأمن القومي للدول وكسر إرادة الشعوب وبث روح الانهزام الوطنية في نفوسهم، وقلب الأنظمة والتمرد عليها، وتناقل الثورات، ستتمدد عبر أسلاك السيلكون والأقمار الصناعية وستنطلق عبر سائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، فيما يمكن أن نطلق عليه بإعادة تشكيل خريطة مبادئ واستراتيجيات الحرب النفسية الإعلامية في القرن الحادي والعشرين، مستهدفة إضعاف النسيج الوطني والتلاحم الداخلي والمناعة والوحدة الوطنية، بالتركيز على نشر الإشاعات المغرضة التي تحرض على كل ما من شأنه نشر مشاعر السخط والامتعاض حيال بعض القضايا الوطنية الداخلية التي يمكن أن تستثمر إعلاميا ودعائيا وتسويقيا لتأليب الرأي العام على حكوماته وأنظمته السياسية واستقرار وأمن وطنه، وكذلك من خلال توسيع دائرة الريبة وعدم الثقة في أذهان الشعوب حيال تلك الأنظمة والحكومات، وكذلك تشكيكهم في حاضرهم ومستقبلهم، وفي أنفسهم وفي ثقافتهم وهويتهم وتاريخهم، وفي كل شيء من حولهم، أي قتل الروح الوطنية والإنسانية فيهم باختصار.
والخطير في الأمر استغلال التنظيمات الإرهابية والمتطرفة لهذا النوع من الحروب في وقتنا الراهن، حيث نلاحظ العديد من تلك الجماعات الراديكالية المتعصبة والمتطرفة في أفكارها وتوجهاتها وأيديولوجياتها، أصبح لديها مواقع إعلامية على شبكة الإنترنت، وتمكنت من التسلل والولوج إلى المجتمعات والأمم الوطنية في كل أنحاء العالم عبر وسائط التواصل الاجتماعي كتويتر والواتساب وغيرها، وبدأت تستغل كل ذلك عبر بث رسائل إرهابية وتحريضية إلى الشعوب في الغرب والشرق، مستهدفة كل ما من شأنه التشكيك في مصداقية الأنظمة السياسية والسياسات الداخلية واستهداف الوعي الجماهيري للشعوب العربية وخصوصا فئة الشباب منهم، بهدف قيام هذه الفئة بأعمال إرهابية وتخريبية تستهدف أمن واستقرار أوطانها وأهلها وبكل تأكيد استقرار أنظمتها السياسية الحاكمة.
إذًا، فالحرب النفسية اليوم أصبحت سلاحا قويا في يد من يتقن أدواته ووسائله، تستغل إعلاميا في كل أنحاء العالم، لا تؤمن بالصداقات أو حسن الجوار، فالمصالح الشخصية وحدها المعيار الذي تقاس به الأهداف والتوجهات ومخططات تلك الشياطين البشرية، والفطن من يستطيع تحصين وبناء منظومته الوطنية الداخلية القادرة على احتواء تبعات وانعكاسات تلك الحرب الدنيئة، والحكيم من يعي أن الحذر واجب، وأن الاحتياط من الشر بصناعة مخططات وخطط واستراتيجيات وقائية خير من انتظار وقوع البلاء في البيئة الوطنية ومحاولة معالجته بعد ذلك.
بناء على ما سبق التطرق إليه في هذا السياق، وجب التنبيه وطنيا: إلى ضرورة أن يملك إعلامنا الوطني اليوم وفي الغد أدواته الخاصة بمواجهة هذا النوع من الحروب الإعلامية والنفسية التي بدأت تضرب عمق كل أمة وطنية بلا استثناء، فالإعلام والإعلام المضاد في كل دولة هو سياج واقٍ يجب تفعيله للوقاية من تبعات هذه الحرب وانعكاساتها ومخاطرها على النسيج الاجتماعي والوطني والمناعة الداخلية والوحدة الوطنية، كما يجب أن تتنبه الحكومة إلى أهمية التقارب مع المواطنين وبث روح الثقة بينهم فيها، والعمل معهم على صناعة حاضرهم وبناء مستقبلهم الوطني بالمشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها في كل ما يمكن أن يمهد للجيل الوطني القائم والقادم القدرة على فهم المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية المحيطة به في البيئة الداخلية الوطنية والإقليمية والدولية.
وإنه مما يجب التوجيه والتنبيه إلى أهميته في هذا السياق وطنيا، ضرورة العمل على رفع منسوب الحصانة الداخلية والوحدة الوطنية بكل الوسائل الثقافية والفكرية والتعليمية وغير ذلك من جهة، والوقوف بكل قوة وحزم من الناحية القانونية والأمنية حيال ذلك من جهة أخرى، وخصوصا تلك القضايا التي تلامس التلاحم الوطني والتماسك الداخلي، كبث النعرات الطائفية والمذهبية، مع عدم التمييز في ذلك بين فرد وآخر، سواء كان كبيرا أو صغيرا، غنيا أو فقيرا، قريبا من السلطة أو بعيدا عنها، كذلك ومن الأشياء التي يجب التنبيه إليها في هذا السياق، تلك القضايا التي تمس الهوية الوطنية، إذ يجب الاهتمام بها ونشرها والتوعية بها إعلاميا وسياحيا وتعليميا وثقافيا، وإلا فإن استهداف الهوية الوطنية وامتداداتها هو جزء لا يتجزأ من أهداف الحرب النفسية الإعلامية.
هذا بالإضافة إلى ضرورة التركيز على فئة الشباب منهم، فهي الفئة المستهدفة دائما في كل مخطط عدواني إرهابي متطرف كما نشاهده اليوم على كل وطن آمن مستقر، وذلك بالتركيز على التعليم السليم المتوازن والتوجيه الديني والفكري الدقيق، والتعبئة الوطنية الثقافية الصحيحة، واحتوائهم وطنيا وفكريا ونفسيا، ورفع منسوب ثقتهم في الحكومة التي تدير شؤون حياتهم ومستقبلهم الوطني، وعدم تركهم للفراغ والتسيب والشتات والانحراف والانحلال، والعمل على توجيههم التوجيه الديني والفكري السليم، الذي يبعدهم عن كل فكر متعصب متطرف منحرف.
كذلك ومما يجب الحرص عليه، هو أن يعي كل ابن بار مخلص لعُمان العزيزة الغالية وقائدها المفدى أنه جزء لا يتجزأ من أمن وطنه واستقرار بلده، وأن عُمان غالية تستحق كل التضحيات مهما بلغت، ومهما اختلفنا حيال العديد من القضايا الوطنية الداخلية حولها، فذلك ليس مدعاة أبدا لإعلاء الخلافات والمصالح الشخصية الرخيصة، وشق لحمة الصف الوطني أو الوحدة الوطنية الداخلية، أو العبث بكل ما يمكن أن يتسبب لهذا الوطن العزيز وشعبه الكريم بالأذى والسوء والشر، وأن يحرص على أن يكون السد المنيع والحصن الحصين في مواجهة كل من تسول له نفسه العبث بأمن واستقرار هذا الوطن المجيد من خلال التصدي لكل المغرضين الحاقدين الحاسدين في الداخل والخارج، من الذين يحاولون بث الفتن والإشاعات والانقسامات الطائفية أو المذهبية وغيرها من أسباب الشقاق.
وكما قال باني نهضة عُمان المجيدة، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في خطاب العيد الوطني السابع في العام 1977م من أن: الافتراض أن الخطر الذي يهدد الدول والشعوب يبدو دائما على شكل قوة مسلحة، إنما هو افتراض خاطئ، فأعداء الحرية يستخدمون كل الوسائل والطرق الممكنة لتحقيق أهدافهم،… إن هذه القوى التي تعمل في غالب الأحيان في ظل شعارات زائفة عن الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، قد أعدت نفسها لتقويض وتحطيم أسس المجتمعات المستقرة،… وهذه القوى التي تزعم الدفاع عن الحرية وتزعم الدفاع عن الشعوب الضعيفة والفقيرة، مصممة على إهدار الشرعية الدولية والقيم الإنسانية في كل مكان.
إن هذه القوى تحارب بكل ما لديها من وسائل الحرب والتخريب ساعية إلى هدم القيم والمبادئ والمثل التي تعلمها الإنسان عبر مئات السنين، وارتضاها أساسا لنظام حياته، كذلك فإن الدعايات المسمومة التي تستخدمها هذه القوى بذكاء ومهارة إنما تهدف إلى تظليل عقول البسطاء من الناس، الذين يسهل خداعهم، كما تهدف إلى خداع الذين يرون في هذه الدعاية المسمومة دعوة لإطلاق غرائزهم الدفينة.
ورب سائل يسأل: يا ترى ما الغاية من هذه المحاولات؟ إن الغاية واضحة ومعروفة، وهي دفع الدول والشعوب المستقرة إلى حالة من الفوضى والاضطراب والانحلال الخلقي والمادي، باسم الحرية والمساواة، بحيث يصبح من السهل الانقضاض على هذه الدول والمجتمعات، لأن هذه القوى لا همَّ لها سوى السيطرة على العالم …. وإذا جاز بلد لنفسه أن يحدث هذا ـ لا سمح الله ـ فإنه سيجد نفسه معرضا لطغيان بشع لا يعرفه إلا الذين خبروه.
حفظ الله عُمان الوطن العظيم وقائده الحكيم المفدى وشعبه المجيد من كل سوء وشر، وجنبهم الفتن والقلاقل والصراعات والانقسامات، ورد كيد كل عدو حاقد وخائن كائد ومتربص حاسد وطامع فاسد في الداخل والخارج إلى نحره، وجعل تدميره في تدبيره،,, اللهم آمين.

إلى الأعلى